وسط “كذب الحكومة” أزمة الخبز لا تزال تخنق السوريين

ولات مارديني – إيران وير

حتى اللحظة لا انفراج في أزمة الخبز في سوريا؛ والمشكلة لم تعد محصورة بقلة توفر مادة القمح، فعلى الرغم من إعلان الحكومة السورية عام 2021 “عاماً للقمح” إلا أن السوريين ما زالوا يصطفون بطوابير طويلة لساعات من أجل الحصول على مخصصاتهم من الخبز.

كذلك، في أواخر فبراير/ شباط الماضي وعد زياد هزاع المدير العام للمؤسسة السورية للمخابز السوريين بـ”انفراجات كبيرة” خلال الأسبوع القادم في أزمة الخبز التي تعيشها البلاد منذ أشهر، مؤكداً وصول كميات كبيرة من القمح.

وقال هزاع لصحيفة “الوطن” السورية شبه الرسمية: “إن توريدات من القمح بشكل كبير جداً بدأت في الوصول ومع انتظامها ستكون هناك انفراجات كبيرة خلال الأسبوع القادم”. مرجعاً سبب الأزمة في نقص الدقيق إلى “العقوبات الجائرة على سوريا، وصعوبة الحصول على الأقماح من منطقة الجزيرة السورية”.

ويرى د.كرم شعار الباحث الاقتصادي السوري في حديثه لـ”إيران وير” أن “المشكلة الرئيسية في ذلك تتمحور في شح موارد الطاقة لدى النظام السوري”، مضيفاً أن “مشكلة الخبز لم تعد مشكلة قمح بالدرجة الأولى، وإنما مشكلة مرتبطة بعوامل الإنتاج الأخرى، من قبيل مدخلات الإنتاج للخبز، أي الطاقة”.

وأوضح شعار أن “المشكلة الكبرى التي تواجهها الأفران في مناطق النظام هي الطاقة، هناك أفران تعمل على الكهرباء، وأخرى على المحروقات، وهناك شح في هاتين المادتين، نتيجة عدم توفر موارد الطاقة لدى النظام السوري”.

وكان وزير الزراعة في الحكومة السورية محمد حسان قطنا وعدَ السوريين في 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2020 بأن عام 2021 سيكون عاماً للقمح.

هذه الوعود قابلها تصريح رئيس اتحاد الفلاحين في سوريا أحمد صالح إبراهيم، الذي أعرب في تصريح لصحيفة “الوطن” السورية شبه الرسمية في يناير/ كانون الثاني الماضي عن تخوف الحكومة من تأثر محصول القمح بشكل سلبي خلال الموسم الحالي، مبرراً ذلك باعتماد قسم كبير من المساحات المزروعة بالقمح على السقاية، موضحاً أن المحصول سيتأثر سلباً ما لم تتوفر مادة المازوت والهطولات المطرية الكافية.

لكن الباحث الاقتصادي السوري د. أسامة القاضي يرى أن المشكلة تتعلق بتوفر القمح، مشيراً إلى أن النظام السوري يسعى للتغلب على الأزمة عبر لجوئه إلى معابر التهريب.

ويتابع القاضي: “يوجد 136 معبراً بين سوريا ولبنان يهرب من خلالها القمح المدعوم لبنانياً، وهو ما يؤذي الشعب اللبناني، وكل هذا في الحقيقة تدمير للشعبين وإنهاك للحكومتين، وهو ليس حلاً ناجحاً لكنه حل ترقيعي”.

الانخفاض إلى النصف

قبل العام 2011، تمتعت سوريا إلى حد ما بـ”الاكتفاء الذاتي” من إنتاج القمح، بمتوسط بلغ ما بين 3.5 و4.1 مليون طن سنوياً.

إلا أن الحرب والعمليات العسكرية على الأراضي الصالحة للزراعة، وكذلك عمليات التهجير، إلى جانب التغييرات في مناطق سيطرة الحكومة، وتدمير البنية التحتية أدت إلى انخفاض كميات القمح المنتجة إلى أكثر من  النصف، ما أدى إلى الاعتماد الكبير على استيراد القمح.

ووفقاً لما قاله موقع “سيريا ريبورت” في نشرته الاقتصادية خلال العام 2020، فإنه تمت زراعة 72% من القمح السوري في مناطق تسيطر عليها حالياً الإدارة الذاتية الكردية، ما تسبب في زيادة الصراع على شراء القمح بين الحكومة السورية والسلطات الكردية، ما تسبب في خفض كميات القمح لدى حكومة دمشق.

كذلك فإن حرائق المحاصيل التي جرت خلال العام 2020 تسبب بدمار حوالي 35 ألف هكتار من الأراضي الزراعية الخاضعة لسيطرة الحكومة، ما فاقم الأزمة أيضاً أكثر.

ووفق دراسة نشرتها جامعة “هومبولت”في العام 2020 خسرت سوريا 943 ألف هكتار من الأراضي المزروعة بين 2018 و 2010 بسبب العمليات العسكرية، وتهجير المزارعين وعمال المزارع، وكذلك سوء إدارة موارد الدولة، والتكاليف المرتبطة بالنزاع، بما في ذلك تغير الجهات المسيطرة.

إدارة ميليشيات

ويرى د.أسامة القاضي الباحث الاقتصادي السوري أن “أزمة القمح ليست وليدة اللحظة بالنسبة للنظام السوري، لكونه لم يعمل يوماً كإدارة الدولة، إنما كان يدير البلد مثل إدارة المليشيات، كذلك فإنه يلجأ دوماً إلى خيارات وأدوات مثل التهريب من خلال قوات سوريا الديمقراطية، وأخرى من خلال المعونات من قبل دول حليفة له كروسيا وإيران”.

وتابع القاضي في حديثه لـ”إيران وير”: “سابقاً كان النظام يملك القليل من الاحتياطي القمحي، وكان هناك تحويلات مالية من العاملين خارجاً يرسلونها للأهالي داخل سوريا عبر الصرافين، وتنتهي هذه التحويلات في النهاية في البنك المركزي، وهو ما كان يخلق سوقاً سوداء تمكنه من تمويل واردات القمح”.

لكن المرسوم رقم 3 لعام 2020 الذي أقره النظام في يناير/ كانون الثاني 2020 المتعلق بمنع تداول الدولار تسبب في “تضييق النظام على نفسه، إذ ألغى بذلك السوق السوداء، وتسبب في ضعف تحويل القطع الأجنبي إلى الداخل السوري، ولم يعد هناك دولارات تتحولن ويستطيع من خلالها تمويل الواردات من القمح”.

وأوضح القاضي أن “حلفاء النظام هم بالفعل تحت ضائقة مالية مثل روسيا وإيران، ولم يعد بإمكانهم تمويل النظام بالقطع الأجنبي وخاصة الروس”، مضيفاً: “كان هناك 6 عقود في ديسمبر/ كانون الأول عام 2020 لتوريد القمح من روسيا تم إلغاؤها، بسبب عدم وجود تمويل نقدي”.

كذلك، فإن عقوداً مماثلة، بحسب القاضي وُقعت في أبريل/ نيسان2020 لم تكتمل بسبب “عدم الدفع النقدي، لذا لم يتم توريد سوى ربع الكمية”، وتابع القاضي: ” الحلفاء ليس لديهم إمكانية أو نية لتمويل صفقات القمح، وبنفس الوقت السوق السوداء غير موجودة بسبب المرسوم الأسود الذي وقّع عليه النظام، وأنا أعتبره انتحاراً، فقد حرم نفسه من القطع الأجنبي”.

تخبط في الإدارة

واعتبر القاضي أن القرارات الحكومية في التعامل مع الأزمة الاقتصادية السورية أشبه بكونها “أدوات مكياجية وبدائية، وهي غير مجدية، فإدارة الدولة لا تتم بطريقة إدارة الدكاكين والمليشيات والعصابات”، مشيراً إلى أنه “يجب أن يكون هناك إدارة أحكم من ذلك تتصالح مع العالم، وتتصالح مع الشعب، وتصل إلى حل سياسي من أجل أن تستقر الأمور، وتعود إلى مجاريها، ما عدا ذلك كله لن ينفع، ولو أتت للنظام معونات من دول معينة فلن يكفي ذلك”.

وقال القاضي: “لا يمكن لدولة في العالم أن تعيش على الإعانات، هناك أكثر من 12 مليون سوري تحت نفوذ روسيا وإيران بحاجة للقمح بشكل يومي”، مضيفاً: “الحلول المتبعة بدائية، ولا تصلح لأن تكون حلاً مستمراً، ولا بد من حل سياسي حقيقي ينهي الكارثة التي يدفع ثمنها الشعب السوري”.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد