عرفان ثابتي: الهولوكوست علّمَنا وجوب استبدال المعاداة بـالحبّ

ماهرخ غلامحسين بور – إيران وير

عرفان ثابتي كاتب ومترجم وباحث في حقول الفلسفة والأديان وعلم الاجتماع يرى أننا كي نَمنع تكرار ما حدث في معسكر أشوفيتز للاعتقال والإبادة الجماعية لجيلنا والأجيال اللاحقة في أي مكان على وجه الأرض، لا بدّ من أخذ العِبَر من دروس الهولوكوست وتعليمها للأجيال التالية.

ويَعتقد أن شباب ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم أخذوا العِبَر من الهولوكوست، وباتت مرارةُ هذا الحدث جزءاً من تفكيرهم وذكرياتهم، لكنّ جيلنا الذي يعاني من فجوة الأجيال ومن قطيعة تاريخية، ويَنمو جاهلاً لتاريخ أسلافه مُعرَّض لخطر النسيان و“الخوف من الآخر” وتكرار الكارثة.

يكتب ثابتي لكثير من وسائل الإعلام. وُلِد في إيران، وبعد دراسته الصيدلة في “المؤسسة البهائية للتعليم العالي” هاجر إلى بريطانيا حيث أنهى مرحلتي الماجستير والدكتوراه في دراسة الأديان مع التركيز على علم اجتماع الدين، وقد ترجم إلى الفارسية الكثير من الكتب والمقالات المرتبطة بالفلسفة وعلم الاجتماع والفاشية والهولوكوست ومعاداة اليهودية والحرب العالمية الثانية.

وفي التقرير التالي نتبادل معه حواراً يدور حول الهولوكوست

عرفان ثابتي

سؤال: بالنظر إلى تواصل البشر عبر منصات التواصل الاجتماعي وفهْمهم الراهن لمفهوم المساواة ومعناها، هل ترى أن معاداة الآخر عموماً و“معاداة اليهود” خصوصاً تقلّصت وتيرتُها؟

جواب: كلا. على العكس، فقد زادت معاداة اليهود في العقود الأخيرة في كثير من بقاع العالَـم. وتقوم المفوضية الأوروبية لحقوق الإنسان بشكل دوري بدراسة المقاربات المعادية لليهود. وآخر إحصائية صادرة عنها تفيد بزيادة معاداة اليهودية على نحو لافت في 27 دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

س: ما السبب وراء هذه الزيادة؟

ج: أعتقد أن جزءاً من المشاعر والمعتقدات في معاداة اليهود نابع من نسيان الوقائع الكارثية التي حدثت في الهولوكوست. ونفي الهولوكوست ونسيانها كارثةٌ بحد ذاتها. قبل نحو سنتين، أفادت نتائج استطلاع رأي لمنظمة مدنية بريطانية أن شخصاً من بين كل عشرين بريطانياً يعتقد أن الهولوكوست كذبة في الأصل ولم تَقع، ومن بين كل 12 بريطانياً يرى واحد منهم أن الهولوكوست ليست كذبة، لكنّ هناك مبالغةً حول أبعادها وحدودها.

وفي المجتمع البريطاني الذي لم تَبلغ فيه قَطُّ معاداةُ اليهود في الزمن المعاصر ما بلغته في ألمانيا والنمسا والدول الأوروبية الغربية والشرقية، يمتنع زهاء نصف اليهود الآن عن وضع الكيباه (قبعة يهودية) أو تعليق نجمة داود خوفاً من معاداة السامية (معاداة اليهود). ونتائج البحث المشترك الصادر عن حملة محاربة معاداة اليهود وكلية كينجز لندن تشير إلى أن 45% من المشاركين في هذا الاستطلاع يؤمنون على الأقل بواحد من المزاعم المعادية لليهود. ووفقاً لنتائج هذا الاستطلاع، يَحمل 12% منهم أفكاراً معادية لليهود بشدة، لأنهم يؤمنون على الأقل بأربعة من المزاعم المعادية لليهود.

س: هل تعتقد أن هناك علاقة دالة بين نفي الهولوكوست ومعاداة السامية؟

ج: أجل، من دون شك. ولهذا السبب ضروريٌّ تعريفُ اليافعين والشباب بل حتى الأطفال بالهولوكوست. وكان شعار النشطاء المدنيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية هو: “ليس بعد اليوم”؛ أيْ لن نَسمح ثانيةً بتكرار مثل هذه الكارثة. والقانون الدولي المعاصر مَدين لجهود هؤلاء الناشطين. ولافتٌ أن نَعلم أن رجال القانون اليهوديين المشهورين من أمثال “رافائيل لِمكين” و“هِرش لاترباخت” أدَّوا أدواراً مهمة في تشكيل نظام القانون الدولي والحيلولة دون الإبادة الجماعية بعد أن وَضعتِ الحربُ العالمية الثانية أوزارَها. وكانت جميع هواجسهم هي ألا يَسمحوا بتكرار هذه الواقعة.

س: إذن، هل في مستطاعنا القول إن البشر أخذوا العِبَر من الهولوكوست بما يكفي؟

ج: يمكننا أخذ العبر والدروس من الهولوكوست على شكلين مختلفين: درس قصير النظر يَقوم على منعنا لحدوث هذه الكارثة لأنفسنا أو الجماعة التي ننتمي إليها، ودرس عميق النظر يقوم على عدم سماحنا بحدوثها لأي أحد أو أي جماعة في أي مكان. فالأول يقوم مثلاً على منع الإيرانيين من حدوثها للإيرانيين، والثاني أن يحاول الإيرانيون الحيلولة دون حدوثها في سوريا واليمن وغيرهما.

وإذا كان العالَـم قد اعتبر بما يكفي من الهولوكوست فهل كنّا سنشهد الكوارث في رواندا ويوغسلافيا السابقة والعراق وسوريا؟ إن تكرارها يدل على عدم أخذنا العِبر كما ينبغي؛ وفي أحسن الأحوال حاولنا عدم وقوعها بحقنا أو بحق الجماعة التي ننتمي إليها.

لهذا، أعتقد أن تعليم الهولوكوست لا يُقيَّد بالضرورة بخطر معاداة السامية وحسب، بل الموضوع الجوهري هو الاعتبار بشأن معاداة الآخر عموماً، إن الخوف من الآخر ومعاداته فكرة مذمومة تَنبغي إزالتها بالتمام والكمال.

س: في ما يتعلق بهذه العبرة، فضلاً عن تعليم الأطفال، ما هي الطرق الأخرى المتاحة لضبط المجتمع البشري وإيقاف تمزيق بعضنا البعض؟

ج: هناك أعمال كثيرة تُنجَز؛ على سبيل المثال هناك موقع يُدعَى “مشروع التحذير في أوانه” الذي بدأ منذ 2014 بالتعاون مع كلٍّ من متحف الهولوكوست في أمريكا وباحثي جامعة دار تموث، ويَقوم عملهم على التنبؤ بالإبادات الجماعية القادمة.

س: وما هي الآليات؟

ج: عبر جمع البيانات والمعلومات المتنوعة المتعلقة بحدوث الانقلابات، وذبذبات الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة موت الرُّضّع، وعدد السكان، ودرجة سلطة النظام السياسي، وأوضاع القانون المدني، والنزاعات القومية، وعمليات القتل السياسي، وكثير من المعايير الأخرى التي تَكشف دراستُها عن نسبة احتمال وقوع إبادة جماعية في كل بلد.

س: وهل يمكن الاستناد إلى هذه النتائج؟

ج: الباحثون المشتغلون بهذا المشروع يؤكدون على أنهم لا يزعمون التكهنات، بل يرتكزون على البيانات الواقعية، ويُنْبِئون صنّاعَ القرار في دول مختلفة بتوفر أرضية ظهور مثل هذه الكوارث في المنطقة الفلانية عسى أنْ تتمّ عرقلة وقوعها.

س: بوصفك اطلعت على نتائج هاتين المؤسستين، هل يمكن أن تقول ما هي الدول التي من المحتمل وقوع الإبادة الجماعية فيها أكثر من غيرها؟ ثم ما هي الإبادة الجماعية أو ما يُصطلَح عليه بالــ “جنوسايد” في الأصل؟

ج: إذا قُتِل أكثر من ألف شخص على يد الجنود أو الميليشيات أو المجاميع المسلحة اعتُبِر ذلك إبادةً جماعية. وعادةً ما تَحدث في مجتمعات تَشوبها الفوضى. في المقابل، هناك نوع من الاستقرار في الدول الديمقراطية، الأمر الذي يٌقلِّص من احتمال الإبادة. من ناحية ثانية، تشير نتائج الباحثين إلى أن احتمال وقوع الإبادة في الدول الدكتاتورية الشاملة يَنخفض؛ ومردُّ ذلك أن استبداد هذه الأنظمة يستطيع من خلال القمع وإشاعة الرعب إرساءَ شيء من الاستقرار. لكن في المجتمعات التي تعيش “بين بين”، حيث لا تَحكم الديمقراطية ولا الاستبداد الحازم، يزداد احتمال وقوع الإبادة الجماعية.

س: هل هناك تكهّنات حول إيران أيضاً في هذه الأبحاث؟

ج: نعم.. بناء على آخر تصنيف قدّمه “مشروع التحذير في أوانه”، تَحتل إيران المرتبة 34 من بين 162 دولة، وهي مرتبة منخفضة قياساً إلى أفغانستان وباكستان والعراق وتركيا والكونغو وكولومبيا، ومردُّ ذلك إلى النظام الدكتاتوري الحازم الحاكم في إيران. أما الدول المتمتعة بديمقراطية نسبية فهي معرَّضة لظهور مثل هذه الكوارث.

س: في الأساس، ما هي العوامل التي أدّت إلى تزايد العنصرية ومعاداة الآخر في المجتمع البشري؟

ج: هذه قضية تحتاج إلى تفصيل أكثر. والحديث عن الهوية، وفصل “الأنا” عن “الآخر” هو حديث الساعة في حقلي الفلسفة وعلم النفس؛ فـ “الأنا” لا تَتعرَّف إلى نفسها، ولا تتمتع بهويتها إلا من خلال تمييزها عن “الآخر”. ومصالحنا تتباين عن مصالح “الآخر”، لأن تعريفنا لهويتنا يختلف عن تعريف هويات الآخرين، وبالتالي فالمصالح تختلف. ومَن لديهم هوية مشتركة يَسعَون إلى إيجاد مصالح مشتركة، وبالطبع يَرَون أنفسهم في حرب مع “الآخر” للحفاظ على مصالحهم.

س: إذن، أنت تؤمن أن هناك ارتباطاً بين الهوية والمصلحة قد يَخلق هذا “الآخرَ” أو “الأجنبي”؟

ج: علماء النفس الاجتماعي يأخذون في حسبانهم الارتباط بين الهوية والمصلحة، وكي يثبتوا وجود هذه العلاقة يقومون بدراسة حياة الإنسانيين المحبين للإنسانية والأعمال الصالحة ممن قدّموا يد العون لليهود في الحرب العالمية الثانية.

كريستين مونرو عالمة النفس السياسي درَست ظاهرة الإنسانية، والنظرية الليبرالية الغربية، تقول: “إن الإنسان يسعى وراء مصلحته الشخصية”. وبالطبع لا تنسجم هذه النظرية مع تلك الحالة الإنسانية التي شهدناها في التاريخ المعاصر. فلماذا يُخاطر ألمانـيٌّ غيرُ يهودي مثلاً بمصلحته بل بحياته في سبيل إنقاذ عدد من اليهود؟ لكن على الرغم من هذه المخاطر فقد فعلها بعض الألمان، وغامروا في إنقاذ البشر خلافاً للنازية. ولم يقصدوا من وراء ذلك نفعاً لأنفسهم بل نفعاً للآخرين، ولو كلَّفهم الأمرُ حياتَهم وأموالهم. وهذا العمل هو “الإنسانية” بعينها.

درَست مونرو حياة 25 شخصاً من الإنسانيين من أطياف مختلفة؛ على سبيل المثال الذين بذلوا أموالهم أو غامروا بحياتهم أو الألمان الذين ساعدوا الآخر في الحقبة النازية. وقد تحدثتْ مع بعضهم حديثاً مفصلاً، وحللتْ بياناتها، وفي نهاية المطاف توصلتْ إلى نتيجة مفادُها أن القاسم المشترك بينهم هو تعريفهم لهويتهم لا لمصالحهم.

أثناء هذا البحث، لم يَقل هؤلاء الإنسانيون سنرى في البداية ما هي مصلحتنا من عملنا ثم نعرِّف هويتنا، بل عرَّفوا هويةً كونية قائمة على وحدة الإنسانية واتحادها، وهذا أدّى إلى فهمهم للتعالُق بين مصلحتهم حيال “الآخر”، وبالتالي اعتبارهم أن منفعة الآخر وأذاهم هما منفعة وأذًى لهم. فلا غرابة في المغامرة بكل ما يملكون من مال وروح.

س: كيف يمكن لهذه الهوية المشتركة أن تَكون منقِذة؟

ج: حين تعتبر نفسك عضواً في العائلة البشرية فبالطبع لن تتعارض مصلحتك مع مصالح الآخرين، بل تتشابك مع بعضها بعضاً. في هذه الحالة، تستطيع أن تكون مثل هؤلاء الألمان غير اليهود الذين على الرغم من حث النازيين على معاداة اليهود وخلق الرعب وغسل الأدمغة، إلا أنهم سبحوا ضد التيار لينقذوا بني جنسهم؛ لأن اليهوديَّ في تعريفهم لم يكن جزءاً من جماعة الـ “هُـم” بل عضواً من جماعة الـ “نحن”. ولهذا السبب لا ينبغي علينا القول إن مصلحتنا هي التي تحدد هويتنا، بل علينا القول إن هويتنا هي التي تحدد مصلحتنا.

علينا بذل قصارى جهدنا لجعل هويتنا أكثر عالميةً قدر المستطاع. علينا أن نعلِّم أولادنا في البيت والمدرسة أنكم أعضاء في عائلة بشرية واحدة، وأن كل يهودي ومسلم ومسيحي وبوذي وفرنسي وأفغاني وبرازيلي وغيرهم من جميع الأديان والشعوب هو عضو في عائلتكم. فإذا اعتبرتُ نفسي عضواً في هذه العائلة البشرية فلن أقبل بعد ذلك تدخُّل النظام الإيراني في سوريا ومشاركته في قتل الشعب السوري بذريعة محاربة “داعش” وإرساء الأمن.

لا شك أن مزاعم النظام الإيراني في هذا الصدد كاذبة، لأنه كان حاضراً في سوريا قبل ظهور تنظيم الدولة (داعش) بثلاث سنوات، وكان يحارب معارضي بشار الأسد، وحتى لو افترضنا أن هذه الرواية المزوّرة صادقة (وهي ليست كذلك بالطبع) فعليَّ أنا الإيرانيّ أنا أتساءل ما هو الثمن المدفوع مقابل توفير الأمن لي؟ هل هو بقتل مئات الآلاف من السوريين وتشريد الملايين؟ أيَّ إنسان سأكون إذا رضيت بالتعدي على مصالح السوريين لتوفير مصلحتي وتدمير حياتهم!؟

س: هل يمكن للقومية المتشددة أن تُفضي إلى معاداة الآخر؟

ج: إن رؤية القومويين للأخلاق هي رؤية خاصة. يقول القوموي إنني ألتزم بمبادئ أخلاقية داخل حدود بلدي فقط، ولا يهمني ما يجري خارجها. وحين تَدخل في نقاش مع سعودي قوموي أو أمريكي قوموي تجدهم مشتركين في أمر واحد هو الاهتمام بمصالحهم داخل بلادهم وحسب، ولو كلّف توفيرُها ظهورَ كارثة للآخر / الآخرين.

وحين نقول إن القومية سيئة لا نعني ألا نحب وطننا، بل نعني أن نعتبر مصالح الآخرين مهمةً بقدر أهمية مصالحنا. والتمييز بين (مصالحـنا ومصالحـهم) هو الذي يخلق التوتر والصراع، ومن هنا، لا مناص من تعليم الأطفال منذ البداية بأن مصالح جميع البشر متداخلة، وأنه ليس هناك مصير مستقل عن المصائر الأخرى. وهذه حقيقة يؤكد عليها عدد كبير من العلماء والمفكرين، منهم ميخائيل غورباتشوف وفريد زكريا في كتبهم الأخيرة؛ فهم يقولون أنْ لا حلول قومية للمشاكل العالمية، ولم يَعُد بالإمكان توفير مصلحة بلدٍ بعينه من دون الأخذ في الحسبان مصالـحَ “جميع الشعوب”.

س: لماذا يُعتبَر تعليم الأجيال اللاحقة مهماً إلى هذا الحد؟

ج: لأن التعليم يُنقذ الجنس البشري. حين انتهى الهولوكوست لم يَزُل النازيون عن صفحة الوجود دفعةً واحدة، بل إن كثيراً منهم استمروا في دحضهم للفظائع التي ارتكبوها لعقدين تاليَين، لكنّ أولادهم وأحفادهم صاروا تدريجياً يسألون آباءهم وأجدادهم منذ أواخر ستينيات القرن العشرين: ماذا فعلتم بالجنس البشري؟ لماذا دهستم الأعراف الأخلاقية واستسلمتم لحزب كان يُفضِّل مصلحةَ جماعة على مصالح البشر؟ ويرى علماء أن مواجهة الماضي وتصفية الحساب معه أدّت إلى أن تَكون ألمانيا الراهنة إحدى أكثر الثقافات الصحية والسليمة، لأن الأطفال واليافعين الألمان جعلوا من الماضي سراجاً للمستقبل؛ فهم لم يتستّروا على الفظائع، ولم يسمحوا للأجيال السالفة أن تتكتم على ضلوعها في جرائم الحقبة النازية.

ويُرجَّح أن يَحدث الأمر نفسه في إيران أيضاً، وسيَسأل الجيل التالي آباءهم: حين ارتكب نظام الجمهورية الإيرانية جميع تلك الجرائم في سوريا، لماذا سمحتم له بتوفير أمنكم المزيَّف على حساب دماء السوريين من جنسكم؟

س: بالطبع لا بد أن تشعر الأجيال الإيرانية اللاحقة بالخزي في قبول المسؤولية.. وأنا متأكدة أن ابني سيعاني من دور إيران في الحرب الأهلية السورية، ولهذا السبب قد يتنكّر له.. أليس كذلك؟

ج: في هذا الصدد يقول الرئيس الألماني فالتر شتاينماير: “ليس قبول المسؤولية هو الذي يُعتبَر عبئاً ثقيلاً، بل المؤلم هو النسيان”، وفي هذه السنة ألقى خطاباً رائعاً بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين على انتهاء الحرب العالمية الثانية، وقال إن علينا إنقاذ أنفسنا من شر وساوس القومية، وخاطب الشباب بالقول: “إن مفتاح الحل بأيديكم، وأنتم مَن عليكم نقل الدروس التي تعلمتموها من هذه الحرب الفظيعة إلى الأجيال اللاحقة”، ولم يقل إن القصة تَعود إلى 75 سنة مضت وعلينا التخلي عنها، بل قال إذا حدث نسيانها فإن الخطر نفسه سيَتهدَّد الجنس البشري مرة ثانية. وقال: “أول جملة في الدستور الألماني هي أن الكرامة الإنسانية غير قابلة للنقض والتعدي عليها. هذه الجملة تُذكِّرنا جميعاً بما حدث في معسكر أشوفيتز للاعتقال والإبادة”.

يرى شتاينماير أن قبول المسؤولية ليس مخزياً بل نفيها هو المخزي. وأردف بأننا بعد الحرب أدّينا اليمين الدستورية بعدم السماح بتكرار هذه الكارثة بعد اليوم، وقد تعلمت البشرية من عبارة: “ليس بعد اليوم”، وأسستْ ركيزة جديدة لحقوق الإنسان. وأكّد أن وظيفة التذكير بالتاريخ ستبقى مُلقاة على عاتقنا دوماً. فالنسيان خطِر، ففي كل لحظة قد تَتكرر الكارثة.

وقال الرئيس الإسرائيلي في الذكرى الخامسة والسبعين لتحرير معسكر أشوفيتز إذا تسنى للهولوكوست أن يحدث في ألمانيا فهذا يعني إمكانية حدوثه في أي مكان آخر من العالَـم. وعليه، لا تظنوا أنه انتهى وأننا في مأمن منه ومن تكراره.

وألقى أحد الناجين من الهولوكوست يُدعى ماريان تورسكي خطاباً مُشْرقاً واصفاً وصفاً جميلاً كيف شقّتْ معاداةُ اليهود طريقها إلى حياة عامة الناس تدريجياً. فلم يأتِ المعادون لليهود من اليوم الأول ليطالبوا بالقضاء عليهم وإحراقهم في المحارق. بل عملوا بهدوء وانسلّوا رويداً رويداً؛ ففي البداية وضعوا لوحات في الحدائق العامة في برلين، وكتبوا عليها: “لا يُسمَح لليهود دخول هذه الحدائق”، ثم وجد الألمان العبارة نفسها في المسابح. وكان المواطن العادي غير المهتم يقول في قرارة نفسه: حتى لو مَنعوا اليهود من بعض الحدائق والمسابح، فهناك الكثير منها في برلين، فما أهمية هذا المنع؟ وفي اليوم التالي مُنِع اليهود من المشاركة في الفرقة الموسيقية، ثم كُتِب على يافطات المتاجر: إن اليهود لا يستطيعون شراء الخبز والمواد الغذائية إلا بعد الساعة الخامسة عصراً. ويرى مارين تورسكي أن المواطن اللامبالي لم يكن يُعير بالاً لهذه القيود، وبالتدريج اعتاد هذا الحذف لليهود. وهكذا انتهى الأمر إلى التصفية الجسدية لليهود.

س: لكن مقاومة الشعب واعتراضه كان يمكن أن يُكلِّفه أثماناً باهظة.

ج: إذا أبديتَ عن ردة فعل حيال أول نقض لحقوق الإنسان وواجهتَه وعارضتَه، فقد لا تكون هذه التكاليف باهظة إلى هذا الحد. لكن في ظل غياب هذه المقاومة والوعي الأولي، فقد يَنسلُّ إلينا أشوفيتز آخر شيئاً فشيئاً بعبارة تورسكي، الذي يقول إنني أريد إضافة الوصية الحادية عشرة إلى الوصايا العشر للنبي موسى؛ وهي: “لا تكن غيرَ مبالٍ”. ويقول: إنني أسعى إلى تعليم بناتي وأحفادي ألا يكونوا غيرَ مبالين إزاء الأكاذيب التاريخية، وألا يقفوا مكتوفي الأيدي إذا وجدوا أن الماضي يتم تحريفه لمصالح سياسية راهنة، يرى تورسكي أنه حين يقوم مرجع سلطوي بنقض عقد اجتماعي معمول به فلا ينبغي السكوت عليه؛ لأننا لو بقينا غير مكترثين فلن ننتبه إلى أن أشوفيتز آخر ينزل علينا من السماء.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد