الدبلوماسي المفخِّخ.. قصة اعتقال أسد الله أسدي والمتعاونين معه

كامبيز غفوري-إيران وير

في يونيو/حزيران من سنة 2018، في سيارة بيجو 308 ذات لوحة رقمها 061VJU، كان شاعرٌ يُدعى مهرداد عارفاني يتوجه من بروكسل نحو باريس، حاملاً في جيبه موبايلين اثنين، يَنتهي أحدهما برقم 2614 يَعرفه أصدقاؤه، والآخر ينتهي برقم 1791 لا يَعرفه إلا قلة قليلة. وفضلاً عن هذين الرقمين البلجيكيين كانت شريحةٌ نمساوية أيضاً تنتظره في المنزل.

تزامناً مع ذلك كان “دبلوماسي” من السفارة الإيرانية في النمسا يقود سيارته باتجاه الحدود الألمانية قاصداً الذهابَ إلى لوكسمبورغ. والرابط بين الشاعر والدبلوماسي في هذه القصة هو “القنبلة”؛ جهاز تفجيري صغير الحجم لكنه قاتل كان من المقرر أن يحمله زوجانِ يُدعَيان نسيمة نعامي وأمير سعدوني من لوكسمبورغ، ويُفجِّراه في مؤتمر “منظمة مجاهدي خلق” بالتعاون مع مهرداد عارفاني الذي كان يَعرفه كثيرون في المنظمة. ولذلك كان دخوله إلى صالة المؤتمر سيتم بسهولة، إذ قلما يشكّ أحد بضلوعه في تفجير على وشك الحدوث. غير أنّ رجال الأمن الفرنسيين كان لهم رأي آخر من خلال ما لديهم من معلومات سابقة.

الإذن بملاحقة مهرداد عارفاني في فرنسا

حين وصل مهرداد إلى باريس، صدر الأمر القضائي بالمراقبة غير المرئية له ولهواتفه في هذه المدينة. ولنا عودة إلى هذا “الشاعر”…

أسد الله أسدي: دبلوماسيُّ العملية

“لم نُصدِّق ذلك!”؛ هذه الجملة أطلقها مسؤول أوروبي في لقاء معي حول ملف أسد الله أسدي. وأردف قائلاً: “لم يَخطر ببالنا أن يأتي بالقنبلة على متن طائرة ركاب مدنية!”.

أما الملف المشترك لشرطة الأمن النمساوية والبلجيكية والفرنسية والألمانية واللوكسمبورغية فقد تَشكّل على ركيزة معلوماتٍ وضعها الموساد الإسرائيلي بين أيديهم؛ فكانوا على اطلاع أنه من المقرر أن ينقل أسد الله أسدي جهازاً تفجيرياً إلى عدة منفّذين في أوروبا، لكنهم كانوا يجهلون كيف ستصل هذه القنبلة إلى يد أسدي نفسه.

في هذا الشأن، تابع المسؤول الأوروبي: “الأجهزة الأمنية النمساوية راقبت أسدي بدقة متناهية، حيث قام فجأة بعدة رحلات إلى طهران في شهر مايو/أيار 2018. في الأثناء، كان جهاز مكافحة الإرهاب النمساوي (BVT) يترصده عن كثب، فجاءتهم معلومات تُفيد أن أسدي يَسعى إلى حمل طرد القنبلة في حقيبته أثناء عودته من طهران إلى فيينا على الخطوط الجوية النمساوية في رحلتها رقم 872 في شهر يونيو/حزيران”. وبالطبع لا يتم تفتيش محتويات حقيبة الدبلوماسيين، فقام جهاز مكافحة الإرهاب بتفعيل الرقم 43 على كمبيوتر قسم التفتيش الحدودي لكي يَسمحوا لأسدي بالمرور حتى لو اكتشفوا معه مواد متفجرة أثناء عبوره من البوابات. والهدف من وراء ذلك ملاحقة أسدي ومراقبته ومن ثـمّ اعتقاله أثناء تسليمه القنبلة إلى منفِّذي العملية. لكنْ ما حصل عليه جهاز الأمن البلجيكي (VSSE) بعد عدة أيام كان خارج التوقعات: “كهف علي بابا؛ مليء بالكنوز الاستخباراتية والأمنية”.

كهفُ علي بابا الأحمرُ

كان كهف علي بابا هو سيارة فورد SX-Max حمراء استأجرها أسد الله أسدي قبل العملية بثلاثة أشهر، ليتوجه مع زوجته وأولاده “لقضاء العطلة”.

قبل اعتقال أسدي بسنة توجّه بسيارة مستأجرة أخرى من النمسا، وأمضى ثلاثة أيام في باريس لتقييم كيفية عقد أعمال مؤتمر منظمة مجاهدي خلق. وللتمويه على العملية استأجر السيارة باسم شخص يُدعى محمد رضا زائري، رجل دين مقرَّب من خامنئي. وحين سألتُ زائري عن هذا الأمر اعتَبر هذه الأخبارَ “لعبة دنيئة”، وغرّد عبر التويتر: “القصة من أولها إلى آخرها أنني أردت في إحدى زياراتي إلى أوروبا استئجار سيارة، ولأن القانون لم يسمح لي بذلك، طلبتُ من موظفي السفارة استئجارها لي. بقيتْ تلك السيارة معي لفترة ثم سلّمتها. هذا كل ما في الأمر”.

مَهما يكن من أمر فقد كان في سيارة فورد الحمراء راكب لا يُشبه بحال من الأحوال رجال الخارجية الإيرانية الذين يُغلقون قمصانهم “حتى أعناقهم”؛ كان يَعتمر قبعةً حصيرية، ويرتدي كنزة نص كمّ، بلحية محلوقة عن آخرها؛ وهذا النمط لا يكون عادةً طريقةَ “ارتداء” الدبلوماسيين الإيرانيين وإن كانوا يَقضون عطلتهم، إلا إذا كان في القضية “إنّ”. لقد تم العثور في صندوق سيارته على قنبلة متطورة تحتوي على نصف كيلوغرام من مادة بيروكسيد الأستيون المتفجرة (TATP)، مع بودرة وجهاز تحكم عن بعد على حدة، لكن لم تكن زوجة أسدي ولا أولاده على علم بهذه المواد.

مع ساعات الصباح الأولى عبَرت سيارة فورد الحمراء من خلال الطريق السريع A8 في النمسا الحدودَ الألمانية، ودخلت إلى الطريق السريع رقم 3 في ألمانيا، حيث توقفت عدة مرات في مرآب سلسلة متاجر “ليدل” من دون أن يَتسوّقوا. وبالطبع فإن مراقبة أسدي في مئات من الكيلومترات كان يتطلب فريقاً كبيراً من رجال الأمن. يُشار إلى أنه في المهمات السرية جداً عادةً ما تبقى دائرةُ المطلعين صغيرة جداً للحيلولة دون افتضاح أمرها قدر المستطاع. وعندما سألتُ المصدر الأوروبي عن هذا الأمر أجاب من غير إبداء استعداده عن الكشف عن التفاصيل قائلاً: “في القرن الواحد والعشرين لا تحتاج إلى ملء الشوارع برجال الأمن. إن تخيُّلَ رجل أمن يرتدي مطريته وقبعته ويجلس على مصطبة يَقرأ صحيفة يَعود إلى قصص القرن المنصرم”.لكني أعتقد أنهم قد استعملوا أقماراً صناعية تمتلكها أجهزة الأمن في عملية ملاحقة أسدي ومرافقيه، فضلاً عن خريطة الوصول إلى مكان السيارة وكاميرات المرور. لكن المصادر الأوروبية الذين تحدثتُ معهم لم يرغبوا في تأكيد أو تفنيد هذا الأمر.

بقيتْ عائلة أسدي فترة في ألمانيا، ثم تابع هو طريقه إلى حدود لوكسمبورغ، ودخل إلى هذا البلد الصغير عبر الطريق السريع A1.

في 25 يونيو/حزيران 2018 كان أسدي على موعد مع منفِّذَي العملية ليسلِّمهما القنبلة. وتَحدّد مكانُ موعدهم في البناء رقم 13، شارع Place d’Armes، أحد فروع سلسلة متاجر بيتزا هات. وُضِعتِ القنبلة بشكل دقيق في حقيبة أدوات تجميل نسائية، ووُضِع جهاز تحكمها الصغير جداً في علبة السدّادات القطنية كي يَعبر بيُسر من التفتيشات العادية المحتملة.

قبل اللقاء مع منفّذَيْ التفخيخ دخل أسدي عدة متاجر في لوكسمبورغ. في الحالة الطبيعية، كلُّ مَن يرى أسدي وكاميرا التصوير معلَّقةٌ من رقبته يَظنه سائحاً عادياً، سوى مَن كانوا يطاردونه ويراقبونه. كان أسدي بتصرفاته هذه يحاول تضليل مطارديه إذا كانوا موجودين، لكنه غفِل عن أنه ليس ملاحقاً وحسب، بل إن رجال الأمن يُسجِّلون جميع تحركاته أثناء رحلته لحظةً بلحظة بالصور وبمقاطع الفيديو.

حين طُلِب منه في موقف التفتيش في لوكسمبورغ الكشف عن أوراقه، قَدّم نفسَه بوصفه دبلوماسياً يَقضي “عطلته” مع عائلته. فتح صندوق سيارته بوجهٍ متهلِّل وأظهر أوراقه للشرطة ثم تابع طريقه، لكن ادّعاءه بأنه في “عطلة” أصبح في ما بعدُ وثيقةً في رفض مطلبه في استخدام الحصانة الدبلوماسية.

في اللحظة التي جلس فيها أسدي مواجِهاً لنسيمة وأمير في بيتزا هات ليعطيهما حقيبة القنبلة كان مطمئنَّ البال أن أحداً لا يتعقّبه. أعطى شريحة موبايل نمساوية لنسيمة وأمير، وشرح لهما شفرات المراسلة وقدّم لهما النصائح الأخيرة. كان أسدي يُسجِّل كثيراً من الأمور في دفاتر صغيرة يَحملها معه. وسنتطرّق إلى هذه الدفاتر المشبوهة لاحقاً …

نسيمة نعامي: جاسوسة مختلفة

قبل عشر سنوات هاجرت نسيمة نعامي إلى أوروبا بوصفها “لاجئة سياسية”، لكنها لم تكن كباقي اللاجئين؛ بمجرد حصولها على إقامة اللجوء بدأت زياراتها لإيران بجواز السفر الإيراني من خلال تركيا.

كانت قد تعرَّفت إلى أمير سعدوني في 2004 عبر الإنترنت. وبعد سنة تزوجا غيابيّاً، وبعد ثلاث سنوات دخلت نسيمة إلى هولندا بجواز سفر مزوّر، ومن هناك أخذها سعدوني إلى بلجيكا وتقدّم لها بطلب اللجوء. بعد دخول نسيمة إلى بلجيكا بدأت تُقنِع أمير للتعاون مع الأجهزة الأمنية الإيرانية.

وقبل حصول نسيمة على الجنسية البلجيكية كانت تسافر إلى تركيا بـ “وثيقة سفر اللجوء”، ومن هناك تُسافر إلى طهران بجواز سفر إيراني صادر عن السفارة الإيرانية في بروكسل. وبعد حصولها على الجنسية البلجيكية لم تَعُدْ تحاول كثيراً إخفاء زياراتها. وجوازات سفرها الإيرانية تُشير إلى أنها سافرت إلى إيران مراتٍ ومرات بين سنتَـي 2010 و2018، غير أن هذه الزيارات لم تَقتصر على لقاء العائلة والأصدقاء، ذلك أن أمير سعدوني قال إن تعاونهما مع وزارة الاستخبارات الإيرانية بدأ منذ 2007، لكنّ هناك دلائلَ تؤكد أن نشاطات نسيمة بدأت قبل ذلك بوقتٍ أطولَ لا يَعرفه زوجُها. يُرجَّح ترجيحاً قوياً أن عملية التعرُّف الإنترنتي كانت من البداية فخاً لتشغيل أمير سعدوني؛ وتُعَد نسيمة رئيسة أعلى لأمير في عملية الاغتيال الفاشلة.

في بعض زياراتها إلى إيران، كانت نسيمة تأخذ معها زوجها، فيزوران عائلتيهما في الأهواز وعبّادان، لكن أمير يعترف أن القسم الأكبر من زياراتهما كان يَمضي في اللقاء مع المسؤولين في الاستخبارات. في البداية كانت دائرة استخبارات خوزستان هي المسؤولة عن التواصل معهما، ثم تدرَّج المستوى رويداً رويداً حتى دخل أسد الله أسدي شخصياً على خط التواصل. وحين يكونان في طهران يتم إسكانهما في فندق “استقلال”، وهو خمس نجوم. وفي حديثه مع رجال الأمن البلجيكي، كشف أمير سعدوني عن بعض تفاصيل اللقاء مع أسدي في هذا الفندق. وساهم هذا التعاون الذي أبداه أمير مع أجهزة الأمن في إصدار حكم سَجنه بشيء من التخفيف، وسنشير إلى أسباب هذا التعاون لاحقاً …

قبل تعرُّف أمير سعدوني إلى نسيمة تـمّ رفض طلبه للجوء السياسي عدة مرات فشارك في عدة مظاهرات لمنظمة مجاهدي خلق بدعوى أنه مناصر لهم، والتقط صوراً مع بعض شخصيات هذه المنظمة حتى يستثمرها في ملف تقديمه على اللجوء. وفي نهاية المطاف تمت الموافقة على طلب إقامته في بلجيكا لقضايا تتعلق بحقوق الإنسان.

أمير ولعبة البلايستيشن الخطيرة مع “دايي”

كان أمير على مرمى خطوة من ثروة لَطالما تمنّاها. ففي أول دخوله إلى أوروبا جرّب أعمالاً كثيرة؛ عاملاً في الميناء، حارساً للمستودعات، عاملاً في خدمة توصيل البيتزا إلى المنازل. لكنّ أول دفعة من المال الذي تلقّاه لقاء عمل يوم واحد كانت أكثر من راتبه لشهر كامل. وكان من المقرر أن تكون الدفعة التالية أكثر إذا ما حصل على معلومات أفضل وأكثر. وهكذا لم يَعُد بحاجة إلى العمل، وكانت نسيمة هي صلة وصله بالاستخبارات الإيرانية.

وتَقرّر أن يكون تفجير يوم 30 يونيو/حزيران هو آخر مهماتهما. كان أمير ونسيمة يركبان سيارة مرسيدس كُحلية، ويُخططان لشراء فيلا بسعر حوالي نصف مليون يورو وتسجيله باسم نسيمة. كانا قد استلما نصف هذا المبلغ بطريقة “غير رسمية”، وطبقاً لوعود أسدي كان الباقي سيُدفع بعد أن تنتهي الأمور على خير.

في 28 يونيو في لوكسمبورغ، استلما حقيبة القنبلة وجرّبا الرموز والشفرات: “لن نتواصل إلا عن طريق الرسائل المكتوبة. وينبغي أن تُكتَب جميع الرسائل بحيث إذا تمت مراقبتها عشوائياً يَظن القارئ أننا نتحدث عن بطولة الألعاب الكمبيوترية؛ البلايستيشن هو القنبلة، وربط التنشيط هو فيش التلفزيون. حين نقول تعال إلى البانسيون في الساعة الفلانية فهذا يعني أن يكون الموبايل شغالاً في تلك الساعة. ولا تتصلا أبداً إلا بعد مرور أشهر على العملية، ولا تستعملا الرسائل عبر الإيميل مطلقاً، ولا تسافرا جوّاً. وإذا اقتضت الضرورة فسافرا برّاً فقط”. حينذاك ألقى أسدي نظرة أخرى على دفتره للتأكد من أنه لم يَنسَ شيئاً: “كان الله معكما. ولا تنسيا أن تُضلِّلا المُطارِدين المحتملين”.

ركب الزوجان سيارة المرسيدس وتوجها من لوكسمبورغ نحو بلجيكا. وكغيرهما من العاملين مع أسدي كانا يَحفظان اسمه في موبايلاتهما باسم “دانيل”، لكن أمير ونسيمة يناديانه “دايي”.

في صباح 29 يونيو، ووفقاً لموعدهما، أرسل أمير سعدوني رسالة من الرقم 00320301120232050 إلى الرقم 00436602227681 الذي كان أسدي يستعمله:

(“سعدوني: مرحباً دايي

أسدي: كيف حالك؟ هل تم نصب اللعبة؟

سعدوني: نعم، تم نصبها. لقد فُزنا. وقت فطور يوم الأحد سنضرب. إذا لم يتم نصب البلايستيشن، هل نعود إلى منزل ذاكر أو نذهب لتناول الفطور؟

أسدي: في الساعة 20:00 حين نلعب سيتوضح الأمر. باي

سعدوني: تمام دايي”).

نص الرسائل المتبادَلة في صباح يوم انعقاد المؤتمر والـمُدرَج في الملف الجنائي لمحكمة آنتورب البلجيكية هو على الشكل التالي:

(“سعدوني: مرحباً. قمنا بتشغيل البلاستيشن. دايي، سنذهب لنفوز بالكأس

أسدي: عملك جيد. هل تم وصل فيش التلفزيون (سلك القنبلة) أو لا؟

سعدوني: نعم، كل شيء تمام

سعدوني: ادعُ لنا

أسدي: كان الله معكم”).

في ظهيرة يوم العملية بقيت رسالةُ أسدي المرسَلة في الساعة 13:06 من دون جواب. كما لم تتحدث الأخبار عن تفجير كبير في مؤتمر منظمة مجاهدي خلق. وبالطبع ما كان لخبر كهذا أن يتم إخفاؤه. وفضلاً عن مريم رجوي، كانت عدة شخصيات سياسية، مثل رودي جولياني محامي دونالد ترامب من بين الـمَدعوِّين.

في الساعة 20:47 من 30 يونيو أرسل أسدي رسالة ثانية: (“كيف حالك؟ هل أنت بخير؟”) لكنه لم يتلقَّ جواباً، فاستبدّ به القلق. وصباح يوم الأحد، 1 يوليو/تموز، كان أسدي لا يزال يَقضي “عطلته” في ألمانيا. وفي الساعة 10:53 كتب ثانية: (كيف حالك؟ هل أنت بخير؟”). انتظر عدة دقائق لتلقي الجواب لكن … . حينئذ أدرك أنه ليس هناك مكان أكثر أماناً من السفارة الإيرانية، فأخذ عائلته المذهولة استغراباً، وانطلق من رهاينبريتباخ الواقعة قرب مدينة بون مسرعاً صوب النمسا قبل أن تنتهي “عطلته”. وعبْر طريق فرانكفورت دخل الطريق السريع الطويل رقم 3. زوّد سيارته بالنزين، واتجه بأقصى سرعة نحو الحدود النمساوية، لكنه لم يكن قد دخل النمسا حين اعتقلته الشرطة هو وعائلته حوالي الساعة 13:00.

أُطلِق سراح عائلته الذاهلة عن نفسها بعد 24 ساعة. أما أسدي فكان صامتاً ببرودة أعصاب، والابتسامةُ مرتسمةٌ على شفتيه، وهو يشير إلى جواز السفر الدبلوماسي الإيراني طالباً الإفراجَ عنه والاتصال بالقنصلية. كان واثقاً أنه سيُطلَق سراحُه قريباً. لكن هذه المرة كانت مختلفة عن نماذج اغتيالات النظام الإيراني في العقدين 1980 و1990.

تم اعتقال نسيمة نعامي وأمير سعدوني مع القنبلة التي تسلّماها من أسدي على طريق بروكسل-باريس، وكانا يخضعان للتحقيق بسند موثوق.

مهرداد عارفاني: نهاية غير سعيدة

والآن نعود إلى “الشاعر”. كان مهرداد عارفاني على تواصل مع كثيرين في بروكسل، ويَنظم شعراً متواضعاً، ويَهتف بشعارات لاذعة، ويشارك في مظاهرات وتجمعات مجاهدي خلق، كما كان قد دفع بعدة كتب إلى المطبعة، ويُلقي كلماته في نشاطات الإيرانيين الصغيرة في المدن الأوروبية. وأكثر النشطاء السياسيين المقيمين في بروكسل ممن ليسوا خبراء في الكمبيوتر يَتذكرون أنهم دعوه إلى منازلهم ليقوم بتنصيب برامج على حواسيبهم ويَضبط أنظمتها. وحتى الآن لا يَعلم أحد مقدار “المعلومات” التي وصلت من هذه الحواسيب إلى أيدي العاملين في “وزارة الاستخبارات” الإيرانية.

كان عارفاني يُجيد الأعمال المتعلقة بالبناء أيضاً؛ بدءاً من مدّ الأنابيب إلى ديكورات المبنى، وأينما كانت هناك حاجة إليه سارع إلى تقديم يد العون. وخلافاً لمرسيدس نسيمة وأمير، كانت لديه سيارة بيجو عادية، وأحياناً يَتلقى المساعدات الحكومية المقدَّمة للمحتاجين أو العاطلين عن العمل، ولذلك حين تم اعتقاله ظن الكثيرون أنّ هناك “خطأً” في الموضوع؛ بل إن البعض كانوا يحاولون جمع المال لتوكيل محامٍ له، لأنهم كانوا يعتقدون أن “مهرداد ليس من هذه الطينة”. لكن حين سُجِّل في حكم محكمة آنتورب أن مبلغ 226 ألف يورو دُفِع له من “قِبَل مجموعات إرهابية” وأن هذا المبلغ تمت مصادرته، استولت الحيرة على كثيرين. وقد شاهد كثير من أصدقائه هذه الحيرة على مهرداد في مؤتمر 30 يونيو 2018 أيضاً؛ كان مهرداد في ذلك اليوم مضطرباً، ينتظر أن يرى نسيمة وأمير لكنهما لم يصلا. كان يخرج على الدوام من قاعة المؤتمر. وفي المرآب، فجأة هاجمته مجموعة من الشرطة الفرنسية المكلَّفة بمهمة اعتقاله. فأبدى أصدقاؤه من المناصرين لمنظمة مجاهدي خلق ممن لم يكونوا على علم بالقضية مقاومةً أمام الشرطة، فتم اعتقالهم أيضاً، وحين رأوا في المعتقل وجه مهرداد الشاحب وصمته، وسمعوا الاتهام الموجه إليه بالتفخيخ في وسطهم، ذُهِلوا. وبالطبع فقد أطلقت الشرطة سراحهم بعد عدة ساعات، وحين اتصلوا بآخرين أدركوا أنهم متفاجئون مثلهم. كان يمكن لتفجير نصف كيلوغرام من بيروكسيد الأسيتون في مكان مغلق أن يُودي بحياة المئات.

الجنون الهادف للنظام الإيراني

إن تفجير قنبلة في قاعة مؤتمر تَحضره بالإضافة إلى مريم رجوي ومؤيدي مجاهدي خلق شخصياتٌ سياسية أمريكية وبريطانية وإيطالية، وكثير من المسؤولين الحاليين والسابقين في حكومات دول مختلفة كان جنوناً بعينه.

كان المحامي الشخصي لدونالد ترامب المرشَّح السابق للانتخابات الأمريكية عن الحزب الجمهوري الأمريكي، والوزير البريطاني السابق وكثيرون غيرهما سيلقَون مصرعهم؛ لكن النظام الإيراني لم يكن مجنوناً.

كان من المقرر اعتبار هذا التفجير تصفية حسابات داخل منظمة مجاهدي خلق، وتزامناً مع زيارة حسن روحاني لأوروبا كان المسوِّغون في الخارجية الإيرانية سيقولون هل جُنِّنا حتى نُقدِم على مثل هذا العمل؟ مثلما صرّح محمد جواد ظريف الذي كان برفقة حسن روحاني في أوروبا بعد اعتقال أسدي مشيراً إلى القضية قائلاً يوم وصول روحاني إلى أوروبا: “هل تظنون أننا مجانين حقاً؟ هل سنُقدِم على مثل هذا العمل في مثل هذا اليوم؟ على الأقل كان بإمكاننا فعله بعد يوم من ذلك أو بعد 10 أيام؛ ألم يكن بإمكاننا؟”.

ومع هذا فقد سارت الأمور على نحو آخر، وتم اكتشاف أمر القنبلة قبل تفجيرها. وفي المقابل، كان هناك تلٌّ من الوثائق والمستندات المتعلقة بالاغتيال في أيدي الأجهزة الأمنية الأوروبية. وفي 23 يناير/كانون الثاني 2019 صرّح علي ماجدي السفير الإيراني السابق في ألمانيا، لوكالة إيسنا فقال: “يُقدِّم الأوروبيون بشأن المزاعم التي يُوردونها وثائقَ لا يمكننا دحضها بسهولة”. وهكذا فالوثائق هي التي تتكلم هذه المرة.

تَذهب بعض المصادر إلى أنه كان من المقرر تصفية أمير سعدوني إذا اقتضت الضرورة، ثم تُنشَر صور له مع مهدي أبريشمجي وعدة صور أخرى التقطها في مؤتمر مجاهدي خلق، ويتم الإعلان عن أن سبب التفجير هو “خلافات داخل منظمة مجاهدي خلق”.

كانت الأجهزة الأمنية الإيرانية قد أعدّت خططها الإعلامية، فتقرر إذا لم يتم حلُّ قضية التفجير على المستوى الدولي بسهولة أن يتم العثور على جثة أمير سعدوني في مكانٍ ما، ثم يُسرَّب الخبر مع صوره إلى وسائل الإعلام تحت مسمَّى “تصفية حسابات” داخل المنظمة. ولا شك أن النظام الإيراني كان قد اتكأ على لوبياته الكثيرة في وسائل الإعلام الأجنبية أيضاً.

سعدوني: ضحية أفرغت ما في جَعبتها

أَطلع المحققون أمير سعدوني على هذه النظرية، وقدّموا له وثائق ومستندات تنمّ عن خطط نسيمة طويلة الأمد. وعندما قدّم المحققون تفاصيل تقارير نسيمة حول زوجها للأجهزة الأمنية الإيرانية، أدرك أنه كان في هذه المدة كلها دمية بيد نسيمة نعامي، وانهار حين علم أن المسؤولين الأمنيين، بالاستناد إلى تقارير نسيمة، يَعتبرونه عنصراً متردداً وجباناً لا يمكن الوثوق به. وقتها بدأ أمير سعدوني بإفراغ جعبته؛ فوضع جميع الأسرار بين أيدي المحققين. على أن كثيراً من التفاصيل لم تُعرَض في المحكمة العلنية لأنها مسائل شخصية لا ترتبط ارتباطاً مباشراً بملف الاغتيال. وتأسيساً على تعاون أمير مع المحكمة منحتْه الأخيرةُ تخفيف 3 سنوات، فـحَكمت عليه بالسجن 15 عاماً بدلاً من 18 عاماً.

قام المحققون بتسجيل تقريعات نسيمة لأمير حين انتهرته: “لماذا كشفت كل شيء؟” وكذلك أجوبته لها أثناء لقائهما الحضوري في السجن. وفي المحكمة حين أنكر عارفاني معرفتَه بأمير سعدوني من الأساس، اشتعل أمير لهباً أكثر من السابق، وتشاجر معه بالأيدي.

كانت درجة مهرداد عارفاني لدى الأجهزة الأمنية أعلى من درجة نسيمة وأمير. عارفاني من مواليد 1963؛ كان يناصر في مرحلة شبابه مجموعة “مُنية المضطهدين” التي تعرضت للفتك والقمع في عقد 1980، فتم اعتقاله هو أيضاً في ذلك الوقت، وأمضى عدة سنوات في السجن، حيث تعرَّف إلى أنصار منظمة مجاهدي خلق الذين كانوا يُشكِّلون معظم السجناء السياسيين في ذلك العقد.

أمضى عارفاني العقد 1990 في إيران، وفي أواخره هاجر إلى أوروبا وقدّم طلب اللجوء. ومع أنه اعتبر نفسَه “بلا إله” في بلجيكا فقد اقترب من منظمة مجاهدي خلق، والتفت إلى الأعمال التطوعية مثل تصوير اجتماعاتهم.

ومع أن المدّعين العامين كانوا يُقلِّلون في البداية من دوره في عملية التفجير، وأخذوا في اعتبارهم السجن له لمدة 15 عاماً، إلا أن المحكمة حكمت على عارفاني بالسجن 17 عاماً؛ ومردُّ ذلك إلى خداعه الجهازَ القضائي. وحُكِم على نسيمة نعامي بالسجن 18 عاماً. وفي نهاية المطاف تم سحب الجنسية البلجيكية من الأشخاص الثلاثة المذكورين أعلاه. أما أسد الله أسدي فقد تم رفض حصانته الدبلوماسية عدة مرات في محاكم ألمانيا وبلجيكا والنمسا، وحُكِم عليه بالسجن 20 عاماً (ما يساوي السجن المؤبد في بلجيكا).

من أجل حفنة من اليوروهات

أسد الله أسدي منصهر في إيديولوجية نظام الجمهورية الإسلامية إلى درجةٍ دفعتْه إلى دهس أبسط رغبات المرء؛ إن “جندي النظام” هذا لم يتوانَ عن إجلاس عائلته في سيارة كان يُحتمَل تفجير قنبلة موضوعة فيها، لا لشيء إلا لإرسال “معارضي النظام” إلى “جهنم” كما تُفيد الرسائل المسجَّلة في موبايله.

لكن الثلاثة الآخرين كان لهم دافع آخر: المال! ما خلا المداخيل العادية تمت مصادرة 120 ألف يورو لدى أمير سعدوني، و106 آلاف يورو لدى نسيمة نعامي، و226 ألف يورو لدى مهرداد عارفاني. كان جزء من هذا المبلغ قد حُوِّل قطرةً قطرة إلى 120 حساباً وسيطاً ثم تم إيصاله إليهم. كما تم العثور على مبالغ نقدية أُعطِيت لهم. على أن آنفي الذكْرِ كانوا قد أخفوا هذه المبالغ وقدّموا أنفسهم عاطلين عن العمل، وأحياناً كانوا يطالبون الحكومة البلجيكية بــ “معونات مالية” بذريعة ضيق ذات اليد.

الدفاتر المشبوهة والأحلام المضطربة

والآن نعود إلى كهف علي بابا. في تابلو سيارة فورد الحمراء التي استأجرها أسدي تم العثور على دفاتر حمراء وخضراء وسوداء، وكانت بعض المعلومات في الدفتر الأحمر تتضمن ملاحظات أسدي عن عملية 30 يونيو 2018، وأجندة العمل بجهاز التفجير والقضايا الأمنية، وعنوان مكان انعقاد مؤتمر المجاهدين وأمور أخرى.

بناء على التعاليم الأمنية، كان أسدي يعلم أن خطر كتابات الأونلاين أكثر من الكتابات الورقية. لكن المحفِّز له كان جواز سفره الدبلوماسي، ويعلم أن سيارات الدبلوماسيين لا تخضع للتفتيش. وبالاتكاء على حصانته الدبلوماسية كان يَحمل معه هذه الدفاتر بلا خوف، غافلاً عن فرضية أن الأجهزة الأمنية الأوروبية بالتعاون مع الأجهزة غير الأوروبية مطلعةٌ على دقائق العملية التي يديرها هو، وأنها تستطيع أن تتجاهل حصانته الدبلوماسية.

بل حتى إن أسدي حين أخذ سيارته المستأجرة إلى المغسلة في ألمانيا طالباً غسلها غسلاً كاملاً من الداخل والخارج وغسل صندوقها كي يُزيل الآثار المحتملة لـ TATP، لم يتخلّص من هذه الدفاتر. على أنّ كلاب الشرطة استطاعت أن تشمّ رائحة المواد المتفجرة أثناء اعتقاله، كما أن الحصانة الدبلوماسية لم تُفِده بشيء.

أما الدفتر الأخضر فكان إيضاحاً لـ 289 موضوعاً؛ يرتبط معظمها بالتحويلات المالية وعناوين أماكن في أوروبا. ويُطالعنا في محتويات هذا الدفتر أشخاصٌ بأسمائهم الأولى أو كناهم (وهي أسماء حركية في معظمها) كانوا يتلقّون مبالغَ تحت مسمَّى الراتب وتكاليف العملية بل حتى المساعدة من أسدي، وأحياناً كانوا يُوقّعون له على ذلك. وتم تكليف رجال الأمن في 11 دولة، منها فرنسا والنمسا وجمهورية التشيك وهنغاريا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا، لكشف هؤلاء الأشخاص. أكثر المبالغ (144 حالة) تم دفعها في ألمانيا، وبالطبع فإن أحد عناوين هذا الدفتر هو عنوان المركز الإسلامي في هامبورغ. وحتى الآن يتم استدعاء بعض المواطنين الإيرانيين المقيمين في ألمانيا ممن يُشكُّ في علاقتهم بهذا الدفتر ويتم التحقيق معهم.

في محكمة آنتورب، المسؤولة عن التحقق في جرائم أسد الله أسدي ومتعاونيه الثلاثة، قيل إنّ أحكام السجن صدرت حتى الآن بحق هؤلاء الأربعة فقط. ورغم أن القوانين تَمنع المحكمةَ من محاكمة النظام الإيراني رسمياً إلا أنّ الأشخاص الـمُدرَجة أسماؤهم في الدفتر الأخضر “لن يهنؤوا بعد اليوم بنومهم”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد