كيف اعتُبرت موازنة 2021 الإيرانية؟

بهرام خدابنده – إيران وير

تُعتبَر موازنةُ 2021 “فضيحةً تامة الأركان” حتى إذا ما قِيست بمقاييس البرلمان الحادي عشر؛ فهي أول تجربة تخص الموازنة لهذا البرلمان الثوري، وأغربُ تجربة تاريخية يعيشها البرلمان الإيراني منذ الثورة الدستورية حتى الآن.

منذ سنة 1906 حين جاء في البند الثامن عشر من الدستور الذي دوّنته الثورة الدستورية الإيرانية أنّ “تسوية الشؤون المالية، وتعديل الموازنة، وإجراء التغيير في أوضاع الضرائب، ورفض وقبول الضرائب وأفرعها مشروطة بإقرار البرلمان”، وإلى الآن لم يَسبِق أن يُـجريَ أحدٌ تغييراً في إقرار نوّاب البرلمان، ويتلاعبَ بجداول وأحكام الموازنة بعدما يُقرُّها أعضاء البرلمان، ثم يُعلنه تحت يافطة القانون. وحتى بعد الثورة الإسلامية لم يحدث أمر كهذا. إنّ التدخل في عملية إقرار الموازنة يثير تساؤلاً هو: لماذا يمكننا التمثيلُ غيرَ مرّة على إنفاذ سلطة الأشخاص والأجهزة المتنفّذة في الموازنة؟ ومثاله الأبرز تدخلات المرشد الأعلى في الأعوام الأخيرة؛ الأمر الذي أدّى عدة مرات إلى إيقاف عملية دراسة الموازنة وإقرارها في البرلمان الإيراني. بل حتى في العام الماضي عندما أَصدر خامنئي في خطوة غير مسبوقة “أمراً حكومياً” لإقرار الموازنة تمت المحافظةُ حينَها على القضايا القانونية ظاهرياً، وأُرسِلت موازنةُ 2020 إلى اللجنة المختصة في مجلس صيانة الدستور بالارتكاز على المادة 85 وحق تفويض صلاحية النوّاب.

ما حدث العام المنصرم أيضاً كان غريباً وغير مسبوق، لكن لم يَخطر ببال أحد أن شخصاً بصفات “محمد باقر قاليباف” سيتكئ على كرسي رئاسة البرلمان بعد سنة من ذلك، ثم يتلاعب ببنود الموازنة الـمُقرَّة من قِبَل النوّاب.

فضيحة قاليباف الجديدة

في 18 مارس/آذار 2021 أبلغ قاليباف الحكومةَ بقانون موازنة 2021، وذلك بعد إقرارها من قِبَل نوّاب البرلمان ومصادقة مجلس صيانة الدستور عليها؛ لكنْ بناءً على ما كتبه 100 نائب في رسالتهم المؤرَّخة بـ 24 أبريل/نيسان “فقد تم تغيير الجداول مرّاتٍ ومرّات بعد ذلك بنحو شهر؛ أيْ حتى تاريخ 10 أبريل/نيسان، وما يُؤسَف له أنّ هذه التغييرات، وفقاً لأخبار موثوقة لا تَقتصر على أرقام الجداول، بل تَشمل كذلك تغييراتٍ عامةً طالتِ الملحقاتِ وجداولَـها الفرعية وتصحيح البنود على أساس تصحيحات مجلس صيانة الدستور”.

وقبل ذلك بخمسة أيام قام “علي خضريان” النائب البرلماني بإفشاء هذا الموضوع عبر تغريدة له على التويتر ذاكراً اسمَ “إلياس نادران” رئيس لجنة التنظيم والتكامل.

في 26 أبريل/نيسان نَشرت صحيفة “سازندكي” بدورها تقريراً مفصَّلاً في هذا الشأن تحت عنوان: “مشكلة قاليباف الجديدة”. جاء في هذا التقرير أن التغيير لحق أكثر من 200 بند من جداول الموازنة. كما يُذكَر فيه علاوةً على إلياس نادران اسمُ “جمال الدين آبرومند” قائد في الحرس الثوري، وهو الذي باشر العمل مؤخراً بوصفه مساعداً لقاليباف في البرلمان. ويُضيف التقرير أن كلاً من “مالك شريعتي نياسر” و“مجتبى توانغر” من النوّاب الأعضاء في اللجنة، كانا على علم بمجريات التغييرات.

تأسيساً على آلية العمل في السنوات الأخيرة، كانت جداول التغييرات تُنشَر في موقع هوية القانون تزامناً مع الكشف عن الموازنة، لكن هذا الأمر في العام الجاري لم يَحدث حتى 14 أبريل وإبلاغ حسن روحاني بالموافقة على الموازنة.

كما يَرِد في تقرير صحيفة سازندكي أن هذه الجداول تم التلاعب بها بين 17 مارس/آذار و10 أبريل/نيسان على عدة مراحل؛ من ذلك إضافة مبالغ إلى ميزانية هيئة الإذاعة والتلفزيون ومؤسسة الدعاية الإسلامية تَبلغ نحو 200 و300 مليار تومان إلى جدول تكاليف الملحق 14 المتعلق بتنظيم الدعم المالي للشعب، وكلُّ ذلك تحت مسمَّى “تعزيز البنية الثقافية والاجتماعية وإحداث البنى التحتية الرقمية”.

تحت مسمَّى الدعم المالي لكن لصالح المؤسسات الدينية والدعائية

يأتي هذا في حين أننا لا نَقف في جدول مصاريف الملحق 14 في لائحة الحكومة المقترَحة على أي أثر لـ “تعزيز البنية الثقافية”، ولا على هيئة الإذاعة والتلفزيون والمؤسسة الدعائية. لكنْ يُطالعنا في الجدول الذي تم إبلاغه ونشره في 14 أبريل في البند 21 إضافةُ 1300 مليار تومان تحت مسمَّى “الأنشطة الاجتماعية وتعزيز البنية الثقافية”.

في البند 16 يُخصَّص 1965 مليار تومان من أجل “الحوزات العلمية ومركز الخدمات”، في حين أنّ لائحة الموازنة أخذت في اعتبارها 495 مليار تومان لهذا الرديف. وفي البند 20 يُخصَّص 5124 مليار تومان لـ “مؤسسة الشهيد”. وفي البند 23 أُضيف إلى الموازنة 200 مليار تومان تحت مسمَّى تقديم المساعدة لعوائل القوات المسلحة.

ليس معلوماً على وجه الدقّة مقدارُ هذه الإضافات التي كان نوّاب البرلمان قد صادقوا عليها، ولا مقدارُ إضافة قاليباف ومَن معه إلى الموازنة بعد إقرار النوّاب لها.

أبعاد التلاعب

حتى الآن ليس واضحاً بدقة حجمُ هذا التدخل والتصرف غير القانوني، ولا ما هي المجموعات والمؤسسات المنتفعة من وراء ذلك. وقد لا يُنشَر أيُّ تقرير بهذا الشأن أبداً، لكن بالنظر إلى أن الفقرتَين اللتين تم إفشاؤهما تُشيران بوضوح إلى التلاعب بعدة مئات من المليارات لصالح هيئة الإذاعة والتلفزيون والمؤسسة الدعائية، يبدو أن حجم الأعداد والأرقام الـمُستبدَلة يبلغ مئات المليارات، وأنّ الأجهزة الدعائية والدينية المتنفّذة والغنية تُشكِّل أحدَ الأركان في هذه القضية غير المسبوقة.

يَدور الحديث حول أنّ دافع قاليباف والمقرَّبين منه كان صدق نيّتهم، لكن يمكن التحدث على نحو أكيد عن نطاق نفوذ هيئة الإذاعة والتلفزيون وكذلك عن مؤسسات من قبيل المؤسسة الدعائية الإسلامية؛ وهي مؤسسات يمكن لها في الأزمات السياسية كالانتخابات الرئاسية في العام الجاري في ظل الغياب المحتمل للشعب الإيراني أداءُ دور محدِّد في اختيار رئيس الجمهورية.

على أية حال ينبغي الانتظار ورؤية: هل سيتمّ إفشاء أبعاد جديدة عن هذه الفضيحة غير المسبوقة في ظل صراعات التنافس المنحصر على المقرَّبين والتابعين السياسيين والدينيين لعلي خامنئي؟

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد