كيف تهجّم قاضيان إيرانيان على قاض سويدي وهدداه بالقتل؟

فرارمز داور- إيران وير

لا يشبه النظامُ الإيراني أيَّ نظام سياسي آخرَ في العالَـم من جوانبَ متعددة، وقد تسبّب أداؤه خلال اثنين وأربعين عاماً خلَت في ملاحقة قضائية، وفتح ملفات جنائية ضد عدد لافت من قياداته خارج الحدود الإيرانية؛ فليس هناك بلد أصَدَر حكما قضائياً على أحد دبلوماسيِّيه بتهمة السعي في القيام بعملية تفخيخ، أو تَقدّم مواطنوه بشكاوى ضد سلطاته العليا كالمرشد الأعلى ورئيس الجمهورية في أعقاب إسقاط طائرة ركاب مدنية.

غير أن المسؤولين الإيرانيين دائماً ما يُبرِّرون هذه التصرفات أو يَعتبرونها أمراً مقدساً في سبيل الحفاظ على الإسلام أو الدولة الإسلامية. وفي مجموعة تقارير عنوانُـها “الجرائم المقدسة” يتناول موقع “إيران وير” السمات والسلوكيات غير الطبيعية لنظام الجمهورية الإسلامية كنظام سياسي.

لقد تناولنا في الجزء الأول من هذه السلسلة الشكاوى المقدمة ضد الجمهورية الإيرانية في المحاكم الأمريكية، وتحدثنا في الجزء الثاني عن مذبحة 1988 وطرحها على طاولة المحاكم الدولية، بينما نتناول في الجزء الثالث من هذه السلسلة رواية غريبة ونادرة عن تهجم قاضيين إيرانيين على قاضٍ سويدي أثناء جلسات محكمة خاصة بفض النزاع بين إيران وأمريكا. تخيلوا أن يقوم قاضيان إيرانيان بضرب قاضٍ سويدي، ويهدداه بالقتل بسبب إصداره حكماً نهائياً في قضية ما لصالح أمريكا.

ارتكب قاضيان معينان من قبل الجمهورية الإيرانية حادثاً تاريخياً غريباً في لاهاي بهولندا مدينة المحاكم الدولية.

في سبتمبر 1984، وأثناء انعقاد جلسات فض النزاع بين إيران وأمريكا التي تبت في الخلافات القائمة بين البلدين بسبب مصادرة الأموال حتى مرحلة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران، ثار “محمود كاشاني” القاضي المُعيَّن من قبل الحكومة الإيرانية على حكم القاضي “نيلس مانغارد” سويدي الجنسية الذي غيّر الحكم النهائي لصالح أمريكا، وهدده بالموت.

كاشاني هو ابن “أبي القاسم كاشاني” الذي كان ينتهج سياسة مناهضة لرئيس الوزراء القومي “محمد مصدق”، وكان في الواقع متحالفاً مع مدبري الانقلاب ضده عام 1953. الآن وبعد ثلاثة عقود من الانقلاب، بات ابنه قاضياً في المحكمة التي تبت في الخلافات المالية بين إيران وأمريكا، والتي نشبت مع الثورة الإيرانية 1979، وظلت قائمة دون حل بعد 444 يوم من احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية وانقطاع العلاقات بين البلدين، حيث تم تشكيل محكمة فض النزاع عقب إطلاق سراح الرهائن، وبدأت المحكمة عملها في مدينة لاهاي.

كانت هذه المحكمة تضم 9 قضاة؛ ثلاثة إيرانيون، وثلاثة أمريكيون، وثلاثة محايدون من جنسيات أخرى، وحينما اشتبك القاضي محمود كاشاني مع القاضي مانغارد توجه القاضي “شفيع شفيعي” لمساعدته، وقام القاضيان المعينان من قبل الجمهورية الإيرانية بطرد هذا القاضي السويدي البالغ من العمر 69 عامًا من المبنى، وهدداه بمزيد من العنف في حال عودته مرة أخرى.

أدى نزاع القاضيين الإيرانيين إلى تعليق عمل المحكمة، وأبلغ رئيس المحكمة كلا البلدين أنه لا يمكن مواصلة العمل في هذا الوضع، ودعت الحكومة الأمريكية حكومة رئيس الوزراء الإيراني “مير حسين موسوي” إلى إقالة القاضيين الإيرانيين المعتديين واستبدال قاضيين آخرين بهما.

أدى هذا الوضع إلى إعلان الولايات المتحدة أن ثلاثة قضاة من دول محايدة يتعرضون لضغوط مستمرة من الجانب الإيراني من أجل إصدار أحكام لصالح الجمهورية الإيرانية. وقبل عام من هذا النزاع، كان القاضي الفرنسي البارز “بير بيلت” قد سئم من مضايقات الإيرانيين واستقال من منصبه، وخلفه القاضي الهولندي “ويليام ريفاغين” الذي أشادت الجمهورية الإيرانية به حينما أصدر حكمًا لصالح المدعين في قضية ضد أمريكا وفق تقييمه المهني، ووصفت عمله بأنه “غير تقليدي”.

لقد حكم القاضي مانغارد الذي اعتدى عليه القاضيان الإيرانيان لشركة التبغ الأمريكية آر جي رينولدز بالحصول على تعويضات من إيران تصل إلى 50 مليون دولار، ويُعَّد هذا المبلغ أكبر تعويض تم الحكم به حتى الآن في هذه المحكمة. لكن لطالما احتج محمود كاشاني على أن الأموال الإيرانية تُدفع للمدعين الأمريكيين “بشكل غير قانوني”، وكان ينتقد حكم القاضي السويدي حتى أنه في رسالة إلى رئيس المحكمة وصف القاضي مانغارد بأنه “ضعيف وغير كفء وأُمي” ولا يتمتع بأي شخصية استقلالية، وأن لديه مشاعر معادية جدا للجمهورية الإيرانية.

هذا وقد روى شهود عيان ما حدث في النزاع بين القضاة الإيرانيين ومانغارد، وتم تسجيل هذه الرواية في الوثائق الرسمية لمحكمة فض النزاع بين إيران وأمريكا وضمن الكتب التي نشرت الأحكام، وقال شهود العيان إنه في يوم جلسة النطق بالحكم النهائي أي في 3 سبتمبر 1984، كان كاشاني وشفيعي ينتظران القاضي مانغارد أمام قاعة المحكمة، وحينما وصل أمسك كاشاني عنقه بينما قام القاضي شفيعي بركل القاضي السويدي في ظهره، ثم قالوا له: “اخرج من المحكمة، أنت لست مناسبًا للعمل هنا”.

مع تدخل الآخرين بما في ذلك الشرطة، تم كبح جماح القضاة الإيرانيين، ولم يتعرض القاضي مانغارد لأية إصابات جسدية، لكن كاشاني وشفيعي امتنعا عن الاعتذار. وقال كاشاني: “كان ينبغي على مانغارد المرور من على جثتي ليدخل قاعة المحكمة مرة أخرى”، وكان يبرر هذا النزاع بأنه نهاية الصمت إزاء وضع غير عادل.

وقد اعتبرت السلطات الأمريكية أن ممارسة هذا العنف هو نتاج السياسات الخادعة داخل إيران.

نيلس مانغارد، هو قاضي محترم في عالم القانون الدولي، وكان عضواً في محكمة فض النزاع بين إيران وأمريكا منذ تأسيسها. في البداية أصر على أن تهديدات القاضيين الإيرانيين لن تجبره على الاستقالة من المحكمة؛ وبعد فترة وجيزة من النزاع، أعلن في رسالة إلى رئيس المحكمة ألماني الجنسية أنه يستقيل لأسباب عائلية، وأنه لن يظل في المحكمة حتى صيف عام 1985، وأن عليه العثور على بديل له بصورة عاجلة.

أنهت استقالة مانغارد فترة عاصفة في تاريخ محكمة فض النزاع بين إيران وأمريكا. وفي الوقت الحالي تم التطرق مرة أخرى إلى المعاناة التي عانى منها القضاة المحايدين خلال هذه السنوات على يد الجمهورية الإيرانية، فقد أفادت التقارير أن قاضياً هولندياً وقاضياً آخر سويدي الجنسية كانا من بين القضاة المحايدين الثلاثة في المحكمة، وقد اتهمهم الإيرانيون بأن لديهما نوايا مغرضة تجاه الجمهورية الإيرانية.

كانت الجمهورية الإيرانية ترغب في انتخاب القضاة الثلاثة المحايدين من جنسيات غير غربية، ولأنه كان ينبغي على الولايات المتحدة الموافقة على مقترح إيران، ولم توافق، حدثت أزمة في استمرار عمل المحكمة، ومع تعليق عمل محكمة فض النزاع بين إيران وأمريكا من قبل رئيسها الألماني، طالبت الولايات المتحدة بإقالة القاضيين الإيرانيين اللذين اشتبكا مع مانغارد.

وفي نهاية المطاف، وبحكم رئيس المحكمة، حل قاضي هولندي من المحكمة العليا لهذا البلد كبديل عن القاضي مانغارد في عضوية محكمة فض النزاع بين إيران وأمريكا، لكن الحكومة الإيرانية قاومت تغيير كاشاني وشفيعي حتى أجبر تعليق عمل المحكمة الحكومة الإيرانية على الموافقة على تغييرهما.

عاد كاشاني إلى إيران خلال التعليق الإجباري للمحكمة، وترشح في الانتخابات الرئاسية لعام 1985، وتنافس مع “علي خامنئي” و”حبيب الله عسكر اولادي”؛ لكنه خسر أمام خامنئي، وأصبح الشخص الثاني في الانتخابات، مع تعليق المحكمة وتعطيل الشكاوى غيرت الحكومة الإيرانية هذين القاضيين، لكنها ذكرت أن السبب هو انتهاء مهمتهما، وليس اعتداءهما على زميلهما سويدي الجنسية، ولكن هذه لم تكن نهاية هذه القصة الغريبة.

لقد نجحت شركة “آر جي رينولدز” للتبغ والتي كانت قد حصلت على حكم محكمة باستعادة نحو 50 مليون دولار من أصولها، في الحصول على حكم آخر بالحصول على مبلغ 12 مليون و412 ألف دولار من الحكومة الإيرانية بشأن الأرباح.

وعلى هذا النحو، كان ينبغي أن تدفع الحكومة الإيرانية بالنيابة عن “الشركة الإيرانية للتبغ” ما يعادل 64 مليون دولار للشركة الأمريكية؛ لكن شركة “آر جي رينولدز” كانت متهمة بمواصلة التعاون مع إيران، وكانت تحاول العثور على حل لإظهار حسن نواياها.

وفي إجراء يصعب تصديقه، اقترحت شركة “آر جي رينولدز” المصالحة على إيران. وبالفعل اقترح “حميد صبي” أحد محامي هذه الشركة على ممثلي الحكومة الإيرانية إنهاء القضية بدفع مبلغ 25 مليون دولار فقط؛ لكن رد فعل ممثلي إيران كان مثيراً للدهشة.

قال ممثلو الجمهورية الإيرانية لمحامي شركة “آر جي رينولدز” إن هذا العرض يعني “التصالح” مع الجانب الأمريكي، وإن حكم المتصالحين مع الشيطان الأعظم –ذلك اللقب الذي أطلقه الخميني على أمريكا- مشدد للغاية في النظام الإسلامي حديث التأسيس.

لقد رفض ممثلو الجمهورية الإيرانية التصالح خوفًا من وسمهم بـ”المتصالحين”، بينما يوفر العرض 39 مليون دولار لصالح الجمهورية الإيرانية، إلا أنهم رفضوه خوفًا من عواقبه المحتملة.

مع رفض عرض التصالح، قدمت شركة “آر جي رينولدز” الحكم إلى البنك الذي كان يضمن الأصول الإيرانية في دفع مبالغ الأحكام، ووفق الاتفاق المبرم بين إيران وأمريكا، تم دفع 64 مليون دولار إلى الجانب الأمريكي خلال سبعة أيام.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد