إبراهيم رئيسي..من ملفات الفساد إلى “آية الله الإبادة الجماعية”

إحسان مهرابي-إيران وير

طيلة تولي “إبراهيم رئيسي” لرئاسة الجهاز القضائي كثيراً ما يأتي على ذكر مكافحة الفساد ،وتطبيق القانون، هذا التقرير يتناول دوره في حالات الفساد، وكذلك في إدارة التفتيش حين كان رئيساً لها، وأيضاً إجراءاته فوق القانونية أثناء حضوره في هيكلية الجهاز القضائي.

كانت سنوات ما بين 1988 و1994 سنوات قفز رئيسي من المناصب المتوسطة في السلطة القضائية إلى المناصب الرفيعة، و بدأ هذا القفز مع عضويته في “لجنة الموت”، مع ذلك فإن موضوع إعدامات 1988 ليس موضوعاً يمكِن أن يُدافِع عنه هو نفسه، ولذلك لا يُشار إليه في موقعه الإلكتروني، ومع أن سيرته الذاتية المنشورة في موقعه الشخصي وغيره من المواقع الحكومية تُشير إلى تكليف الخميني له في عدة ملفات مهمة إلا أن هناك مساعيَ تُحاول السكوت عن هذه المرحلة من تقلُّده للمناصب.

كان رئيسي حينها معاون المدعي العام في طهران، ويَنفي دورَه المباشِر في تلك المقتلة قائلاً: “لم يكن لي أيٌّ من المناصب المصرَّح بها في حكم الإمام الخميني”، وبالتالي يَسعى جاهداً إلى تقليص دوره وحضوره في لجنة الموت من خلال التفريق بين المدعي العام وبين القاضي،كما يُعلن أن وظيفة هذه اللجنة اقتصرت على اتخاذ القرار بشأن تنفيذ الأحكام الصادرة، يأتي هذا في حين أن تصريحات آية الله “حسينعلي منتظري”، وتصريحات أعضاء هذه اللجنة أنفسهم تشير إلى أنهم أصدروا أحكاماً بالإعدام على سجناء كانوا محكومين بالسجن، ولا يَرِد اسم إبراهيم رئيسي في الوثائق التي نُشِرت لاحقاً لكنّ هناك موضعَين يُشار فيهما إلى المدعي العام للثورة أو إلى معاون المدعي العام وكان رئيسي حينها.

تم الاستناد إلى هذا الموضوع في المنافسات الانتخابية 2017 على مستوى أوسع من قِبَل “حسن روحاني” ومناصريه ضدّ إبراهيم رئيسي، واصفين إياه بعبارات نظير “آية الله الإبادة الجماعية”.

إنّ ظلاً ثقيلاً من مسؤولية إعدامات 1988 يُلقى على كاهل إبراهيم رئيسي إلقاء واسعاً إلى درجة تهميش دوره أحياناً في ملفات مهمة أخرى في السنة نفسها، وفي ما بين أيدينا من وثائق ورسائل الخميني في النصف الثاني من تلك السنة صَدرت على الأقل ثلاثة “أحكام خاصة ومباشرة موجَّهة إلى إبراهيم رئيسي للبتّ في المشاكل القضائية” في بعض المحافظات “على نحو مستقل عن نظام السلطة القضائية”، وهذه الملفات المهمة مرتبطة بمحافظات لورستان وسمنان وكرمانشاه، ومع الأخذ بالاعتبار أن كرمانشاه كانت المكان الرئيس لمناوشات ودخول قوات “منظمة مجاهدي خلق” إلى إيران في عملية “فروغ جاويدان” فمن الممكن أن تُشير إلى إجراءات رئيسي في شتاء 1988 في تلك المنطقة وإلى سلوكات وُصِفت بأنها تمت بشكل مستقل عن نظام السلطة القضائية، الإجراءات المستقلة عن السلطة القضائية تُشبِه عملياً صدور أحكام إعدام سجناء سياسيين من مجموعات مجاهدي خلق والمجموعات اليسارية التي كانت لهم “مواقفهم” المعارِضة بتعبير الخميني.

وفي إحدى الوثائق الثلاثة المشار إليها آنفاً تُطالِعنا مَهمةٌ كُلِّف بها كلٌّ من نيري ورئيسي “للتعامل الجاد البعيد عن الروتين الإداري” مع المعارضين في مدن سمنان وسيرجان وإسلام آباد ودرود، وفي وثيقة أخرى يُطلَب منهما أن يتعاملا مع الموضوع “الرهيب”، بحسب تشخيصهما ويقضيا على مَن يُعطّلون تنفيذ “الأحكام الإلهية”، وبعد ثمانية أيام من هذه الوثيقة كلّف الخميني كلاً من نيري ورئيسي بـمَهمّة مُهمّة أخرى، فأصدر أمراً لمجلس القضاء الأعلى يَقضي بما يلي: “ضَعوا بين يدي نيري ورئيسي جميع الملفات الراكدة حتى الآن – وهذا يَدعو إلى الاستغراب والتعجب – حتى يُنفّذا الحكم الإلهي بأسرع ما يمكن، فالتأخير غير مَسموح به”، و في اليوم التالي استفهم رئيسي ونيري من الخميني بشأن الأمر الصادر وهل يَشمل “الحدود الإلهية” وحدها أو يَشمل “قصاص النفس” أيضاً؟ فأجاب الخميني: “ما كلّفتكما به هو أن تبتَّا في ملفات مجلس القضاء الأعلى الراكدة، وهذا الحكم يَشمل الحدود الإلهية والقصاص مع حفظ الجوانب الشرعية”.

القفز من المناصب المتوسطة إلى المناصب الرفيعة في عقد 1990

توفي الخميني بعد سنة من إصدار هذه الأحكام فـخَلَفه خامنئي، أحد الأجنحة اليمينية الذي يَنتسب إليه إبراهيم رئيسي، وبعد إجراء تعديلات في الدستور الإيراني أصبح “محمد يزدي”، من رجال الدين اليمينيِّين، أوّلَ رئيس للسلطة القضائية، وتزامناً مع تعيين “علي يونسي” مدعياً عاماً لكل محافظة طهران ارتقى رئيسي إلى منصب المدعي العام للثورة في طهران وبقي في هذا المنصب مدة خمس سنوات، كان الادعاء العام للثورة في طهران يُعتبَر في ذلك الوقت أحد المراجع القضائية المهمة ومؤهلاً للبتّ في كثير من الاتهامات الموجَّهة للمسؤولين، بما في ذلك موضوع الملفات والاتهامات التي كانت تُسمَّى “مؤامرة من الداخل ضدّ الجمهورية”، ما أدّى إلى إقصاء التيارات المنافسة للنظام في الداخل.

في عام 1992 توجّه إبراهيم رئيسي إلى مشهد بصفته مندوباً خاصاً للسلطة القضائية حتى يُحاكِم المعارضين المعتقلين في أول انتفاضة مهمة بعد وفاة الخميني بطريقة خاصة وخارج الآليات القضائية وكي يُعدِم بعضَ هؤلاء المعتقلين، وهي انتفاضة بدأت من “سَكن طلبة الحوزة العلمية” الذين ألحقوا تخريباً بالمباني غير المسموح بها في تلك المنطقة، وكانت أول انتفاضة واسعة تَحدث في المدينة بعد ثورة 1979، مع إلغاء المحاكم الصغرى في عهد محمد يزدي في العام 1994، تم تعيين إبراهيم رئيسي رئيساً لإدارة التفتيش العام مدة عشر سنوات، وكان من مهامها الإشراف على المؤسسات الحكومية للحؤول دون حدوث الفساد فيها، تزامنت رئاسة رئيسي لهذه الإدارة مع انتهاء مرحلة “رفسنجاني” لرئاسة الجمهورية التي يَذكرها المحافظون بشروع حالات الفساد الواسعة في إيران، فحدثت أكثر تلك الحالات على أيدي الأقارب والمقربين من المسؤولين، من بينها الاختلاس المشهور لـ 123 مليار تومان في “مصرف صادرات”، حيث كان أحد المتهمين فيها هو “مرتضى رفيق دوست”، أخ “محسن رفيق دوست”، رئيس مؤسسة المستضعفين.

حتى الآن لم يتم نشر تقارير إدارة التفتيش العام بشأن ملفات الفساد تلك وحتى رئيسي نفسه لا يتحدث عنها إلا نادراً، كل ما هناك أن إدارة التفتيش العام أعلنت بناء على تقرير التحقيق والتثبُّت الصادر عن السلطة القضائية أن هناك جريمة في ملف “المكاسب” الذي كان “ناصر واعظ طبسي” أحد متهميه.

ومع ذلك كان لإدارة التفتيش العام في زمن رئاسة رئيسي حضور فاعل في الملفات المتعلقة بالتيار اليساري الإسلامي، من ذلك ملف شركة “بتروبارس” الذي انتهى آخرَ الأمرِ إلى خروج عدد من رؤساء مجلس إدارتها.

وأحد أكثر الملفات إثارةً للجدل الذي قام رئيسي بتشكيله في هذه الإدارة يَعود إلى أداء “غلامحسين كرباسجي”، عمدة طهران حينها، الأمر الذي أفضى إلى محاكمته وسَجنه، واعتَبر المسؤولون في إدارة الرئيس الأسبق محمد خاتمي أن الهدف من وراء ذلك هو الضغط على الحكومة والانتقام من دور كرباسجي في هزيمة المحافظين في الانتخابات الرئاسية.

كما أن رئاسة رئيسي لإدارة التفتيش العام تزامنت مع بدء عملية الخصخصة التي أصبح أحدَ المعارضين لها في ما بعدُ، في تلك المرحلة بدأ تسليم الشركات الحكومية للأشخاص، وقد تم تسليم بعض الشركات بمصادقة إدارة التفتيش العام، ومع ذلك بدأ رئيسي انتقاداته للخصخصة بعد توليه منصب رئيس السلطة القضائية من دون الإشارة إلى دوره أثناء ترؤّسه للإدارة الآنفة الذكر.

لكن يبدو أن رؤيته قد لحقها التغيير، فقد عقد أولى جلساته في حملته الانتخابية في غرفة التجارة وفي أوساط أصحاب رؤوس الأموال، حيث دافع عن الخصخصة، قائلاً بوجوب مواصلة أصل الخصخصة وحل بعض المشكلات التي تعترضها فقط، كما أن رئيسي والمواقع المناصرة لها يَزعمون أن عقد 1990 هو زمن بدء حضوره مُدرِّساً للمحاضرات الحوزوية على مستوى أعلى إلى جانب خامنئي وغيره.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد