من هو اللبناني المشارِك في اغتيالات إيران العابرة للحدود أنيس نقاش؟

فرامرز داور – إيران وير

أنيس نقاش هو مواطن لبناني مشارك في مَهمّات الحرس الثوري العابرة للحدود الإيرانية، أشهرها إقدامه على محاولة اغتيال فاشلة لـ “شابور بختيار” آخر رئيس وزراء في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وقد مات في مشفًى في سوريا إثر إصابته بفيروس كورونا بعيدًا عن وطنه لبنان، وخارج مكان إقامته في طهران.

في 18 يوليو/تموز 1980 منع باب حديديٌّ مُصفَّح مَقتَل شابور بختيار في منزله في باريس. وتفصيلاً؛ توجَّه القنّاص من طهران إلى فرنسا لقتل آخر رئيس وزراء للشاه طبقاً لمخطط الحرس الثوري، وتنفيذاً لحكم صادق خلخالي الحاكم الشرعي للثورة الإسلامية، فقتَلَ شخصاً في أطراف منزل بختيار، وجرَحَ نفسَه، كما تَسبّب في شلل شرطيّ فرنسي.

كان لأنيس نقاش المهندس اللبناني والمتعاون مع مجرم اسـمُه الحركي “كارلوس الثعلب” اتصالاتٌ وعلاقات مع مسؤولِـين رفيعي المستوى في الحرس الثوري الإيراني، مثل اللواء محسن رضائي، والعميد محسن رفيق دوست، وقد اعتقلته الشرطة الفرنسية المكلَّفة بحراسة شابور بختيار، وحَكمت عليه المحكمة بالسجن المؤبَّد.  

وقال أنيس في مذكراته إنه حين كان في السجن كان يقول للموظفين الفرنسيين إنهم هم أيضاً يقتلون البشر، لكن الفرق بينه وبينهم يَكمن في الركيزة الاعتقادية المقدسة: “حاولتُ قتل بختيار بناء على معتقدي، لكنكم تقتلون إرضاءً لمسؤولين أعلى منكم رتبةً”.

وعليه، فشلت مهمة أنيس نقاش كمثيلتها قبل خمس سنوات من ذلك، أيْ حين شارك في عملية برئاسة كارلوس الثعلب، واسـمُه الحقيقي “إيلييتش راميريز سانشيز”، في احتجاز الوزراء الأعضاء في منظمة الدول المصدِّرة للنفط (أوبك) في فيينا كرهائن، لكن الفرق أنّه قَرَنَ لأول مرة اسمَ النظام الإيراني في ملف الاغتيالات العابرة للحدود، إذاً  كان نقاش أحد المشاركين في تلك العملية التي تمت عام 1975، وراح ضحيتَها ثلاثةٌ من أفراد الشرطة النمساوية، واثنان من الشرطة الفرنسية، ونزولاً عند مَطلب كارلوس، ركِبَ الوزراء معه في طائرة متجهة إلى الجزائر، وكان أحد المحتجَزين هو “جمشيد آموزغار” رئيس الوفد الإيراني في اجتماع أوبك.

لم يكن مطلب المحتجِزين واضحاً، ولذلك فقد غيّرت طائرتهم مسارها عدّة مرات، ومنذ ذلك الوقت لم يُصبح كارلوس وحده بل أنيس نقاش معه اسـمَين معروفين لدى السلطات الفرنسية، وبالتالي لم يكن شخصية مجهولة حين اعتقلتْه بتهمة اغتيال شابور بختيار.

بعد عشر سنوات من الاعتقال، (وكان الخميني قد مات حينها) أَصدر الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران عفواً عن أنيس نقاش وأَطلق سراحه، فتوجَّه الأخيرُ إلى طهران في الأشهر الأولى من تولي خامنئي القيادة العليا، وتولي أكبر هاشمي رفسنجاني رئاسةَ الجمهورية، وهكذا أصبح الإفراجُ عنه تجربة جديدة للنظام الإيراني، وهي إثبات قدرته على احتجاز الرهائن والفدية والمطالبة بها.

صورة قديمة لحاجز من حزب الله اللبناني. مصدر الصور: إيران وير فارسي

حتى الآن ليس واضحاً للرأي العام في إيران وفرنسا سببُ الإفراج غير المتوقَّع عن نقاش، لكن رفسنجاني يكشف في مذكراته العائدة إلى سنة 1988 عن بعض تفاصيله، من ذلك ما حداث  في 5 فبراير/شباط 1989، وبعد مُضيِّ ثماني سنوات على مكوث نقاش في السجن، إذ كان “رولان دوما” وزير الخارجية الفرنسي في زيارة إلى طهران حيث التقى برفسنجاني، وكان حزب الله اللبناني قد احتجز عدداً من المواطنين الفرنسيين والأمريكيين كرهائن في لبنان، وكانت فرنسا تَعلم علم اليقين مدى النفوذ الإيراني على حزب الله، يقول رفنسنجاني: “جرى الحديث في الاجتماع الرسمي عن المفاوضات العادية والمجاملات المعروفة، طلب “دوما” لقاء خاصاً فوافقت، والتقينا في مكتبي بحضور علي أكبر ولايتي وزير الخارجية الإيراني وقتَها، جاء الحديث عن حقوق الإنسان، فغالينا عليهم قائلين: إنّ الغربيين والفرنسيين أنفسَهم يَدعمون الإرهاب المعارض لإيران ولبنان وفلسطين، وفي الوقت نفسه يتشدَّقون بالكلام على حقوق الإنسان! وسأل “دوما” عن أنيس نقاش، وهل قدَّم جاك شيراك ضمانات لنا بشأن إطلاق سراحه؟ فأجبناه بأنه فعل، يبدو أنه كان يريد الحصول على ورقة ضغط ضد حزب شيراك ولمصلحة إجراءٍ قد يتّخذه ميتران في الإفراج عن أنيس مستقبلاً”.

حينها كان شيراك رئيساً للوزراء ولاحقاً أمسى رئيساً للجمهورية، وفي عهده بذلت فرنسا مساعيها لتحسين العلاقات بين إيران وأمريكا، لكن إدارة “جورج بوش” رفضت هذه الوساطة.

في اللقاء آنفِ الذكرِ، هدَّد رفسنجاني فرنسا إذا امتنعت عن الإفراج عن أنيس نقاش قائلاً: “إذا لم يتمّ إطلاقُ سراح نقاش فمن الممكن أن ينتقم اللبنانيون، لأنهم هددوا بذلك”.

ثم قام رفسنجاني بتحميل “دوما” رسالة إلى أمريكا فحواها أنّ الأخيرة إذا أفرجت عن الأموال الإيرانية المحتجَزة فإن إيران أيضاً ستبذل كل وسعها في سبيل الإفراج عن الرهائن الأمريكيين في لبنان.

يُشار إلى أن إيران كانت في وقت سابق قد اكتسبت خبرة من خلال احتجاز مواطنين أمريكيين كرهائن في لبنان، ثم الحصول على السلاح من أمريكا مقابل الإفراج عنهم، وفي قضية أنيس نقاش تسنى لها أنْ تُبادِل شخصاً محكوماً بالسجن المؤبَّد برهائن فرنسيين، وهكذا بعد زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى طهران بفترة قصيرة تم إطلاق سراح أنيس.

في الشأن ذاته، قال وزير الخارجية الإيراني علي أكبر ولايتي حين أُفرِج عن نقاش: “وعدْنا الفرنسيين بإعمال جميع نفوذنا لإطلاق سراح الرهائن الفرنسيين في لبنان، وقد وفّينا بوعدنا حقاً،كما وعد المندوبُ الخاص لوزارة الخارجية الفرنسية مبعوثَنا الخاص أنّهم سيردّون لنا جميلَنا؛ وكان من ذلك إصدار العفو عن أنيس نقاش والإفراج عنه”.

بعد لقاء رولان دوما مع رفسنجاني، وكان حينَها رئيساً للبرلمان الإيراني، عاد لاحقاً إلى إيران حين كان رفسنجاني رئيساً للجمهورية، وقدم دعوةً للأخير بزيارة رسمية لفرنسا، فقَبِل رفسنجاني، لكن تقرَّر أن يُسافر فرانسوا ميتران أولاً إلى طهران. وبينما كان يتمّ الإعداد لزيارة ميتران في العام 1991 أقدمت مجموعة أخرى تابعة للنظام الإيراني على إنهاء مهمة أنيس نقاش من خلال اغتيال شابور بختيار بعد إحدى عشرة سنة؛ لكنّ قاتلَ بختيار تمت مبادلته في سيناريو مماثل لسيناريو نقاش مع سجين فرنسي لدى إيران.

بعد خروج أنيس من السجن لم يَعُد إلى وطنه لبنان، بل أقام في إيران؛ حيث أمسى محللاً سياسياً في شؤون الشرق الأوسط، وصار يعمل في التجارة والعقارات، ويشارك كرئيس لمركز فكري إيراني في الفعاليات الحكومية الرسمية مثل مؤتمرات وزارة الخارجية، وفي مؤتمر سياسي انعقد في طهران بمناسبة إبرام الاتفاق النووي بحضور محمد جواد ظريف ويوسف بن علوي، كان أنيس نقاش يجلس في الصفوف الأولى الخاصة بالضيوف، وطيلة تلك السنوات لطالما عبّر عن أسفه من عدم تمكنه من اغتيال شابور بختيار في صيف 1980، ويقول إن أمر قتله “أَصدره الخميني”، لكنه كان يَعتب على صادق خلخالي الذي سَرّب إلى العلن خبرَ توجّهه إلى باريس.

في السنوات التي كان يَلوم فيها أنيس نقاش النظامَ الإيراني من أنه لا يقوم باللازم دفاعاً عن اغتياله لبختيار، كَشف عن تفاصيل مذهلة لوكالة فارس للأنباء التابعة للحرس الثوري، قائلاً: “في أحد الاجتماعات، وكان يَحضره ‘محمد منتظري’ (ابن آية الله ‘حسين علي منتظري’)، دار الحديث عن معلومات تُفيد بقرب وقوع انقلاب ضد النظام الإيراني، فقلت لا بدّ من مراقبة أفعال بختيار وإجهاض محاولاته، فأكد محمد منتظري على ضرورة التشاور مع أجهزة أخرى، وبعد يومين جاء خبرُ الموافقة على اغتيال بختيار، لكن يؤسفني أن أقول إن خلخالي ارتكب خطأً حين أعلن في أحد خطاباته عن إرسال الكوماندو إلى باريس لتنفيذ حكم الاغتيال”.

وبالطبع كانت تصريحات خلخالي وراء تشديد الحراسة على بختيار. يقول أنيس في هذا الشأن: “لم يكن شابور بختيار يردّ على الاتصالات الهاتفية، ولم يكن يُعطي مواعيد للقاء به، كما زاد عددُ حرّاسه الشخصيين. وعليه، تم إلغاء الموعد الذي بيننا، وكان من المقرَّر أن أُتِـمَّ عملية الاغتيال فيه، وبالتزامن مع ذلك اتصلوا بي من طهران، وأخبروني أن هناك مخاوفَ كبيرةً بشأن حدوث انقلاب، ولا بدّ من تصفية بختيار بأسرع وقت ممكن”.

كان المخطَّط الأول لاغتيال بختيار على يد أنيس نقاش يقوم على حضور الأخير الودي في منزل بختيار، ثم فتْح النار عليه، لكن الحراسة المشدَّدة على منزله أجبرت أنيس على دخوله بالقوة، يقول: “كان معي مسدس كاتم للصوت حين توجهت إلى بختيار، لكن الحراس شكّوا في الأمر فأغلقوا باب المبنى بوجهي، فقررت فوراً كسر القفل بطلق ناري والدخول، ولأنّ باب مكتب بختيار كان مصفَّحاً لم أستطع فعل شيء، والطلقات التي أصابتني كانت من سلاحي، لأنها أصابت الباب وتقوّستْ عائدةً إلـيَّ، وحين دخلتُ في مناوشة مع الشرطة الفرنسية أصابتني طلقة أخرى ثم ألقَوا عليّ القبض”.

يُشكِّل أنيس نقاش تجربة مهمة وغريبة في تاريخ نظام الجمهورية الإيرانية؛ فهو مهندس من لبنان وصل إلى مستوى العمل مع الحرس الثوري من خلال مشاركته في عملية احتجاز الرهائن، وحُكِم عليه بالسجن المؤبَّد لإقدامه على القتل خارج إيران، وفي مقابل هذا التعاون الرهيب، بذل النظام الإيراني في سبيل الإفراج عنه ما لم يبذله في الإفراج عن مواطن إيراني، ثم بعد ذلك وضع بين يديه إمكانياتٍ كبيرةً تقديراً لوفائه وإخلاصه في “الاغتيال المقدس”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد