رواية القصص لمنع تكرار الكوارث التاريخية؛ تعاون بين فنانَين إيراني وإسرائيلي

ماهرخ غلام حسين بور- إيران وير

في الأسابيع الأخيرة، قام موقع إيران وير بإعداد ونشر العديد من المقالات ومقاطع الفيديو حول الكوارث الجماعية، والهولوكوست، ومعاداة السامية، ونظريات المؤامرة.

لكن ما هو تأثير نشر قصص عن التمييز والكراهية؟ هذا هو سؤالنا لرفائيل رودان وسهند صاحب ديواني؛ الفنانَين الإسرائيلي والإيراني اللذين يقومان منذ السنوات القليلة الماضية برواية القصص المختلقة حول شرور الحرب والحاجة إلى الصداقة والسلام عبر عرض مسرحيات قائمة على حوار بين شخصين.

في العام الماضي، عُرِضت آخر مسرحياتهما بعنوان “والدي كان يحمل سلاحًا” على مسرح “بروكسل” الوطني، وكانت تسرد مناظرة بين عدوين إيراني وإسرائيلي لم يكن لديهما سبب مقنع لمحاربة كل منهما للآخر. حقيقة الأمر كانت هذه المسرحية تتحدى العداء القديم بين إيران وإسرائيل.

والدة “رفائيل رودان” من أصل إيراني، وقد هاجرت من أصفهان إلى إسرائيل منذ سنوات بعيدة لا يمكن إحصاؤها ولم يعد يتذكرها أحد. وخلال الحرب العالمية الثانية والأحداث المتعلقة بمعسكرات الموت، مات تقريباً جميع أفراد عائلة رفائيل من ناحية والده، باستثناء جده وجدته.

إنه يحمل ذكريات مريرة في عقله عن معسكرات الموت، ولعل هذا هو السبب في أن العداء بين الحكومتين الإيرانية والإسرائيلية والنضال ضد “كراهية الأجانب”  كان دائمًا أحد مؤرقات هذا الشاب الإسرائيلي الإيراني. وعلى أساس هذا الفهم، تشكل أساس معرفته وتعاونه المشترك مع “سهند صاحب ديواني”، الراوي الشاب الذي يعيش في هولندا.

كان “سهند صاحب ديواني” في الثالثة من عمره فقط حينما هاجر من إيران، وكان يروي القصص منذ أن كان في السابعة. يقول سهند إنه تعلم الرواية على أكتاف أبيه؛ بما في ذلك رواية الشاه عباس، ورستم وسهراب، والشاهنامه، وسيافوش وروذابة.  كان والده من أهل الكتاب والسياسة، ووالدته عاشقة للغناء والموسيقى، وكلاهما قضى عدة سنوات في السجن بسبب نشاطهما السياسي.  وقد اُختير سهند كأفضل راوٍ في هولندا قبل سبع سنوات.

يلتقي سهند ورفائيل في مرحلة ما من تاريخ حياتهما، ويقرران أداء قصص شعبية إيرانية وإسرائيلية بشكل مشترك. وكانت رواياتهم مليئة بمحاولات بناء الصداقة والسلام بين هذين البلدين.

يمثل أداء مسرحية “كان والدي يحمل سلاحًا” نقدًا لسياسة العداء بين إيران وإسرائيل.  تتضافر جهود هذين الفنانين على أساس القواسم المشتركة بين الأجيال السابقة عن الإبادة الجماعية في الشرق الأوسط والهولوكوست.

يعتقد رفائيل رودان أن هناك سرًا بين سبب حدوث الهولوكوست وعدم سماع قصص بعضنا البعض، وإذا لم نفهم هذا السر، فقد نتعرض لتلك الكوارث مرارًا وتكرارًا، ويقول: “وقع حادث الهولوكوست نتيجة رغبة الناس في خلق ازدواجية مطلقة؛ سوداء تمثل العدو وبيضاء تمثل “البطل المنقذ”.”

إنه يعتقد أن الزعيم النازي قد جعل من نفسه بطلًا، وقدم المجتمع اليهودي في أوروبا على أنه عدو للشعب، حتى يتمكن من كسب مواكبة الشعب له في تحقيق أهدافه الطموحة. ويقول: “إذا سألوني، لقلت إن هؤلاء الناس لم يسمعوا قصص بعضهم البعض، ولم يكونوا على دراية بقصة يهود أوروبا؛ وإلا لما حدث ذلك. إن هذا الأمر قد يحدث في أي مكان في العالم من قبل السياسيين والحكومات الاستبدادية عبر تدشين مثل هذه الازدواجية ما بين الأبيض والأسود، إذا لم نسمع قصص بعضنا البعض.”

يشير “رفائيل رودان” إلى إن التجربة المروعة للإبادة الجماعية لليهود في الحرب العالمية الثانية قد تبعته بطريقة ما في كل مكان ويقول: “في هولندا، اخترتُ منزلًا لأقيم به، وكانت له أجواء غريبة. وفي وقت لاحق، اكتشفتُ أن زوجين يهوديين كانا يعيشان فيه خلال الحرب العالمية الثانية، وهذان الزوجان لم يغادرا المدينة أثناء الغزو الألماني واختبؤوا في جزء من المنزل كان يتصل بالساحة الرئيسية من خلال باب سري خلف المكتبة”.

لا يزال هذا المنزل يحمل نفس الرهبة، باب صغير مموه بمكتبة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، وخلفه ممر ضيق يؤدي إلى غرفة صغيرة، والتي يقول رفائيل إن الزوجين اليهود اختبأا فيها، وقد تم القبض عليهما في نهاية المطاف وأُرسلا إلى معسكر الموت ولن يعودا منه أبدا.

يعتقد رفائيل أنه جزءًا من مصيره باعتباره فناناً مهتماً بحادث الهولوكوست كان يتمثل في أن يعيش بطريق الصدفة في مكان قضى فيه اثنان من ضحايا هذه الكارثة الأيام الأخيرة من حريتهما، هذا فضلًا عن أن العديد من أفراد عائلته قد مروا بنفس الموقف، وفقدوا حياتهم في المعسكرات وفي قصص تشبه تقريبًا مصير هذين الزوجين الهولنديين.

يقول سهند إنه عرف عن “الهولوكوست” منذ أن كان طفلاً لأن والده كان على صلة بالعديد من أصدقائه اليهود والمسيحيين، وكانوا يتباحثون حول الأحداث التاريخية: “كان لوالدي العديد من الأصدقاء اليهود والمسيحيين في إيران، بعضهم من الشخصيات البارزة في مجال الفن والأدب، وكانوا يتحدثون عن هذا الحدث التاريخي. وبعد هجرتي وإقامتي في هولندا، سمعتُ الكثير من القصص.  تعرف هولندا المعاناة البشعة للإبادة الجماعية النازية أكثر من أي دولة أخرى نظرًا لتاريخها في الاستيطان اليهودي والأحداث المأساوية التي حلت بها خلال الحرب العالمية الثانية. كل هذا، كان سببًا في اهتمامي بمتابعة قصص وروايات ضحايا هذا الحادث منذ الطفولة.”

وفي وقت لاحق، يقول له “رفائيل رودان” ” إن العدو هو الصديق الذي لم تسمع قصته بعد.”

يقول سهند: “كانت هناك قواسم مشتركة بيننا. كانت نظرة رفائيل لموضوع الهجرة ومخاوف الأشخاص أمثاله وأمثال عائلته في إسرائيل من الشعب الإيراني، وكذلك نظرته إلى الفن بمثابة نظرة خاصة بالنسبة لي. يؤمن رفائيل بالحوار، ويعتقد أن جذور الصراع بين الشعبين الإيراني والإسرائيلي تتمثل في عدم اغتنام فرصة الحوار وعدم الاستماع إلى رواياتهم وقصصهم”.

الآن، مر ما يقرب من عقد من الزمان منذ أن أصبح سهند ورفائيل صديقين، وخلال هذه الفترة اكتسبا خبرات عديدة، وأهمها تجربة زيارة سهند صاحب ديواني إلى إسرائيل. إنه يقول حول هذه الزيارة وتأثيرها عليه في فهم القواسم المشتركة بين الشعبين الإيراني والإسرائيلي: “كانت زيارتي الأولى إلى إسرائيل مليئة بالدهشة والحنين بالنسبة لي.  في السوق القديم، كان هناك تجار يتحدثون الفارسية مع بعضهم البعض، ليس كما يتحدث مهاجران في بلد آخر، بل كما يتحدث شخصان لغتهما الأم في وطنهما، بالنسبة لي لم يكن لدي تجربة الحياة في إيران، ولم أكن افهم مثل هذه الأجواء، وكان هذا الأمر يذكرني بوطني الأم ويجعلني أذرف الدموع.”

بالنسبة لسهند، كانت نظرة الشعب الإسرائيلي لمن لهم أصول إيرانية مثيرة لاهتمامه، حيث يقول: “لقد تعرفتُ على شاب في نفس عمري، وكان يقول إذا تم تسيير رحلة مباشرة من القدس إلى طهران في يوم ما، فسأكون أول شخص يشتري هذه التذكرة، لقد اعتقدت أنه ولد في إيران، لكنني أدركت أن هذا الشاب قد ولد في إسرائيل، وكان غريبًا جدًا بالنسبة لي أن لديه كل هذا الشغف بزيارة إيران والتعامل مع شعبها. تعرفتُ أيضًا إلى سيدة مسنة جاءت لتعيش في إسرائيل قبل سنوات عديدة، وكانت تحلم بالذهاب إلى إيران.  أكدت لي هذه الحالات وما شابهها أن رفائيل كان على حق. وأن قصص الناس ورواياتهم تقربهم من بعضهم البعض على الدوام.  لدي يقين أن هناك العديد من القصص المشتركة بين شعبي إيران وإسرائيل، وأن الصداقة بينهما تتجاوز الدين.”

يعتقد سهند أنه على الرغم من اضطرار عدد كبير من يهود إيران إلى الهجرة، وضيق حال من يعيشون في إيران كما يرد في الأخبار، إلا أنه لم يعد قلقًا من تكرار الهولوكوست بسبب التواصل بين الناس، لأنه يأمل في غدٍ يحقق فيه أحلامه الواعدة، ويقول: “بينما أنا إلى جانب رفائيل، تمكنتُ من التغلب على سوء التفاهم وتجاوز كافة الخلافات والانتقادات والمخاوف، والمضي قدمًا والاستمرار في طريق الصداقة العميقة حتى يومنا هذا. في أعماق قلبي، هناك أمل في أن تعود الصداقة بين شعبي إيران وإسرائيل إلى أصلها وإلى القواسم العميقة المشتركة بينهما.”

يؤكد رفائيل رودان تصريحات سهند، ويقول إن ما حدث لعائلته في الهولوكوست منحه تجربة جديدة وفرصة ثانية، وخلافًا لتوقعات أن يدخل في عداء مع سهند صاحب ديواني باعتباره عضواً في المجتمع “الآخر” أو “الغريب”، تعاملا معًا من باب الصداقة، وتبادلا وجهات النظر من منطلق كونهما إيرانياً وإسرائيلياً.

يعتقد رفائيل أن معالجة قضية مثل السلام ليس أمرًا أسطوريًا، ويقول: “هذه الأمور لا تتعلق بالماضي. إذا نظرنا إلى أحداث العقدين الأخيرين في العالم فسنجد أن تلك الأحداث لا تتعلق بالماضي فحسب، بل تكررت مرارًا. وهذا ما يؤكد أهمية مناقشة هذه الأمور بين شعوب الشرق الأوسط وجميع المهتمين بعدم تكرار تلك الكوارث.”

بعد تعرف رفائيل على سهند وبدء تعاونهما المشترك، أتيحت الفرصة لرفائيل لتحويل استيائه من الهولوكوست إلى محاولة للسلام بين الدول المعادية لبعضها البعض، ويقول: “بالنسبة لي، كان لدي العديد من التصورات الأخرى باعتباري يهودياً، وكان لدي تصور خاص بشأن الفنان الإسرائيلي واليهودي. على سبيل المثال، خلال عرض مسرحي بأحد شوارع هولندا، تعجب لاجئ سوري مسلم من مدى شجاعتي لأداء دور يهودي إسرائيلي، وأخبرته أنني قد لعبت دوري بالفعل. وقد تفاجأ للغاية وقال: “هذه أول مرة أرى فيها يهوديًا عن قرب”، ثم عانقني.  كان لديه تصور غريب عن إسرائيل ومواطنيها، وهذا نتيجة عدم سماعه لقصصنا.  كذلك حينما أدرك الناس في إسرائيل أنني أحضرت معي سهند وهو فنان إيراني غير يهودي، كانت نظرة الناس لنا تمثل مزيجًا من التعجب والفضول.”

يحلم هذان الفنانان بأداء عرض مشترك في إيران، كما يحلمان بأن يأتي يوم لا يكون هناك أي عداء بين أي شعبين في العالم.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد