تحقيق استقصائي يكشف تضليل إيران بشأن طبيعة وجودها في سوريا

في سلسلة تصريحات خلال عام 2020، أكد مسؤولون إيرانيون وسوريون أن التواجد الإيراني بات يقتصر على مستشارين عسكريين يساندون الجيش السوري في مهامهم.

يُقدم هذا التحقيق، براهين وأدلة على أن التواجد الإيراني في سوريا لا يزال ينمو في سوريا، مع بناء العديد من القواعد العسكرية والمقرات الأمنية فيها، إضافة لانخراط عناصرها في المعارك الدائرة على جبهات البادية السورية وشمالي البلاد، خلال الفترة الممتدة من منتصف العام 2020 المنصرم وحتى ساعة إعداد التحقيق.

ادعاءات بدور إيران الاستشاري في سوريا:

في مقابلة مصوّرة مع وكالة “روسيا سيغودنيا” في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 2020، قال الرئيس السوري بشار الأسد، إن الأراضي السورية لا تضم أي من القوات الإيرانية، وأن إيران تُرسل خبراءها العسكريين لتقديم الاستشارات لجيشه فقط، وذلك في رد على سؤال حول إمكانية طلب انسحاب الإيرانيين من الأراضي السورية.

ونفت السلطات الإيرانية، على لسان المتحدث باسم خارجيتها “سعيد خطيب زادة” في مؤتمر صحفي عقده يوم الثاني والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، وجود قوات عسكرية إيرانية في سوريا، مدعية أنها أرسلت قوات خاصة بصفة مستشارين عسكريين، وأن إرسال المستشارين إلى سوريا مستمر ما دام ذلك ضرورياً، خاتماً تصريحاته مهدداً بـ “رد ساحق” لمن يُعرقل الوجود الاستشاري الإيراني في سوريا.

كبير مساعدي وزير الخارجية الإيراني “علي أكبر حاجي” ختم الادعاءات ذاتها في تصريحات أدلى بها يوم الرابع عشر من شباط 2021، متمسكاً بأن الوجود الإيراني في سوريا “استشاري” فقط، وأن هذه الدور سيستمر مع استمرار رغبة حكومة النظام والشعب السوري فيه.

انتشار إيران في سوريا

تمكنا في هذا التحقيق بالتعاون مع مصادر خاصة من الوصول إلى مجموعة صور ومقاطع مرئية، تُؤكّد التواجد الإيراني  العسكري في بعض المناطق السورية، رصد في مقطع مصور منها تجمعات لعناصر في صفوف الحرس الثوري الإيراني في مدينة دير الزور، برفقة بعض الآليات والسيارات العسكرية، وآخر رصد فيه تجمع لعناصر من الجنسية الإيرانية أثناء وقوفهم بانتظار استلام رواتبهم الشهرية من صرافات النظام، إضافة لمجموعة من الصور أظهرت القيادي في صفوف الحرس الثوري “الحاج حسين” خلال جولة في دير الزور، وتجمعات لعناصر إيرانيين داخل مشفى الفرات في حي القصور وسط مدينة دير الزور، وصورة لراجمة صواريخ إيرانية أثناء تواجدها في قرية المعيزيلة قرب مدينة البوكمال في ريف المحافظة.

وكشف مركز “Atlantic Council” الأمريكي للدراسات الدولية، في تقرير نشره يوم الخامس من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، التواجد الإيراني في سوريا، ونفوذها العسكري فيها، مبيّناً أن إيران بدأت بإنشاء قوات الدفاع المحلية الإيرانية منذ عام 2012، ودعم ألوية محددة في قوات النظام، كما أنشأت شركات أمنية محلية خاصة لتغطية وجودها، وحمايتها من كونها هدفًا سهلًا أمام القصف الإسرائيلي.

ونشر مركز “جسور” للدراسات، منتصف العام الفائت، خريطة توزع الميليشيات الإيرانية على الأراضي السورية، إضافة للميليشيات الأجنبية والمدعومة إيرانياً في سوريا، وثّق خلالها 125 موقعاً عسكرياً إيرانية موزعة على عشر محافظات سورية، بينها 37 موقعاً في محافظة درعا جنوبي سوريا، و22 موقعاً في العاصمة دمشق ومحيطها، و15 موقعاً في محافظة حلب شمالي البلاد.

ومن جهتها، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون”، في السادس والعشرين من شباط/ فبراير 2021، شنّ أولى الغارات الجوية على مواقع للميليشيات المدعومة إيرانياً في سوريا في عهد الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، مشيرةً إلى أن هجومها أسفر عن تدمير عدة منشآت تستخدمها الجماعات المسلحة المدعومة من قبل إيران، في مدينة البوكمال بريف دير الزور، بالقرب من الحدود السورية العراقية.

قتلى الحرس الثوري ينفون الادعاءات الإيرانية:

في الوقت الذي استمرت إيران بإنكار تواجدها العسكري في سوريا، حصل معد التحقيق من مصادر “خاصة” على بيانات لثلاثة من عناصر الحرس الثوري الإيراني الذين قُتلوا في الأراضي السورية، خلال الغارة الأمريكية التي أعلن عنها “البنتاغون” في السادس والعشرين من شباط/ فبراير الفائت.

القتلى الثلاثة نُشرت صورهم على العديد من الحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي بعد مقتلهم، دون نشر بياناتهم الشخصية على أي من تلك الحسابات، في حين وثّقت مصادرنا أسماء أولئك القتلى وأعمارهم ومواطنهم الأصلية.

وبالتحقق من هوية العناصر الثلاثة، تبيّن أن الصور المتداولة تضمنت صورة “بيراهنى كوش يوسف” من مواليد أصفهان عام 1988، وأخرى “أحمد خورساني” من مواليد أصفهان عام 1992، وثالثة لـ”ورسار رضائي” من مواليد مدينة كرمنشاه الإيرانية عام 1995، جميعهم ينتمون إلى الحرس الثوري الإيراني، وقُتلوا في الغارة الأمريكية المذكورة.

وفي إعلان رسمي مناقض للتصريحات الإيرانية حول تواجدها العسكري في سوريا، نعت وكالة “فارس” الإيرانية الرسمية، عدداً من مقاتلي الميليشيات الإيرانية الذين قُتلوا في سوريا خلال الأشهر الستة الأخيرة.

ونعت الوكالة كلاً من “مهدي بختياري” المنحدر من منطقة “سوادكوه” بمحافظة “مازندران” شمال إيران، و”مجتبي برسنجي” من سكان مدينة اسلام شهر جنوب غرب العاصمة طهران، اللذان قُتلا جراء انفجار لغم أرضي في البادية السورية، في آخر أشهر العام الشمسي 1399 المعتمد كتقويم رسمي في إيران، والموافق لـ شباط/ فبراير 2021، مبرّرة تواجدهما في المنطقة بـ “الدفاع عن المراقد المقدسة” في سوريا.

ونشرت الوكالة مجموعة صور لتشييع “برسنجي” في إيران، الذي تمكنا من الكشف عن دوره في تدريب المنتسبين لتشكيل “كشافة الإمام المهدي” في دير الزور، على استخدام الأسلحة الفردية، عبر مصادر متقاطعة من المنتسبين للكشافة.

وأعلنت الوكالة أيضاً، مقتل المدعو “أبو الفضل سرلاك” من الجنسية الإيرانية، يوم الثاني والعشرين من ثاني أشهر العام الشمسي 1399، والموافق ليوم الحادي عشر من أيار/ مايو 2020، مؤكّدة أنه قُتل خلال معركة ضد من أسمتهم “إرهابيين تكفيريين” على طريق “إثريا- خناصر” في البادية السورية.

ملف التوغل العسكري الإيراني على طاولة المباحثات الدولية:

إنكار التواجد العسكري الإيراني في الأراضي السورية، جاء بعد طرح ملف التوغل العسكري في سوريا على طاولة الاجتماعات والمباحثات الدولية، التي تهدف في خطتها المعلنة إلى إخراج الميليشيات الأجنبية المدعومة إيرانياً من ساحة الصراع السورية.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” قد عقد اجتماعاً أمنياً في تل أبيب، في الخامس والعشرين من حزيران/ يونيو 2019، مع الجانبين الأمريكي والروسي، واحداً من أبرز الاجتماعات الدولية الهادفة لبحث ملف التواجد الإيراني داخل الأراضي السورية.

وأفضى الاجتماع إلى توافق ضمني على التعاون بين الأطراف التي لم تخرج بموقف موحد حول التواجد الإيراني في سوريا بسبب اصرار أميركي على إخراج ايران من سوريا، حيث أعرب مستشار الأمن القومي الأميركي “جون بولتون” حينها صراحة برغبة الولايات المتحدة الأميركية بمغادرة إيران لسوريا، في حين اعتبر نظيره الروسي “نيكولاي باتروشيف” أن إيران “حليف راسخ لموسكو”.

تصريحات المستشار الروسي “باتروشيف” حول تحالف بلاده مع إيران، دفعت الولايات المتحدة لممارسة ضغوط على روسيا لإخراج إيران وتنظيمات تابعة لها من جنوب سوريا، عبر شن غارات مختلفة استهدفت مواقع إيرانية في مناطق انتشار الأخيرة داخل الأراضي السورية.

ميليشيات أجنبية ومحلية عزّزت التواجد العسكري الإيراني في سوريا:

وشملت القوات العسكرية غير العربية، الحرس الثوري الإيراني الذي نشأ بأمر من الخميني في إيران عام 1980، وفيلق القدس الذي كان يقوده “قاسم سليماني”، ويُقدر عدد عناصره في سوريا بـــ 8000 متطوع ينتشرون في ريف دمشق وطرطوس واللاذقية، و”لواء فاطميون” المكون من الأفغان الفارين إلى إيران، ولواء “زينبيون” المؤلف من الباكستان وأغلبهم من “البشتون”، وفقاً للموقع.

وبيّن “إيران وير” أن الميليشيات العربية شملت التشكيلات العسكرية العراقية، بما فيها “حزب الله العراقي” و”حركة النجباء” و”عصائب أهل الحق” و”فيلق الوعد الصادق” و”سرايا طلائع الخرساني” و”قوت الشهيد محمد باقر الصدر” و”لواء الإمام الحسين” و”لواء ذو الفقار”، إضافة لميليشيا “حزب الله اللبناني”، و”لواء صعدة اليمني”، و”لواء القدس الفلسطيني” و”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العام” بقيادة “أحمد جبريل” ومقره الرئيسي في العاصمة دمشق.

وضمّت التشكيلات العسكرية السورية التي تكونت من متطوعين ضمن فصائل عسكرية مختلفة من عدة مذاهب، وتستمد تمويلها من إيران، “ميليشيا القاطرجي” و”قوات الدفاع الوطني” و”قوات النمر” و”جمعية البستان” و”كتيبة الفوعة” و”كتيبة الزهراء” و”كتيبة العباس” و”كتيبة شهيد المحراب” و”حزب الله السوري”، إضافة لأكثر من 15 مجموعة مقاتلة محلية في محافظتي درعا والقنيطرة جنوبي سوريا.

وصنّف الموقع “مطار دمشق الدولي” كأبرز القواعد العسكرية الإيرانية في سوريا، إلى جانب “قاعد عزان” في ريف حلب الجنوبي، و”قاعدة الإمام علي” في مدينة البوكمال بريف دير الزور، و”قاعدة اللجاة” في ريف درعا الشمالي، إضافة لسيطرة إيران على عدة تلال مهمة في الجنوب السوري، كـ “تل مرعي، وتلول فاطمة، وتل أيوب، وتل قرين، وتل الحارة، وتل الجابية، وتل جموع، والتلول الحمر، وتل الزعتر” التي تتخذ منها مراكز رصد متقدم تحت غطاء قوات النظام السوري.

 

أوضح تقرير مركز “Atlantic Council” الأمريكي للدراسات الدولية، أن الحرس الثوري الإيراني وحزب الله يدربان عناصر من الجنسيات الإيرانية والأفغانية والباكستانية والعراقية، تم تجنيدهم ضمن ميليشيات مقاتلة زُج بها إلى الجبهات السورية بذريعة “حماية الأضرحة الشيعية”، مبيّناً أن التدريبات جرت بمعسكرات في مدينة “مشهد” شمال شرقي إيران.

وقال المركز في تقريره، إن الحرس الثوري الإيراني، كان ينقل عناصر تلك الميليشيات إلى سوريا، إما براً، وإما جواً من العراق، لافتاً إلى أنه يتم اعتماد أولئك العناصر في قواعد عسكرية ومعسكرات داخل سوريا، مثل مطار دمشق الدولي، ومطار التيفور، وقاعدة ازرع، وقاعدة السيدة زينب، ومعسكر الكسوة، ومخيم الزبداني، ومخيم القصير.

وبرزت الميليشيات الأجنبية المقاتلة في سوريا بدعم إيراني مباشر، تحت مسميات مختلفة كان أبرزها ميليشيا “فاطميون” الأفغانية، و”زينبيون” الباكستانية، وميليشيات أخرى عناصرها من الجنسية العراقية، فضلاً عن الميليشيات اللبنانية المتمثلة بميليشيا “حزب الله اللبناني”.

وعملت إيران على تشكيل ميليشيات أخرى “محلية” للقتال إلى جانب قواتها وميليشياتها الأجنبية في المعارك السورية، بينها ميليشيات شُكّلت من الأقلية الشيعية من شمال حلب ومناطق من الرقة، ويقدر عدد مقاتليها بما يقارب خمسة آلاف إلى ثمانية آلاف مقاتل، وأبرزها “جنود المهدي”، و”جيش المهدي في نبل والزهراء”، و”فرع دمشق للواء رقية”، و”فرع إدلب من فيلق الوعد الصادق”، و”فرع حمص لقوات الإمام الرضا”، و”لواء زين العابدين”، و”فرع دير الزور من اللواء 313 بصرى الشام” في درعا، و”لواء المختار الثقفي” في اللاذقية وحماة.

ودعمت إيران أيضاً، العديد من الميليشيات المحلية التي حملت اسم “قوات الدفاع المحلية”، وتتألف من مجندين من محافظات حلب، ودير الزور، والرقة، وهي جزء من قوات الجيش السوري، ويقدر عدد مقاتليها بأكثر من 50 ألف مقاتل، وأبرزها “كتائب النيرب”، و”فيلق السفيرة”، و”لواء الباقر”، و”لواء نبل والزهراء”، و”قوات القاطرجي”، إضافة لميليشيا “الدفاع الوطني” التي تشكلت عام 2012 في مدينة حمص بدعم إيراني، وتتكون من عدة طوائف سنية وعلوية ودروز، ويقدر عدد مقاتليها بـ40 ألف مقاتل. وطالبت هذه القوات النظام السوري عام 2016 بشرعنتها ودمجها مع قوات النظام، كقوات “الحشد الشعبي” الشيعي في العراق، بحسب التقرير.

التدخل العسكري عزّز السيطرة الأيديولوجية الإيرانية:

اعتمدت إيران على عدة مقاربات لزيادة نفوذها العسكري في سوريا، تمثّلت في تركيزها على العمل مباشرة مع الميليشيات الأجنبية، وتشكيل ميليشيات محلية مدعومة من قبلها، من ثم ضم الميليشيات المحلية إلى التشكيلات العسكرية التابعة للنظام السوري وأجهزته الأمنية، بهدف شرعنة الوجود الإيراني على الأراضي السورية من جهة، وتأمين مظلة واقية لهم من عمليات القصف الإسرائيلية والأميركية المحتملة من جهة أخرى.

وقال الدكتور المتخصص في الشؤون الإيرانية “نبيل العتوم” إن الهدف الإيراني الرئيسي من تدخلها بالحرب السورية هو إتمام مشروعها المعروف باسم “الهلال الشيعي” الذي يمتد من إيران عبر العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان، موضحاً أن المشروع لا يكتمل دون الحفاظ على “الحكم العلوي” في سوريا.

وبيّن العتوم في تصريح “خاص” أن عدد عناصر المقاتلين المدعومين إيرانياً على الأراضي السورية تجاوز الـ 80 ألف مقاتلاً، منهم عناصر يتبعون مباشرة للحرس الثوري الإيراني، ويتراوح عددهم بين 3 إلى 4 آلاف عنصراً، وآخرون مدرجون في صفوف ميليشيات أجنبية “أفغانية وعراقية”، فضلاً عن عناصر ميليشيا حزب الله اللبناني، إضافة إلى أولئك المنضمين إلى صفوف ميليشيات محلية شُكّلت بدعم إيراني تحت مسميات عدّة، مستشهداً بتصريحات أدلى بها مستشار مرشد الثورة الإيراني للشؤون العسكرية “رحيم صفوي”، وكشف فيها عن تشكيل قائد فيلق القدس الإيراني السابق “قاسم سليماني” لأكثر من ستين ميليشيا موالية له في سوريا.

“اصطدمت الاستراتيجية الإيرانية القائمة على تأسيس وجود عسكري دائم في سوريا، ومحاولة بناء بنية تحتية أساسية تضم مراكز قيادات، وفوج من الطائرات المسيرة مع مدارج ومخازن الأسلحة الثقيلة والصواريخ، إضافة لمجموعة من غرف العمليات ووحدات الاستطلاع وجمع المعلومات، وغيرها من المنشآت اللوجستية، بعقبات كبيرة بسبب الضربات الإسرائيلية شبه اليومية على مواقعها، لاسيما بعد انتقال إسرائيل من التعامل مع فائض القوة الموجود على الأراضي السورية إلى محاولة تحجيم النفوذ الإيراني العسكري على وجه التحديد”. يتابع العتوم.

ويضيف المتخصص بالشؤون الإيرانية: “إيران تسعى إلى إنشاء مصانع لتطوير الصواريخ وصيانتها، وتحويل عدد من هذه الصواريخ إلى صواريخ عالية الدقة وبعيدة المدى، وهو ما يشكل تهديداً خطيراً للأمن القومي الإسرائيلي مع مضي إيران باستراتيجية بناء منشآت لتسهيل وصول وعبور الأسلحة الثقيلة، والتمويل، والأشخاص إلى سوريا عبر الجو والبحر، بالإضافة إلى بناء قواعد لوجستية، والتأثير من خلال معبر البوكمال الذي يربط الحدود السورية العراقية، ومحاولة نقل الأسلحة النوعية إلى حزب الله اللبناني، وهذه الأسباب تدفع إسرائيل لمحاربة الوجود الإيراني في سوريا”.

وبحسب العتوم فإن إسرائيل أبلغت النظام السوري عن “خطوط حمراء” لا يجب أن تتجاوزها إيران، إلا أن القيادة الإيرانية لم تأخذ الموضوع على محمل الجد، ولم تلتزم لغاية اللحظة بالاقتراح الروسي الذي يقضي بسحب القوات الإيرانية على بعد 85 كلم من خط الجولان، وتابعت إقامة مراكزها في ضواحي دمشق من جهة أخرى، خاصة في المناطق الجنوبية القريبة من خط الفصل في الجولان.

وحرصت إيران منذ دخولها إلى سوريا على نشر التشيع في صفوف السوريين، وذلك لتعزيز تواجدها على مختلف الأصعدة. وأسست فروعاً لكشافة المهدي اللبنانية الأصل والتي تتبع لحزب الله، والتي تقوم بتعليم الأطفال، خاصة في دير الزور، المنهاج الفارسي، وتقوم بإقحام الأطفال في أنشطة دينية شيعية وفق شهادات حصلنا عليها من المنتسبين للكشافة.

وأفاد المنتسبون أن الكشافة تقوم بتدريبهم على السلاح الخفيف ضمن دورات تعرف بمحو الأمية، لتحفيزهم فيما بعد من أجل الانخراط في الميليشيات المدعومة من إيران.

وبحسب تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي، بعنوان “إيران تسعى لتحويل سوريا للتشيع”، تستخدم طهران “الدين” من أجل الحفاظ على نفوذها، كما فعلت في الجارة لبنان من خلال ذراعها حزب الله.

وتعيد إيران بناء الهوية الدينية في البلاد، حيث تقوم بتجديد المزارات الدينية، وبناء مزارات جديدة، وذلك من أجل تغيير طبيعة البلاد، لتصبح دولة شيعية بأقلية من بقية الطوائف الإسلامية والديانات.

ويشير التحليل إلى أن المقاربة الإيرانية في سوريا، تنطوي على استراتيجية مختلفة في تعامل النظام مع روسيا، حيث تطمح طهران إلى إيجاد جيل جديد من الشباب يدين بالولاء لإيران، وفي مرحلة من المراحل ستطالب طهران بإعطاء هؤلاء حقوقا ومناصب في الدولة السورية.

وانتشرت مقاطع مرئية، أواخر العام الفائت، عبر العديد من صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت تجمعات ومسيرات “عاشورائية” في أحياء دمشق القديمة، جابت خلالها محيط مقام “السيدة رقية” وسوق الحميدية التراثي وسط العاصمة السورية دمشق.

عمدت إيران إلى تشكيل ميليشيات أجنبية وأخرى محلية من الأقليات “الشيعية” في سوريا، وتكفّلت بدعمها مادياً وعسكرياً، مقابل القتال إلى جانب النظام السوري بإمرة إيرانية، متذرعة بـ “حماية الأماكن المقدسة”.

ونشر موقع “إيران وير” منتصف العام الفائت، خريطة لانتشار الميليشيات الإيرانية في سوريا، بيّن فيها مناطق تمركز الميليشيات الأجنبية والعربية والسورية، إضافة للمجموعات المحلية المدعومة إيرانياً، فضلاً عن استعراض أبرز المراكز والقواعد العسكرية الإيرانية المنتشرة في سوريا.

ميزات اقتصادية مقابل التدخل العسكري الإيراني في سوريا

حصلت إيران على العديد من الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية في سوريا، بعد تدخلها العسكري وتوغلها داخل الأراضي السورية، ارتفعت من خلالها الصادرات الإيرانية إلى الأولى بشكل مطرد، وتحولت سوريا إلى سوق تصريفية للمنتجات الإيرانية لتصبح الشريك التجاري الأول لسورية.

 

ومشروع “الخط الائتماني السوري” الذي أقامته إيران يُعتبر من أبرز مشاريعها الاقتصادية، ويُقسم إلى ثلاثة أقسام الدعم المالي، والنفط، ونفقات التسليح والآليات والميليشيات، بقيمة مالية تراوحت بين 30 إلى 40 مليار دولار، دفعتها ايران مقابل الحصول على سلسلة استثمارات لتعويض تكلفة الخط الائتماني، كما حجزت استثمارات أخرى للبدء فيها بعد توفر الظروف المناسبة لذلك.

 

وحصلت على استثمارات سيادية، تتعلق بقطاعات حساسة كالثروات الباطنية من النفط، والغاز، والفوسفات، والمياه، واستثمارات غير سيادية، مثل مشاريع الزراعة والغذاء والتغليف والبناء.

 

كما حصلت إيران على استثمارات الفوسفات عام 2017، بموجب خمس اتفاقيات ومذكرات تفاهم عقدها رئيس الوزراء السوري السابق عماد خميس خلال زيارة للعاصمة طهران، إحداها نصّت على منح إيران حق استخراج الفوسفات السوري من منجم الشرقية.

 

وحصلت إيران أيضاً على حق استثمار واستخراج النفط من “البلوك” رقم 12 في محافظة دير الزور التي تخضع في معظمها للسيطرة الإيرانية، والبالغة مساحته 6702 كلم مربع، وهو ما ناقشته إدارة الشؤون الاقتصادية والطاقة في حكومة النظام السوري في أيار/ مايو 2020، وفقاً لما أعلنه مجلس الشعب السوري، في حين برّر وزير النفط آنذاك أن الاتفاق يهدف إلى سداد الديون المترتبة على النظام لمصلحة الخط الائتماني طويل الأجل بين لبنان وسوريا، كما حصلت أيضاً على امتياز مصفاة نفطية جديدة قرب مدينة حمص، تستطيع تكرير 140 ألف برميل نفط يومياً، بحسب إعلان مدير تقنيات المصب في معهد أبحاث صناعة البترول الإيرانية “أكبر زمانيان”.

 

وكشف نائب رئيس جمعية المقاولين في طهران “إيريج رهبار” في تصريح لوكالة “فارس” الإيرانية في شباط/ فبراير 2020، عن عزم إيران على بناء 200 ألف وحدة سكنية في  كافة المحافظات السورية، وذلك بعد عام على ما كشفته صحيفة “الوطن” الموالية للنظام السوري، عن توجه إيران لبناء 30 ألف وحدة سكنية أيضاً.

ووقعت إيران مجموعة اتفاقيات تقضي بإصلاح وتشييد شبكات الكهرباء، وخطوط الكهرباء، والمحولات في ثلاث محافظات: اللاذقية، ودير الزور، وحلب، كما وقعت معاهدات طويلة الأمد في القطاع المصرفي والبناء بحسب ما كشفته وكالة سانا عام 2019، إضافة لمشاريع أخرى تتعلق باستصلاح الأراضي الزراعية على الساحل السوري، مشاريع تربية الأبقار في طرطوس.

تم إنجاز هذا التحقيق بدعم من منظمة أضواء

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد