تعاطي الكحول في إيران… أحكام بالإعدام، وتكرار سياسة فاشلة

ميلاد بور عيسى- إيران وير

هذا العام، تم تنفيذ حكم الإعدام بتهمة تكرار تعاطي الكحول، كما طالب المدعي العام في طهران بحكم الإعدام على شخص آخر.

 يستشهد بعض المحللين بسياسة القضاء الإيراني بشأن إصدار عقوبة الإعدام خلال التعامل مع قضايا المخدرات لوصف الوضع الحالي؛ تلك السياسة التي بدأت مع بداية الثورة بأحكام صادق خلخالي حاكم الشرع في عهد روح الله الخميني، لكن على مدى أربعة عقود، وعلى الرغم من تنفيذ الآلاف من أحكام الإعدام، أعلن البرلمان الإيراني عدم جدوى تنفيذ هذا الحكم، وجعل القوانين أكثر تساهلًا.

هل إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام بسبب تكرار تعاطي الكحول، هو تكرار لنفس هذه السياسة؟

طالب المدعي العام في طهران بإعدام رجل يبلغ من العمر 73 عامًا بتهمة تعاطي الكحول، وبحسب وكالة أنباء ركنا، فإن هذا الرجل طيار متقاعد، وقد اعتقل في طهران بتهمة “تعاطي الكحول والقيادة تحت تأثير المشروبات الكحولية”، ونظرًا لاعتقاله ثلاث مرات من قبل بتهمة “تعاطي الكحول”، طالب مسؤولو القضاء بإعدامه.

في أولى جلسات محاكمته، أنكر هذا الرجل تعاطيه الكحول للمرة الرابعة، وقال إنه خضع لفحوصات الكحول بالإجبار، وهذه هي المرة الرابعة التي يُقبض فيها على هذا الرجل بهذه التهمة، ووفقًا لما ذكره فقد جُلد بأمر من المحكمة في كل مرة.

أثار تنفيذ حكم بالإعدام في حق شاب آخر في مشهد بتهمة تعاطي الكحول في يوليو من هذا العام ردود فعل واسعة النطاق. وعلى الرغم من أن إصدار وتنفيذ حكم الإعدام بتهمة تعاطي الكحول منصوص عليه في قانون العقوبات الإيراني، إلا أنه نادرًا ما يتم تنفيذه.

وفق المادة 136 من قانون العقوبات الإيراني: “إذا ارتكب شخص جريمة تستوجب إقامة الحد ثلاث مرات، وفي كل مرة يتم إقامة هذا الحد عليه، تكون عقوبته في المرة الرابعة هي الإعدام.”

ورغم هذا، فقد وجد قانون العقوبات الإيراني ثغرة للقضاة ليكون بإمكانهم تجنب إصدار أحكام بالإعدام بتهمة تعاطي الكحول.

هناك مواد أخرى في قانون العقوبات الإيراني أتاحت للمتهمين إمكانية “التوبة” قبل “إدانة” المحكمة لهم وبعدها لتجنب الإعدام. لكن التعامل وفق الأهواء، تسبب في رفض توبة شاب حُكم عليه بالإعدام في مشهد في يوليو المنصرم، وتم إعدامه في النهاية.

تنص المادة 182 من قانون العقوبات الإيراني على إمكانية تبرئة المتهم بتعاطي الكحول بعد إدانة المحكمة: “إذا تاب الشخص عقب إدانته بتعاطي الكحول، يجوز للقاضي أن يطلب العفو من ولي الأمر أو أن يقيم عليه الحد.”

وفق الإحصاءات الرسمية، فإن ما يتراوح بين 5 إلى 10% من الإيرانيين يشربون الكحوليات بانتظام على مدار العام، وهذا يعني أن ما يعادل من 4 إلى 8 مليون إيراني قد يُحكم عليهم بالإعدام وفق قانون العقوبات الإيراني.

تختلف هذه الإحصائية الجديدة عن إحصائية مدمني الكحول أي المواطنين الذين يشربون الكحول “بانتظام”.  حيث أنه وفق الإحصاءات الرسمية الصادرة قبل عامين فقط، فإن ما يقرب من نصف مليون شخص في البلاد مدمنون على الكحول.

محمد أوليائي فرد: لقد تخلت السلطة القضائية عن سياسة التساهل

يقول محمد أوليائي فرد: “على الرغم من أنه لا يمكن الوصول إلى تحليل خاص عن أداء الجهاز القضائي عبر إصدار حكم بالإعدام في حق المتهمين بتعاطي الكحول هذا العام، إلا أنه يمكن القول إن الجهاز القضائي كان أكثر تساهلًا مع هذا الاتهام في السنوات الأخيرة.  صحيح أن قانون العقوبات الإيراني ينص على قواعد صارمة للتوبة، لكن لا يمكن القول إن جميع المتهمين قد خضعوا لهذه القواعد خلال السنوات السابقة، وعندما لم تكن هناك عقوبات بالإعدام لتعاطي الكحول. فقد أثبتت التجربة أن العديد من القضاة يتساهلون خلال التعامل مع اتهامات مثل الزنا أو تعاطي الكحول. وعلى هذا الأساس، وفي ظل تزايد عدد أحكام الإعدام على المتهمين بتعاطي الكحول يمكن استنتاج أن الجهاز القضائي قرر تخليه عن التساهل السابق خلال التعامل مع هذه الحالات.

إحصاءات استهلاك الكحول، وفشل سياسة السلطة القضائية

يقول “سعيد مدني” عالم الاجتماع والباحث الاجتماعي عن الزيادة الكبيرة التي طرأت على إحصائيات استهلاك الكحول خلال السنوات الأخيرة مقارنة بالسنوات الأولى من تأسيس الجمهورية الإيرانية: “لقد تغير نمط تعاطي المخدرات في إيران منذ فترة طويلة. ففي أعقاب الثورة، انخفض استهلاك الكحول بشكل حاد، وزاد تعاطي المخدرات بدلاً من ذلك بسبب العقوبات القاسية المفروضة على استهلاك الكحول.  كما تُظهر الدراسات الاجتماعية أيضًا أن عدد مدمني الكحول كان منخفضاً للغاية حتى قبل حوالي عقدين من الزمن، ثم اتضح تدريجياً بدء إنتاج الكحول في المنازل وزيادة تهريب المشروبات الكحولية.”

يعتقد هذا الخبير في علم الاجتماع؛ أن الجمهورية الإيرانية تحاول حل المشكلة من خلال استبدال النهج القضائي بالتخطيط الهيكلي لحل مشكلة إدمان الكحول في إيران، حيث يقول: “في ظل مواجهة مثل هذا الوضع، يبدو أن القضاء يحاول الحد من الاستهلاك المتزايد للكحوليات بإصدار أحكام مشددة، بما في ذلك إعدام مدمني الكحول. وإن المراكز الرسمية لمعالجة إدمان الكحول في إيران محدودة للغاية وغير متوفرة. وفي ظل ذلك، ما هي المشكلة التي يفترض حلها عبر إصدار أحكام الإعدام بحق مدمني الكحول ومعاملة هؤلاء المواطنين قسرًا؟”

أشار سعيد مدني إلى تعديل قانون مكافحة المخدرات الذي تم إلغاء إصدار عقوبة الإعدام في حق كثير من تجار المخدرات ومدمنيها، قائلًا إن القضاء يحاول انتهاج النهج السابق بشأن التعامل مع متعاطي المخدرات من خلال فرض أحكام الإعدام المشددة على مدمني الكحول.

ويشير هذا الخبير في علم الاجتماع إلى تغيير قانون مكافحة المخدرات، بإضافة مادة واحدة إلى هذا القانون في عام 2017، والتي بموجبها تم إنقاذ المئات من المحكوم عليهم بالإعدام، من هذه العقوبة.

لكن هل حظر الكحول وإصدار أحكام بجلد وإعدام مدمني الكحول قد ساعد في الحد من استهلاك الكحول؟

يجيب سعيد مدني بالنفي عن هذا السؤال من خلال مراجعة بعض الإحصاءات في هذا الصدد، ويقول: “هناك دراسة أجريت عام 2015، وقد خلصت إلى أن ما يقرب من 12٪ من الإيرانيين أي ما يعادل 10 مليون شخص لديهم سابقة في استهلاك الكحول ولو لمرة واحدة على الأقل في حياتهم.  وقد ورد في نفس الدراسة، أن حوالي 2.7% ممن شملهم الاستطلاع، أي حوالي مليوني شخص قد شربوا الكحول قبل أسبوع من إجراء هذه الدراسة.”

كما يقول عبر الإشارة إلى الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تطورت في المجتمع منذ عام إجراء هذه الدراسة وحتى يومنا هذا، إن سياسة تجريم استهلاك الكحول لم تساعد مطلقًا في الحد من استهلاكه في إيران، ويقول: “ينبغي مراعاة أنه منذ إجراء هذه الدراسة عام 2015 وحتى يومنا هذا، باتت الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية أكثر إرهاقًا، وبالتأكيد ازداد استهلاك جميع أنواع المخدرات، بما في ذلك المشروبات التقليدية والصناعية والكحولية بشكل كبير. كما أنه من النقاط المهمة للغاية في فحص الهرم العمري للمدعى عليهم والمدانين بتعاطي الكحول أن هؤلاء الأشخاص غالبًا ما يكونون في منتصف العمر؛ أي ممن أمضوا فترة شبابهم في إيران، وهو ما يؤكد عدم نجاح السياسات القضائية بشأن تعاطي المخدرات بما في ذلك الكحول في إيران.

كما يؤكد على أن تغيير هذه الظروف هو أمر منوط بتغيير الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي يقول: “إن تغيير هذا الوضع منوط بتغيير الهيكل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.  ومثلما لم تمنع أحكام الإعدام المشددة والأحكام بالسجن لمدد طويلة في حق مدمني المخدرات من زيادة انتشار تعاطي المخدرات في الماضي، فإن مثل هذه العقوبات لن تكون رادعة لمدمني الكحول ولن تنجح في إيران.”

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد