أسباب نجاح استراتيجية نيوزيلندا في القضاء على كوفيد 19

فلورنسيا مونتارولي – نيوزيلندا

تستخدم نيوزيلندا هدفاً استراتيجياً يتمثل في القضاء على جميع حالات كوفيد – 19، وهو بديل صارم عن التخفيف الذي يُمارس في معظم البلدان الأخرى، وفق أستاذ الطب في جامعة Otago مايكل بيكر، وهو مهندس “استراتيجية القضاء على المرض” في نيوزيلندا، والذي يقول إن نهجه يعتمد على الأدلة العلمية والتعاطف والتواصل الواضح لتجنب المعلومات المضللة.

عالم الأمراض وأستاذ الصحة العامة بجامعة Otago مايكل بيكر البروفيسور الذي لجأت إليه الحكومة لتصميم وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية، وهو أيضاً مدير وحدة أبحاث عدوى البيئة الصحية يركز في عمله على الأمراض المعدية والصحة البيئية، مع وصول الحالات الأولى من كوفيد- 19 إلى نيوزيلندا في فبراير/شباط 2020.

كان على نيوزيلندا أن تتخذ قراراً أساسياً واستراتيجياً معروفاً، وهو التخفيف، أو استراتيجية أكثر طموحاً وهي القضاء على المرض،  إذ إنه وبحلول منتصف مارس/ آذار 2020، كان هناك دعم متزايد لاستراتيجية القضاء على المرض، لذلك قدمت الحكومة نظاماً من أربعة مستويات في 21 مارس/آذار، وبعد أربعة أيام فقط ارتقت الدولة بأكملها إلى المستوى الرابع، وهو “إغلاق تام” صارم وقوي يتضمن إغلاق جميع المدارس وأماكن العمل غير الأساسية والمعاقبة على التجمعات الاجتماعية، وفرض قيود صارمة على السفر، والإعلان عن حالة طوارئ وطنية، والذي منح بدوره السلطات القدرة على تنفيذ تدابير الرقابة.

لكن ما هي “استراتيجية القضاء على المرض”؟

حتى هذه اللحظة كانت نيوزيلندا تكرر استراتيجية العديد من البلدان الأخرى، حيث تبنت معظم دول أوروبا وأمريكا الشمالية “استراتيجية الإخماد” التي تهدف الى السيطرة على التزايد في المنحنى البياني للعدوى، دون إيقاف الانتقال المجتمعي.

 يتم استخدام هذا النموذج على نطاق واسع في حالة الإنفلونزا، ولكنه يتطلب فترات إغلاق مطولة بسبب تكرار “موجات العدوى،”  وتعتمد استراتيجية الخروج منه حصرياً على وجود لقاح فعال للقضاء على الفيروس، تعكس استراتيجية نيوزيلندا للقضاء على المرض حقيقة بسيطة: بما أن كوفيد- 19 ليس أنفلونزا، فهناك حاجة لاستراتيجية أخرى.

في خطة البروفيسور بيكر، كان هناك خمسة عناصر أساسية لاستراتيجية القضاء على كوفيد- 19:

1مراقبة الحدود: وهو حجر صحي عالي الجودة للمسافرين القادمين، أغلقت نيوزيلندا حدودها بالكامل أمام جميع الأجانب، بحيث يمكن فقط للنيوزيلنديين والمقيمين الدائمين وكذلك المواطنين الأستراليين والمواطنين من دول الجوار (جزر كوك ونيوي وتوكيلاو) دخول البلاد.

2. تمت إدارة الكشف السريع للحالات عن طريق اختبارات واسعة النطاق، تلاها عزل سريع، وتتبع حالات الاتصال والحجر الصحي لجميع الذين تمت مخالطتهم من قبل المريض، أكملت نيوزيلندا حالياً ما يقارب من 1.500.000 اختبار كوفيد- 19، وهو ما يمثل 35 بالمئة من تعداد سكانها، بالمقارنة  فقد أكملت الأرجنتين 3.5 مليون اختبار، أي فقط 7 بالمئة من إجمالي عدد السكان، وفقاً لموقع وزارة الصحة، “يُعد الاختبار الموجه والمخطط له إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد في تحقيق هدف القضاء على المرض”.

3. تعزيز النظافة المكثفة، وتوفير مرافق النظافة في الأماكن العامة.

4. تباعد اجتماعي مكثف، مع إمكانية تخفيف التدابير فقط إذا نجحت استراتيجية القضاء على المرض.

5. استراتيجية تواصل عالية التنسيق تتجنب المعلومات المضللة التي تنتشر عبر المجتمع، تهدف استراتيجية القضاء على المرض هذه إلى الحفاظ على جمهور مطلع على القواعد التي يجب عليه اتباعها، والأهم من ذلك، لماذا يجب على المجتمع اتباع هذه القواعد؟ ويصر البروفيسور مايكل بيكر على أن هذه النقطة ضرورية لنجاح استراتيجية القضاء على المرض.

أجرى مركز Te Puhana Matatini (وهو مركز التميز البحثي للأنظمة والشبكات المعقدة) في نيوزيلندا بحثاً لفهم كيفية تأثير المعلومات المضللة على معركة نيوزيلندا ضد فيروس كورونا، وتم نشر النتائج من قبل Health Studio.

هل غياب المعلومات المضللة، بفضل التواصل الجيد والتنسيق الذي يعتمد على العلم وتعزيز الرسائل التي تُركز على الصحة هو المفتاح لتحقيق استراتيجية القضاء على المرض؟

جزئياً، نعم، وربما يكون رائعاً أن يتم وضع المعلومات جنباً إلى جنب مع التدابير الطبية: التباعد الاجتماعي، والاختبار، والحجر الصحي، وبالنسبة للشخص الذي يقف وراء تصميم استراتيجيات القضاء على المرض “يجب أن يتعاون العلم والقيادة معاً حتى تكون خطة الاستجابة للجائحة فعالة”.

واعتباراً من مارس/ آذار2020، أي اليوم السابق للإغلاق الأول، اختارت نيوزيلندا مجموعة من العلماء والأطباء الذي يحظون باحترام واسع لصدارة عملية التواصل، وذلك إلى جانب رئيسة الوزراء ومجلس وزرائها، حيث شجع الأطباء الناس على الإيمان بالعلوم، وشرحوا لهم لماذا ينبغي عدم الوثوق بكل شيء يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.

على سبيل المثال، قبل ساعات قليلة من تطبيق الإغلاق في جميع أنحاء نيوزيلندا، استمعت الدولة بأكملها بعناية لإجابة الطبيب سيوكسي وايلز عن أسئلة تتعلق بالإغلاق، وبحلول منتصف الليل كان كل مواطن نيوزيلندي يعرف ما المطلوب منه، وما يجب تجنبه خلال الأسابيع الأربعة الأولى من الإغلاق، وقد ساعدت هذه المعلومات العلمية عالية الجودة، والمتاحة للجميع، الدولة على الابتعاد عن الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، كما كانت المؤتمرات الصحفية اليومية التي تعقدها رئيسة الوزراء أداة أساسية للتواصل المفتوح.

في الواقع، يوضح البروفيسور شون هندى، من جامعة أوكلاند أن “علاقة العمل القوية هذه مع المجتمع العلمي منحت نيوزيلندا ميزة في الآونة الأخيرة، مقارنة بالدول التي لديها علاقات ضعيفة مع مجتمعها العلمي”.

فوائد ومخاطر استراتيجية القضاء على المرض

إن استراتيجية القضاء على المرض لها أيضا مخاطر، والإغلاق الصارم له تكاليف اجتماعية واقتصادية كبيرة، ومن المرجح أن يكون قاسياً بشكل خاص على أولئك الذين لديهم موارد أقل، يفترض البروفيسور بيكر أن هذه الاستراتيجية من المرجح أن يتم تبنيها فقط في الدول ذات الدخل المرتفع التي يمكنها التخفيف من العواقب الاقتصادية للإغلاق الصارم، ووفقًا لوثيقة استراتيجية القضاء على المرض، لا تستطيع البلدان منخفضة الدخل اعتماد استراتيجية موضوعية، واحتمال تعرضها لموجة وبائية غير خاضعة للسيطرة كبير.

إن بناء الثقة بالعلم، والاستماع إلى الأطباء، واتباع القواعد، وتجنب نشر الشكوك هي أكثر الطرق فعالية لوقف نشر المعلومات المضللة، الرسالة الموجهة إلى الحكومات في جميع أنحاء العالم واضحة مفادها: “حتى لو لم تكن الحكومة قادرة على تحمل تكاليف استراتيجية القضاء على المرض، فإن الافتقار إلى البيانات العلمية في المعلومات الرسمية سيجعل الشعب متعطشاً لإجابات أخرى لم يتم التحقق منها، نيوزيلندا هي الدليل الأكثر موثوقية على أنه إذا وثق المجتمع بعلمائه واستطاع إيقاف المعلومات المضللة، يمكنه إيقاف الفيروس”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد