تحديّات تأمين وصناعة الدواء في ظل الأزمة السوريّة

 أصدر المكتب المركزي للإحصاء التابع لحكومة النظام السوري مؤخراً مجموعته الإحصائية 2020 التي تضمنت قطاع الأدوية والصحة، وأشارت إلى زيادة تصاعدية خلال السنوات الماضية في عدد الأصناف الدوائية المصنعة محلياً، وعدد معامل الأدوية، ونسبة التغطية بالأدوية المحلية من إجمالي احتياجات السوق.

كما تحدثّت المؤسسة العامة للتجارة الخارجية على لسان مديرها شادي جوهرة عن تأمين 80% من الاحتياجات الدوائية للخطة الموضوعة من قبل وزارة الصحة، والتي بلغت في عام 2020 ما يفوق 75 مليون يورو، مع استمرار التوريدات لتنفيذ الخطط الحكومية القادمة، ما يوحي بتحسّن ونمو مضطرد في تأمين الدواء وصناعته محلياً.

لكن حقيقة الأوضاع على أرض الواقع تعكس التحديّات التي تواجه صناعة الدواء، ابتداءً من استيراد المواد الأولية، وحتى طرحه للناس بأسعار تتناسب مع الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد.

توفّر الأدوية وملاءمتها للقدرة الشرائية:

عام 2011 بلغ عدد أصناف الأدوية المصنّعة محلياً وفق إحصاءات رسمية 7313 صنفاً، تُنتج في 73 معملاً موزعة على عدة محافظات، وأكثرها في حلب وريف دمشق اللتين تأثرّتا بالعمليات العسكرية، أما بقية المعامل فتركزت في حمص وحماة، ثم توجهت في السنوات الأخيرة نحو مناطق اللاذقية وطرطوس، ومع نهاية عام 2019 بلغت أصناف الأدوية المحلية 9074 صنفاً، ومعامل الأدوية 96 معملاً.

عدد من هذه المصانع تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية، ورغم ذلك يوجد  نقص في عدد الأصناف الدوائية، وخاصة الأدوية النوعية، كأدوية السرطان وزرع الكلية والتهاب الكبد، وفق نقيب صيادلة دمشق علياء الأسد، والتي صرّحت مؤخراً لإذاعة “نينار إف أم” المحلية أنّ بعض الأصناف الدوائية غير متوفرة رغم نزولها ضمن قوائم أسعار وزارة الصحة. 

أُسر سورية تفاضل بين أولوية الإنفاق على تأمين الطعام والإنفاق على شراء الدواء

يؤكد الصيدلاني باسم أيّوب من مدينة دمشق وجود نقص في جميع أصناف الأدوية الأساسية، وشبه انقطاع لأدوية الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب والسكر وغيرها، فمستودعات الأدوية لا تزّود الصيدليات سوى ببضع عبوات من كل صنف.

ويعلّق باسم على افتتاح معامل أدوية جديدة، بأنها “مجرّد تعدد لبعض أنواع الأدوية غالباً، فكثير منها اتجهت نحو إنتاج المتممات الدوائية، لا إنتاج البدائل للأدوية المفقودة في السوق”.

ويشير الصيدلاني”باسم”  إلى وجود خلل  في منظومة إنتاج وبيع الدواء المحلّي، ما يؤثر سلباً على الجميع، بدءاً بالمنتجين وانتهاءً بالمواطن، فهامش الربح بات ضعيفاً، ويؤثر على الصيادلة الذين يحاولون تعويض الخسارة ببيع مستحضرات التجميل والعناية وحتى المكياج، التي توّفر مردوداً أفضل من بيع الأدوية، إضافة إلى تفضيل بيع الدواء الأجنبي المهرّب من لبنان والأردن بهامش ربح أكبر مقارنة بالدواء المحلي.

ويقول”باسم” إنّ أسعار الأدوية رغم تواضعها مقارنة بدول الجوار غير مناسبة للقدرة الشرائية في الظروف المعيشية الحالية، وبالتالي يجب على الدولة إما دعم قطاع الأدوية بشكل فّعال لتوسيع هامش الربح للمعامل والمستودعات والصيادلة، أو دعم المواطن بطريقة ما، وتحرير الأسعار لضمان استمرارية إنتاج مختلف الأصناف، فحين يغيب صنف معيّن عن الأسواق يضطر البعض لشراء الأدوية المهربة أو المستوردة بأضعاف سعره الحقيقي، على حد وصفه، ورصد مراسل “إيران وير” الأمر مبيناً أن أغلب الصيادلة اليوم يسعّرون الدواء بخط اليد، بأسعار قد تختلف بين صيدلية وأخرى في نفس المنطقة.

يقول الباحث الاقتصادي زياد غصن في تقرير لمدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية: “إن كثير من الأُسر السورية بات عليها في حالات معينة المفاضلة بين أولوية الإنفاق على تأمين الطعام والإنفاق على شراء الدواء، والذي لم تكن نسبته تتجاوز من متوسط إنفاق الأسرة قبل عام ٢٠١١ أكثر من 1.5%”.

تحدّيات محلية وخارجية:

تحتاج معامل الأدوية السورية اليوم إلى استيراد المواد الأولية اللازمة لصناعة الدواء من الخارج”الهند أو الصين” وفق تصريحات نقيب صيادلة دمشق، وبحسب مسؤول إنتاج معمل أدوية طلب عدم ذكر اسمه، فالعقوبات الغربية  أثرت على توريد المستحضرات الصيدلانية وعملية الإنتاج، حيث تقيّدَ استيراد ونقل السلع “ذات الاستخدام المزدوج”، وتعرقلت عمليات تحويل الأموال، وتأمين قطع الغيار والصيانة، ويشير مسؤول الإنتاج إلى وجود صعوبات محليّة أبرزها التدهور المستمر في سعر صرف الليرة، فالمعامل تستورد المواد الأولية وملحقاتها اللازمة في عملية الإنتاج بالدولار الأمريكي، وفق سعر صرف السوق الموازي، الذي يعادل نحو 4000 ليرة مقابل الدولار، في حين تفرض وزارة الصحة التسعيرة وفق سعر صرف الحوالات الرسمية البالغ 1256 ليرة للدولار، ما يؤدي إلى خسائر ونقص من الزمر الدوائية في الأسواق، مثل “أوجمنتين” و “كلاريثروميسين” وغيرها، فالمعامل غير قادرة على طرح الأدوية وفق الأسعار الحالية دون دعم حكومي يتناسب مع تكاليف الصناعة.

 ويقول الباحث في مركز دراسات الشرق الأوسط في واشنطن كرم شعّار: “إنّ الشركات الأجنبية تتردد في توريد المواد الداخلة في صناعة الدواء إلى مناطق النظام السوري خوفاً من الملاحقة، رغم استثناء أغلب تلك المواد من العقوبات الأوروبية والأمريكية”، ويوّضح “شعّار” في حديثه لـ “إيران وير” أنّ الأمر يتطلب من تلك الشركات التواصل مع وزارة الخزانة الأمريكية لإثبات أنّ المواد المطلوبة ضمن قوائم الاستثناء من العقوبات، ما يزيد من صعوبة وتعقيد عملية التوريد، فالأصل في العقوبات الغربية هو منع التعامل مع النظام السوري عموماً، وأما السماح فهو استثناء،  لذلك ربما يتطلب توريد مادة معينة تقديم طلب خاص لوزارة الخزانة الأمريكية لإزالتها من قائمة المحظورات، ويضاف الى ما سبق وجود بعض المواد “ثنائية الاستخدام” مثل مادة الكلورين التي تصنّف ضمن المعقّمات، ويمكن أن تستخدم في صناعة الأسلحة الكيميائية، الأمر الذي يدعو الشركات الأجنبية الى التردد أو وقف تصديرها إلى المعامل في مناطق النظام، وفق الدكتور “شعّار”، ويعتبر “شعار”  أنّ الإشكالية الأساسية تتعلق بعمليات الدفع وتحويل الأموال، فالشركات الأجنبية تتعامل وفق منظومة “سويفت” الأمريكية لتحويل الأموال بالدولار الأمريكي، بغض النظر عن جنسيتها، وبالتالي تتم جميع التعاملات المالية والبنكية بين البنوك والمؤسسات المالية تحت نظر ومتابعة الولايات المتحدة الأمريكية.

نقص الأدوية المدعومة

وزارة الصحة في حكومة النظام السوري لا تزال توفّر الأدوية بالمجان لنحو 250 ألف مصاب بأمراض مزمنة، عبر صيدلية وزارة الصحة وعدد من مديريات الصحة في المحافظات وبعض المشافي، وفق تصريحات الدكتور جمال خميس مدير الأمراض السارية والمزمنة بوزارة الصحة.

لكن الدكتور خميس يشير الى أنّ العقوبات الاقتصادية تعرقل استيراد أدوية الأمراض المزمنة بمختلف أنواعها، مثل السرطان والتصلب اللويحي والتهاب الكبد الوبائي والسكري وأمراض الدم وزراعة الكلية وغيرها. مشيراً إلى أنّ “الوزارة تؤمن بعض هذه الأدوية من خلال الإنتاج المحلي، أو عبر الدول الصديقة ومنظمات الأمم المتحدة”، وفي هذا السياق يوضّح الباحث كرم شعّار أنّ العقوبات المفروضة على النظام السوري هي عقوبات أوروبية وأمريكية أحادية الجانب، خارج نطاق منظمة الأمم المتحدة، وبالتالي لا تلزمها بمنع توريد بعض الأدوية الى دمشق.

وجدير بالذكر أنّ كثيراً من الانتقادات والشكوك طالت المجموعة الإحصائية الأخيرة 2020، ووصفتها الأستاذة في كلية الاقتصاد بدمشق رشا سيروب بأنها “مليئة بالأخطاء”، مضيفة عبر صفحتها في فيسبوك:

“تأقلمنا مع حقيقة التأخر في صدور الأرقام الرسمية السورية، ونعلم أن الأرقام مشكوك في صحتها حتى لو صدرت بعد حين، أما أن تصدر أرقام تعكس عدم التحقق والتدقيق، فهنا الكارثة”.

ويصدر المكتب المركزي للإحصاء المجموعة الإحصائية سنوياً، وتتضمن أحدث البيانات في قطاعات الاقتصاد الوطني وسلسلة زمنية من البيانات لسنوات سابقة.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد