إبراهيم رئيسي .. رئاسة السلطة القضائية والتلهّف إلى رئاسة الجمهورية

إحسان مهرابي- إيران وير

كان عقدُ 2000 عقدَ مواصلة ارتقاء إبراهيم رئيسي سلّمَ المناصب في السلطة القضائية، وعقدُ 2010 عقدَ ترؤّسه لهذه السلطة وفشله في تبوُّؤ رئاسة الجمهورية، ومع أنه كان من الممكن أن يصبح رئيس السلطة القضائية في وقت أبكر لكن “صادق لاريجاني” كان محبوباً أكثر لدى خامنئي حينَها، فضلاً عن أن رئيسي كان يحتل مرتبة أدنى بكثير من ناحية الدراسة الحوزوية.

في العام 2004 أمسى إبراهيم رئيسي في عهد “محمود هاشمي شاهرودي”، رئيسِ السلطة القضائية، المعاونَ الأول لهذه السلطة، وبعد سنة من تعيينه في هذا المنصب تَسلّمت رئاسةَ الجمهورية حكومةٌ ذات التوجهات الموحَّدة مع السلطة القضائية، وهي حكومة “محمود أحمدي نجاد”، فاحتفظ رئيسي بمنصبه.

في السنوات الخمس الأولى من توليه هذا المنصب حدثت حالات متعددة من نقض حقوق الإنسان وفرض القيود والقيام بالاعتقالات على يد السلطتين التنفيذية والقضائية؛ بدءاً من الضغوط على الطلاب المحتجين المنتقدين وإغلاق “مكتب تحكيم الوحدة” (كيان طلابي من التيار الإصلاحي) بالشمع الأحمر وفصل الطلاب من الجامعات وحرمانهم من إكمال دراستهم إلى الشروع ببرامج مثيل “دوريات الإرشاد” للتعامل مع من يَرتدين الحجابَ ارتداءً سيئاً من وجهة نظر النظام، إلى الصدام مع نشطاء “حملة المليون توقيع” (حملة من أجل تساوي حقوق المرأة والرجل).

على أن ذروة المواجهة القضائية في عقد 2000 تمثّلت في قمع المحتجين على نتائج انتخابات 2009، وقد حدث جزء من ذلك في ولاية محمود هاشمي شاهرودي وجزء آخر في ولاية صادق لاريجاني، وكان إبراهيم رئيسي حاضراً في الولايتين.

كان أحد إجراءات السلطة القضائية حينَها هو إعدام “آرش رحماني بور” و”محمد رضا علي زماني” اللذين تم اعتقالهما قبيل الاحتجاجات بتهمة الانضمام إلى “الجمعية الـمَلكية”، ومع ذلك فقد أعلنت النيابة العامة في طهران أنهما اعتُقلا بسبب ضلوعهما في الاحتجاجات.

دافع إبراهيم رئيسي عن هذا الإجراء بضراوة بل حتى إنه نفى إقرار “محمد جواد لاريجاني”، المعاون الدولي للسلطة القضائية، باعتقالهما قبل أشهر، وقال بحضور قوات الباسيج والحرس الثوري: “الاثنان اللذان تم إعدامهما والأشخاص التسعة الذين سيتم إعدامهم عـمّا قريب هم جميعاً ممن اعتقلوا في حالات الشغب الأخيرة قطعاً، وكلُّ واحد منهم مرتبط بأحد التيارات المناهضة للثورة الإسلامية، وشاركوا في هذا الشغب بدافع النفاق وبغرض الإطاحة بالنظام الإسلامي”، وجواباً عمّن كانوا يستعملون حينها عبارات “الرأفة الإسلامية” و”العفو” قال رئيسي: “سنواصل مسار مكافحة مُـحدِثي الفوضى والشغب حتى النهاية وسنستأصل الفتنة من جذورها”.

وبعد انتشار أنباء تعذيب السجناء الجسدي والجنسي في معتقَل “كهريزك” ومَصرع عدد منهم، كان رئيسي أحدَ أعضاء لجنة ثلاثية للتحقيق في مزاعم اغتصاب المعتقلين، لكنه اعتبر هذه الأمور قضايا “هامشية” مُصرِّحاً أن القضية الرئيسة هي الظلم الكبير الواقع بحق النظام الإسلامي، فضلاً عن أنه هو والعضوين الآخرَين في هذه اللجنة اعتبروا مزاعم الاعتداء الجنسي على المعتقلين مَزاعمَ مفبركة من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، وأن الهدف من ورائها هو تضليل الرأي العام، مطالبين بمواجهة حاسمة لمن “يَنشرون الأكاذيب” و”يُلقون الاتهامات” فيتسبّبون في “اضطراب الرأي العام” و”الإساءة إلى سمعة النظام”.

في قضية الإقامة الجبرية المفروضة على “ميرحسين موسوي” و”زهرا رهنورد” و”مهدي كروبي”، وهم قادة “الحركة الخضراء”، أعلن إبراهيم رئيسي في البداية عن محاكمتهم وبقي يَتحدث عن هذا الموضوع بعد ذلك بسنوات إلى أصبح النائب العام في البلاد، في 2014 وصف هؤلاء بأنهم “مثل يَزيد الجاهل” وبأن “الشيطان” استولى عليهم وبأن نظام الجمهورية الإسلامية يتعامل معهم بالرأفة.

مكانة مختلفة بعد تولّي رئاسة العتبة القدسية الرضوية

في العام 2015 تولى رئيسي رئاسة العتبة القدسية الرضوية، ما جعله في مركز الاهتمام، ذلك أن هذا المنصب يُعتبَر منصباً رمزياً من ناحية، ومن ناحية أخرى تتمتع خراسان بأهمية خاصة لأنها مسقط رأس خامنئي، بذل رئيسي جهوده في إظهار صورة متباينة عن سلفه، “عباس واعظ طبسي”، وقام بإجراءات ليستفيد أهالي مشهد من إمكانات هذه العتبة الكثيرة، كما يَذكر المقرّبون من رئيسي مكافحته للفساد في العتبة القدسية الرضوية التي اشتهرت بالفساد، لكن هناك ملفات متعلقة بالفساد وقعت في عهد رئيسي ولم تتوضح تفاصيلها حتى الآن.

الترشح لرئاسة الجمهورية والفشل في الوصول إليها

كان رئيسي قد صرّح في وقت سابق أن منصبه في خدمة “الإمام الرضا” في العتبة القدسية الرضوية لا يُقارَن مع أي منصب آخر، لكنه مع ذلك ترشَّح للانتخابات الرئاسية في 2017، ذاكراً أن سبب حضوره في المنافسات الانتخابية يَعود إلى “مراجعات متعددة” وإن كان قد امتنع عن الحضور في “المشهد حتى وقت قريب”، لكن ذلك لم يكن المسعى الأول لرئيسي للدخول في النزاعات السياسية والحزبية بغية الوصول إلى منصب انتخابي، أما المرة الأولى فكانت في النصف الثاني من 1997 تزامناً مع تسلُّم حكومة محمد خاتمي المعروفة بالإصلاحات، حينها كان ذا منصب قضائي، فانضم إلى الكيان السياسي الموسوم بـ “مجتمع رجال الدين المناضلين في طهران”، وكان هذا الكيان في تلك السنوات أكثر جماعة سياسية محافظة نفوذاً وأكثرها معارضة للإصلاحات في إيران، كان لعضويته في ذلك الكيان المناضل علاقة بقراره للحضور في مجلس خبراء القيادة الذي دخله في العام 2006 بوصفه نائباً عن محافظة خراسان الجنوبية بدعم هذا الكيان السياسي وكذلك بدعم “مجتمع المدرّسين في حوزة قم العلمية”، وبعد سنتين شقَّ طريقه إلى مجلسه الإداري.

في العام 2018، وبعد أسبوع من تعيينه رئيساً للسلطة القضائية حصل على 42 صوتاً مقابل 27 صوتاً لصادق لاريجاني وأصبح نائب رئيس مجلس خبراء القيادة،

قبل فترة من طرح اسمه بشكل جاد في الانتخابات الرئاسية 2017 كانت جميع أعماله التي يقوم بها في مشهد وفي حرم إمام الشيعة الثامن تَصطبغ بصبغة انتخابية، منها الولائم الخاصة التي يُقيمها لزوّار الحرم، وتزامناً مع بدء إبراهيم رئيسي الرسمي بحملته الانتخابية كان المسؤولون الأصليون في حملته من الذين عملوا سابقاً في إدارة محمود أحمدي نجاد، وفي تلك الانتخابات انسحب “محمد باقر قاليباف”، رئيس البرلمان الحالي، لصالح إبراهيم رئيسي، وأعلن كثير من الشخصيات المحافظة دعمهم له، لكن المثير للجدل وقتها هو لقاء رئيسي بمغني الراب “أمير تتلو”، الأمر الذي أثار دهشة واستغراب مؤيديه واعتبروه غير قابل للدفاع عنه.

رئاسة السلطة القضائية والترويج لمكافحة الفساد على نطاق واسع

بعد سنة من هزيمة إبراهيم رئيسي أمام حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية 2017 قام خامنئي بخطوة غير عادية هي تعيين رئيسي رئيساً للسلطة القضائية، وقامت وسائل الإعلام التابعة للنظام وخاصة إعلام التيار المحافظ بتغطية رئاسته هذه كي يَصنعوا منه بطلاً خارقاً في مكافحة الفساد والرشوة، فكانت إحدى أولى خطوات رئيسي أن عزَل “طبري”، المعاون التنفيذي لرئيس السلطة القضائية السابق، وبعد عدة أشهر أقام له محكمة مثيرة للجدل، ثم حُكِم عليه بالسجن 31 سنة وبدفع غرامة مالية، وقد فُسِّر هذا الإجراء بأنه صراع على خلافة خامنئي ومساعٍ لإقصاء سَلَفه صادق لاريجاني إقصاءً تاماً.

قبل احتجاجات نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بأيام، التي بدأت شرارتها بعد رفع أسعار البنزين ثلاثة أضعاف، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية بمناسبة يوم احتلال سفارتها في طهران 1979 قائمةً من العقوبات ضمّت تسعة أشخاص كان من بينهم اسم إبراهيم رئيسي إلى جانب اسم “مجتبى خامنئي”، وفُرِضتِ العقوباتُ على رئيسي بسبب “إصدار الجهاز القضائي عقوبات قاسية، والقيام باعتقالات تعسفية غير قانونية، وتعذيب المتهمين وسوء التعامل معهم”.

وتنفيذ أحكام الإعدام بحق عدد من المحتجين في ديسمبر/كانون الأول 2017 وصيف 2018 ونوفمبر/تشرين الثاني 2019 جزء من إجراءات السلطة القضائية في عهد إبراهيم رئيسي، كما تم تنفيذ حكم الإعدام في 4 أغسطس/آب 2020 بحق “مصطفى صالحي”، من المعتقلين إثر احتجاجات 2017، وكذلك أُعدِم أو قُتِل تحت التعذيب “نويد أفكاري” المصارع ومن معتقلي الاحتجاجات الاقتصادية في 2018، بالرغم من اعتراضات دولية، وبعد هذا الإعدام بثلاثة أشهر تم إعدام “روح الله زم”، مؤسس قناة “آمدنيوز” التلغرامية.

محكمة رجال الدين الخاصة

في العام 2012 قام خامنئي بتعيين رئيسي نائباً عاماً لمحكمة رجال الدين الخاصة. وأكثر الملفات التي أحدثت ضجة في عهده هو الحكم على “أحمد منتظري” في العام 2016 بالسجن 21 سنة بسبب انتشار تسجيل صوتي عن لقاء “حسينعلي منتظري” مع اللجنة المقرِّرة بشأن إعدام السجناء السياسيين في 1988، التي كان إبراهيم رئيسي أحد أعضائها، وفي نهاية المطاف توسّط آية الله “موسى شبيري الزنجاني”، المرجع الشيعي المقيم في قم، وتدخّل خامنئي فتم تعليق ذلك الحكم، في هذا الصدد قال حسن روحاني أيضاً في مناظرات الانتخابات الرئاسية: “لقد عانى علماء الدين الكثير على أيدي إبراهيم رئيسي في محكمة رجال الدين الخاصة”، كما أن صدور خلع عمامة ولباس رجال الدين عن “حسن آقا ميري”، المعروف بـ “رجل الدين الإنستغرامي”، من إجراءات رئيسي الأخرى في عهد رئاسته للمحكمة المذكورة أعلاه.

2021 والتلهّف إلى رئاسة الجمهورية

بعد فشل إبراهيم رئيسي في الوصول إلى منصب رئاسة الجمهورية في عقد 2010 ها هو يترشح مرة ثانية في بدايات عقد 2020، مع فارق أن جميع منافسيه تم إقصاؤهم والساحة خالية من الخصوم، ويَلقى هذا الترشح أهمية أكبر استناداً إلى التقارير المنشورة حول موضوع خلافة خامنئي بعد وفاته، لكن هذا الترشح لعبة قمار قد توطِّد له ركائز وصوله إلى القيادة وقد تُفضي إلى خسارته سمعته ومكانته، في هذا الشأن كتب”مهدي نصيري” بعد رفض أهلية علي لاريجاني وغيره من المرشحين البارزين: “إذا اعتبرنا أن دخول إبراهيم رئيسي إلى الانتخابات الرئاسية حصيلةُ سيناريو يَهدف إلى فقدانه سمعته لدى الرأي العام فإنّ هذا السيناريو الذي هندسَه مجلس صيانة الدستور قد أثمر منذ الآن، مع السلامة إبراهيم”.

وفي سياق متصل صرّحت “فائزة هاشمي رفسنجاني” في مقابلة مع موقع “إيران وير”: “لا أجد علاقة مباشرة بين رفض أهليات المرشحين في هذه الجولة الانتخابية وبين خلافة المرشد الأعلى”، مُذكِّرةً في الآن ذاته أن وصول رئيسي إلى رئاسة الجمهورية يُعتبَر نقطة سلبية له في ظل الظروف الراهنة، ذلك أنّه سيصل إلى وضع مشابه لوضع حسن روحاني في نهاية ولايته: “لأن المشكلات غريبة عجيبة حقاً”.

استناداً إلى التحليلات السابقة يكون المرشَّحون لمنصب المرشد الأعلى قد أرسلوا إبراهيم رئيسي إلى ساحة الانتخابات لتحترق أوراقه ويُقصى من قائمة المرشحين لمنصب القيادة، في المقابل، إذا أصبح رئيسي رئيساً للجمهورية وتسنى له أن يَبسط نفوذه فسيكون باستطاعته أن يُعِدّ الأرضية لإقصاء غيره من المنافسين له.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد