دور الحزب اليساري في عمليات النظام الإيراني الإرهابية في الأرجنتين

فلورنسيا مونتارولي- إيران وير

 شهدت قضية تفجير المركز التعاضدي اليهودي بالأرجنتين والذي خلف 85 قتيلًا العديد من التقلبات خلال الـ 27 عاماً الماضية، بدءًا من صدور قرار باعتقال عدة مسؤولين إيرانيين وحتى إبرام اتفاقيات تجارية بين كلا البلدين، واتهام مسؤولين في الأرجنتين بالتستر على دور إيران مقابل صفقة نفط وغاز، وقتل المدعي العام في القضية “آلبرتو نيسمان”. كما تمثلت إحدى الأمور الغريبة الأخرى في هذه القضية في الكشف عن علاقة “فرناندو ايستش” الأستاذ الجامعي والناشط السياسي اليساري بإيران ومحاولته التستر على دور إيران في هذه القضية.

في يناير/كانون الثاني 2015، رن هاتف “فرناندو ايستش” المحاضر الجامعي في الصحافة والناشط السياسي اليساري فأربك هدوء ذلك الصيف الأرجنتيني الحار، وعندما انتهت المكالمة الهاتفية، قال لزوجته: “لقد قالوا إن آلبرتو نيسمان اتهمني أنا، وكريستينا، وتيمرمان، وإليا في قضية تفجير آميا”.

وذكر المدعي العام في القضية “آلبرتو نيسمان” في لائحة الاتهام التي نشرها للعامة اسم فرناندو ايستش ضمن أسماء أخرى على أنهم كانوا يحاولون التستر على اتهام إيران في تفجير آميا.

ويُطلق اسم آميا على تفجير المركز بين الأرجنتين وإسرائيل الذي وقع في يوليو 1994، وأسفر عن مقتل 85 مواطناً أرجنتينياً يهودي الأصل وإصابة أكثر من 300 آخرين.

وفق تحقيقات آلبرتو نيسمان، فإن مذكرة التفاهم التي تم توقيعها عام 2013 بين الأرجنتين وحكومة محمود أحمدي نجاد، كانت جزءًا رئيسيًا من الخطة الإجرامية، وهدفها تقديم وقائع التفجير بشكل آخر، والتضليل، وحرف الاتهام عن إيران وحزب الله اللبناني عبر طرح فرضيات جديدة، وفي المقابل كانت حكومة أحمدي نجاد تُزود الأرجنتين بالنفط، وتستورد منها الحبوب”.

وطُرح اسم “ايستش” في قائمة الأشخاص الذين شاركوا في هذا التستر. وبحسب اعتقاد آلبرتو نيسمان، تمثلت مهمة ايستش في إدارة مفاوضات القنوات الموازية بين البلدين، وتمهيد التواصل بين “يوسف خليل” أحد عملاء الأمن الإيراني بالمنظمات الاستخباراتية الأرجنتينية، والتفكير في أفكار دقيقة بشأن التحقيقات.

عقب تلقي ايستش هذه المكالمة الهاتفية، بات يعرف الاتهامات الخطيرة الموجهة إليه ويدرك وعواقبها. وفي نهاية المطاف، اُعتقل في ديسمبر 2017، وسُجن لمدة عامين، وبالطبع حينما تم إطلاق سراحه، انتقد الجهاز القضائي الأرجنتيني بشدة، حتى إنه أطلق على نفسه “دريفوس الآخر”، وقال إنه يشعر أنه “أحد اليهود الآخرين”.

من هو فرناندو ايستش؟

قبل نشر لائحة اتهامات آلبرتو نيسمان، كان فرناندو ايستش شخصية معروفة بين اليساريين في الأرجنتين، وكان يتزعم جماعة “كيبراتشو” اليسارية. وقد تأسست هذه الجماعة عام 1996، واتخذت اسمها من اسم شجرة ضخمة وقوية في أمريكا الجنوبية، وكان لهذه الجماعة نشاط في قطاعات عديدة بالأرجنتين. وكانت جماعة “كيبراتشو” كما هو واضح من اسمها، تتخذ مواقف صارمة، وتبدي ردود فعل حادة، حتى إنها لعبت دورًا في العنف الاجتماعي.

وكان ايستش إلى جانب زعامته لهذه الجماعة التي كان أعضاؤها يلتقطون الصور وهم يمسكون بزجاجات المولوتوف، يُدرس الصحافة في جامعة “لابلاتا” إحدى أعرق الجامعات في الأرجنتين. وكان هناك نموذج لـ”الكعبة” في مكتبه بمبنى الكلية القديم، والذي حصل عليه كهدية من مجموعة إيرانية كانوا قد زاروا الكلية في وقت سابق.

كما شوهدت صور لـ “الخميني” و”هوغو تشافيز”، و”ايفو موراليس”، و”فيدل كاسترو” على جدران مكتبه؛ وكانت هذه المجموعة من الصور محيرة لكنها كانت تُظهر على نحو جيد العلاقات القديمة بين الجمهورية الإيرانية واليساريين “الثوريين” في أمريكا اللاتينية.

تولى ايستش لفترة رئاسة جماعة العلاقات الدولية في الكلية. وفي هذه الفترة، ظهر العديد من الأشخاص والمسؤولين الإيرانيين في الأرجنتين، وكان لهم وجود بارز.

تواصل ايستش وكيبراتشو مع الجمهورية الإيرانية

ظهر التواصل الأول بين ايستش وجماعته وبين الجمهورية الإيرانية في تسعينات القرن الماضي، حينما انعقدت مظاهرات في الأرجنتين لدعم تحرير فلسطين.

لا شك أن ايستش كان مهتمًا بإيران منذ اندلاع الثورة الإسلامية فيها، وكان يشيد بالخميني، وفي بداية 2010 وفي إطار الاتفاق الأكاديمي بين البلدين، توجه إلى إيران وزار مدينة قم. وفي عام 2015، قال في حوار مع مجلة “رولينغ استون” أنه تم وضع إطار اتفاقية التعاون وتبادل الأساتذة خلال هذه الزيارة، فقد كانوا يرغبون في تدريس اللغة الفارسية والثقافة الإسلامية.

التقى ايستش في قم بـ “محسن رباني” المستشار الثقافي الإيراني السابق في الأرجنتين والمتهم حاليًا بأنه العقل المدبر لتفجير آميا.

أما عن العلاقة بين ايستش ورباني، فقد صرح الصحفي الأرجنتيني “غابرييل لفيناس” الذي حقق في قضية آميا لسنوات طويلة فقال: “كانت إيران تدعم الحركات الأرجنتينية ماديًا. وكانت تنظم المظاهرات ضد السفارة الإسرائيلية في بوينس ايرس. وكانت تبحث عن عناصر جديدة من أجل قضية آميا. وعلى هذا الأساس، “ليس من المستغرب أن يكون لايستش دور في هذه الأحداث”.

ذكر نيسمان في لائحة الاتهام: “هناك عناصر تؤكد حصول ايستش على أموال من إيران.” وقد قُتل نيسمان قبيل حضوره في البرلمان بسويعات قليلة، وعلى هذا الأساس، لم تتضح هوية هذه العناصر التي تؤكد تلقي زعيم جماعة “كيبراتشو” أموالًا من إيران.

ايستش في لائحة اتهام نيسمان

في يناير/كانون الثاني 2015، اتهم آلبرتو نيسمان مع تقديم لائحة الاتهامات خمسة أشخاص رسميًا بتوقيع مذكرة تفاهم مع الجمهورية الإيرانية والتستر على قضية آميا وإخفاء الجناة الرئيسيين، وهؤلاء المتهمون هم: رئيسة الأرجنتين آنذاك “كريستينا كريشنر”، ووزير خارجيتها “هيكتور تيمرمان”، والنائب البرلماني “آندرس لاوك”، وناشطون سياسيون “لويس ديليا” و”فرناندو ايستش”.

وبحسب ما ذكره، تمثلت الخطة في تبرئة المسؤولين الإيرانيين المتهمين في قضية آميا، مقابل أن تُصِدر إيران النفط والغاز للأرجنتين وتستورد منها الحبوب.

وبحسب نيسمان، كان زعيم جماعة كيبراتشو أي “فيرناندو ايستش” هو حلقة الوصل الرئيسية بين مسؤولي الأمن في إيران والحكومة الأرجنتينية من أجل التفاوض بشأن تفاصيل هذا الاتفاق. وقد تولى ايستش دورًا رئيسيًا في تدشين “فرضية زائفة جديدة”، حيث يقول ايستش في إحدى الملفات الصوتية التي حصل عليها نيسمان: “ما نحتاجه الآن هو تقديم عناصر جديدة لقضية آميا”.

في نهاية المطاف، صدر حكم باعتقال ايستش في السابع من سبتمبر/أيلول 2017؛ أي عقب مقتل نيسمان مباشرة، وبعد نحو عامين من نشر لائحة الاتهام اُتهم ايستش بلعب دور في “قنوات التفاوض الموازية غير الرسمية” بين الأرجنتين وإيران، فضلاً عن دوره “كمصدر حقيقي وفعال وموثوق به لتعزيز الجرائم الجنائية؛ “أي التستر لصالح إيران”.

تم الزج به في السجن؛ وبعد نحو عامين أي في أكتوبر/تشرين الأول 2019 أُطلق سراحه بحجة أن الإفراج عنه حتى موعد المحاكمة لن يشكل أي تهديد. وبعد ذلك، تولت كريستينا كريشنر وهي أحد المتهمين الرئيسيين، منصب نائب رئيس الأرجنتين، وتم إيداع لائحة اتهام نيسمان ونتائج تحقيقاته طي النسيان.

وفق تحقيقات نيسمان، لعب ايستش الدور الرئيسي في التستر على إيران، وكان له دور هامشي في الساحة السياسية في الأرجنتين، وبعد ذلك تم دفعه إلى مركز الساحة السياسية وظل هناك.

قال آلبرتو نيسمان قبل أربعة أيام من قتله وفي آخر مشاركة عامة له: “كنتُ اعتقد أن فرناندو ايستش طاغية ومتمرد، لكن علي أن أعترف أن معرفته القراءة والكتابة، جعلت منه رجلاً ذا فكر.”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد