“كم تمنيت أن أموت” تقرير منظمة العفو الدولية حول انتهاكات طالت المعتقلين السوريين في سجون لبنان

يعيش في لبنان ما يقارب المليون لاجئ سوري، وفق سجلات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيما تقدر الحكومة اللبنانية عددهم بـ 1.5 مليون، يعيشون على أرض لبنان منذ بداية الحرب في سوريا عام 2011.

ومع انتشار فيروس كورونا، وتدهور الاوضاع الاقتصادية في لبنان إلى نحو غير مسبوق ازدادت الضغوط على اللاجئين السوريين في لبنان.

ومؤخراً سلطت منظمة العفو الدولية الضوء في تقريرها الذي صدر في 23 مارس/ آذار الحالي على أوضاع المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية.

وتطرق تقرير المنظمة إلى “أساليب التعذيب المروّعة” التي تعرض لها المعتقلون، وحرمانهم من “المحاكمة العادلة”.

ووثق التقرير الذي حمل عنوان: “كم تمنّيت أن أموت”، انتهاكات طالت 26 لاجئاً سورياً، بينهم أربعة أطفال، تم توقيفهم بين العامين 2014 و2021، ولا يزال ستّة منهم قيد الاعتقال.

وتعددت أساليب التعذيب التي استخدمتها القوى الأمنية اللبنانية، وفق منظمة العفو الدولية: ضرباً بالعصي المعدنية، والكابلات الكهربائية، والأنابيب البلاستيكية.

وأفاد محتجزون عن “عمليات تعليقهم رأساً على عقب، أو إرغامهم على اتخاذ أوضاع جسدية مُجهدة لفترات مطوّلة من الوقت”.

وأفاد جميع اللاجئين الذين تحدثوا للمنظمة، وفق التقرير، ما عدا حالة واحدة من بينهم، بأنّهم تعرّضوا للتعذيب إما خلال الاستجواب أو في الحجز، في حين اعتبرت المنظمة أن الجيش اللبناني كان الطرف الأساسي الذي ارتكب انتهاكات بحق اللاجئين المعتقلين، مشيرة إلى أنّه “في كثير من الأحيان”، جرى توقيف السوريين “بشكّل تعسّفي”.

ووصفت المنظمة الأساليب التي استخدمتها القوى الأمنية اللبنانية بـ “المروّعة”، وأشارت إلى أن تلك الأساليب هي نفسها المستخدمة في أسوأ السجون سمعةً في سوريا، حيث يقبع عشرات آلاف المعتقلين، وفق ما قالت.

كيف تم العمل على تقرير منظمة العفو الدولية؟

التقرير الذي صدر عن منظمة العفو الدولية تم بالتعاون مع مدير مركز حقوق السجين في نقابة المحامين في طرابلس المحامي اللبناني محمد صبلوح، ومع مجموعة من المحامين الآخرين..

يقول صبلوح لـ ” إيران وير”: “إن العمل على التقرير استغرق ستة أشهر، واتسم بالسرية التامة”.

وجاء التقرير بحسب صبلوح بعد زياراته المتعددة إلى المراجع اللبنانية من أجل تحريك القضاء ضد العناصر والضباط الذين ينتهكون حقوق المساجين  في السجون اللبنانية إلا أن تحركاته لم تؤتِ ثمارها.

ويتابع صبلوح فيقول: “بعد ذلك قررت توثيق الانتهاكات التي تقع في السجون، وقررت التعاون مع المرجعيات الدولية المختصة في جنيف، والأمم المتحدة، والفريق العامل لمناهضة التعذيب، وغيرها من الجهات المختصة وبدأت بإرسال الانتهاكات الموثقة إليهم، والتي كنت أحصل عليها إما من المساجين مباشرة أو عبر ذويهم”.

ويشير صبلوح إلى مشاركته عام 2015 في المراجعة الدولية الشاملة في جنيف، التي تتم كل أربع سنوات، للاستماع إلى الأسئلة الموجهة إلى لبنان بشأن الإصلاحات المنتظرة منه حول حقوق الإنسان ويقول لـ “إيران وير”: “فوجئت بموقف الدولة اللبنانية هناك، والذي أظهر احتراماً غير موجود لحقوق الإنسان، وعندها بدأت بتقديم تقارير دورية لمجلس حقوق الإنسان حول الانتهاكات التي تتعلق بتلك الحقوق، وتمكنت من حشد ضغط دولي لإلزام لبنان بتعديل المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية، وتم تشريع قانون تجريم التعذيب”.

وتنص المادة 47 على:

1-  الحق بحضور المحامي خلال الاستجواب أو الاستماع إلى أقوال المشتبه به، وبسرية المقابلة بينهما قبل التحقيق.

2-  تحديد ماهية الطبيب الذي يحق للمشتبه به أن تتم معاينته من قبله على أن يكون طبيباً شرعياً.

3- إلزامية الاستعانة بمترجم للأجانب وبسرعة، والنص على مبدأ السرعة في الاستماع إلى الأقوال.

4- إحاطة المشتبه به علماً بالشبهات القائمة ضده، وإطلاعه على الأدلة المتوافرة لديه.

5- إلزامية تصوير إجراءات الاستماع والاستجواب كضمانة إضافية لجهة منع التعرض للتعذيب، ولمصداقية التحقيق، وكوسيلة إثبات للمشتبه بهم على عدم مراعاة الضمانات الأساسية، وما يترتب على ذلك من نتائج قانونية على صعيد بطلان المحضر والإجراءات اللاحقة له.

ويضيف صبلوح أن فريق المحامين اللبنانيين الذي عمل مع منظمة العفو الدولية للإضاءة على الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون السوريون في لبنان عقد عدة اجتماعات مع المنظمة، وقدم مستندات وأحكاماً حول التعذيب الذي تعرض له المعتقلون، وأشار إلى عدم اكتراث القضاء اللبناني لما واجهوه، إضافة إلى اعتماده، أي القضاء، بشكل حصري على اعترافات انتُزعت تحت وطأة التعذيب، دون التحقق من مدى دقة التحقيق، وفق صبلوح..

وكشف صبلوح لـ “إيران وير” أن ” القوى الأمنية كانت تتعمد الإتيان بأم أو أخت الموقوف، وتعذيب الموقوف أمامها، وتهديده باغتصابها في حال لم يوقع على الأوراق”، مشيراً إلى أن “شهادات عدد من المعتقلين تقاطعت مع بعضها في هذا الخصوص”، ولم ينفِ تعرض المعتقلين اللبنانيين لأمور مماثلة”.

انتهاكات جسدية ولفظية

وثقت منظمة العفو الدولية حالتين من ضحايا التعذيب كانتا في سن 15 و16 عاماً، في حين أفاد أربعة رجال أنّهم “تعرّضوا لضرب مبّرح لدرجة أفقدتهم الوعي”.

وكشف أحد المحتجزين، وفق التقرير، أنّه “ضُرب على أعضائه التناسلية إلى أن أُغمي عليه”، ووثّقت المنظمة أيضاً “إساءة معاملة امرأتين تعرّضتا للتحرّش الجنسي والإساءات اللفظية في الحجز.”

وحُرم المحتجزون من “المحاكمة العادلة”، وفق المنظمة التي قالت إنه في حالات عديدة، اعتمد القضاة اعتماداً شديداً على الاعترافات المنتزعة تحت وطأة التعذيب، ووثّقت تسع حالات “عُدّ مجرّد التعبير عن المعارضة السياسية للحكم السوري دليلاً يبرّر الإدانات بتهم الإرهاب” فيها.

واعتقلت القوى الأمنية اللاجئين الـ 26 بعد عام 2014، بعد معارك بين الجيش اللبناني ومقاتلين من جبهة النصرة وتنظيم “داعش” تسلّلوا من سوريا، وتحصّنوا في منطقة جبلية حدودية، وفي صيف عام 2017 خرج عناصر التنظيمين من لبنان إثر عمليات عسكرية واتفاق إجلاء.

مَن يحاسب أفراد القوى الأمنية والجيش اللبناني؟

قالت ماري فورستيي الباحثة المعنية بحقوق اللاجئين والمهاجرين في منظمة العفو الدولية: “إن هذا التقرير يقدم لمحة سريعة عن المعاملة القاسية والمسيئة والقائمة على التمييز المجحف التي تمارسها السلطات اللبنانية ضد اللاجئين السوريين المحتجزين للاشتباه بهم بشأن تُهَم تتعلق بالإرهاب”.

وأضافت ماري: “في حالات عديدة وجد اللاجئون الذين فروا من الحرب، والقمع والتعذيب في سوريا أنفسهم معتقلين تعسفياً، ومحتجزين بمعزل عن العالم الخارجي في لبنان، حيث يواجهون العديد من الأهوال نفسها التي تحدث في السجون السورية”.

وأشارت ماري إلى أنه “لا ريب في أنّ أفراد الجماعات المسلّحة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان يجب أن يخضعوا للمساءلة على أفعالهم، لكنّ الانتهاك الصارخ من جانب السلطات اللبنانية  قد شكّل استهزاءً بالعدالة”.

وذكرت الباحثة: “في كل مرحلة بدءاً من التوقيف، ومروراً بالاستجواب والحجز، وانتهاء بالمقاضاة في محاكمات جائرة، ضربت السلطات اللبنانية عُرض الحائط تماماً بالقانون الدولي لحقوق الإنسان”.

يقول الدكتور في القانون الدولي المحامي طارق شندب لـ “إيران وير”: “إن محاسبة العناصر والضباط الذين ارتكبوا تلك المخالفات التي دائماً ما تتكرر يجب أن تتم في لبنان”، وانتقد شندب القضاء اللبناني والنيابات العامة في لبنان التي “تحمي هؤلاء العناصر الذين يقومون بأعمال جرمية غير قانونية”، وفق تعبيره.

وأشار شندب إلى أن القضاء يحمي أولئك العناصر، أو يسكت عن ممارستهم باعتبارهم “ضابطة عدلية”، داعياً المتضررين للجوء إلى القضاء الدولي المختص، بحسب مصلحة الضحية في حال لم يقم القضاء اللبناني بمحاسبة المرتكبين لانتهاكات حقوق الإنسان.

وأوضح شندب أن تقرير منظمة العفو الدولية قد عُرض على مجلس حقوق الإنسان، وأخذت المنظمات الدولية علماً به، وهذا ما يسيء إلى سمعة لبنان.

ولفت شندب النظر إلى أن القضاة اللبنانيين الذين سكتوا عن تلك الممارسات تقع عليهم مسؤولية قضائية في التقصير، وقد يكونون شركاء في الجريمة إذا لم يقوموا بالتحقيقات ومحاكمة المجرمين.

وتجدر الإشارة إلى أنه في عام 2016  انتشرت فيديوهات توثق تعرُّض عدد من السجناء اللبنانيين إلى عمليات تعذيب وإذلال على أيدي عناصر أمنية في سجن رومية المركزي، وقال وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق حينها إنه تمت إحالة المرتكبين إلى القضاء.

و احتل لبنان المرتبة الأولى عربياً، والثانية عالمياً في تصنيف الدول الأكثر عنصرية في العالم، وفق موقع “إنسايدر مونكي” الأميركي عام 2015.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد