سيناريوهات وأسباب مفترضة حول اغتيال لقمان سليم

عماد الشدياق – لبنان

مرّ أسبوعان على اغتيال الباحث والناشط السياسي اللبناني لقمان سليم من دون أن تصل التحقيقات حتى اللحظة إلى أيّ استنتاجات أو إجابات أولية حول عملية الاغتيال، فيما أصابع الاتهام ما زالت مسلّطة صوب “حزب الله” اللبناني الذي كان المغدور من بين معارضيه.

سليم لم يكن مناهضاً للحزب فحسب، وإنّما كان من محركي “ثورة 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019” ومعارض للطبقة السياسية اللبنانية كاملة، وله “صولات وجولات” في ساحات الثورة من محاضرات وندوات ألقاها أمام المئات من الثوّار، إلاّ أنّ سمعته في معارضة “حزب الله” طغت على معارضاته للجماعات الأخرى، وذلك على أغلب الظنّ بسبب هويته الطائفية (الشيعية) التي غالباً ما كانت تترك وقعاً مميزاً للمعارض الشيعي عند الرأي العام اللبناني والعربي والدولي.

معارضة لقمان سليم للحزب كانت قاسية في مفرداتها، لكنّها لم تكن رائجة بشكل كبير بين الناس العاديين، وإنّما محصورة بين النخب والمثقفين، كما أنها لم تكن وليدة اللحظة، أو وليدة ثورة 17 أكتوبر/ تشرين الأول، وإنّما تعود في تاريخها إلى ما قبل ذلك بسنوات طويلة.

سيناريوهات عدّة يمكن رسمها حول الجهات التي تقف خلف اغتيال سليم، وهي سيناريوهات سياسية تعتمد على التحليل وليس على الأدلة والمعلومات. من بينها سيناريو “الطرف الثالث”، إسرائيل مثلاً التي يمكن لها أن تنفّذ عملية من هذا النوع، وهو من السيناريوهات التي تبنّتها جهات مقربة من الحزب منذ اللحظات الأولى من أجل دفع التُهم عنه.

قيل إنّ عملية من هذا النوع قد تنفذها تل أبيب من أجل تأجيج الرأي العام اللبناني ضد الحزب، إلاّ أن هذا فيما لو صحّ، لا يعفي الحزب من المسؤولية السياسية والمعنوية، لأنّ الاغتيال بمعزل عن الجهة المنفذة يضع الحزب في قفص الاتهام بسبب تعرّضه للتهديد والتخوين من الحزب وعناصره منذ سنوات.

أضف إلى ذلك أنّ ثمة أكثر من مؤشر يجعل من هذا السيناريو وارداً على نحو ضعيف جداً، فبحسب القوى الأمنية اللبنانية التي تحقق في الجريمة فإنّ “الفريق المنفّذ محترف، ومن الذين يعرفون المنطقة جغرافياً”.

كما أنّ المكان الذي حصل فيه الخطف، ثم مكان وجود الجثة ملفت إلى مضمون القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي رقم 1701، ومهام قوات “يونيفيل” العاملة في جنوب لبنان.

سليم خُطِفَ من منطقة نيحا التي تقع جغرافياً جنوب نهر الليطاني الخاضعة لعمل “يونيفل”، ثم اقتيد إلى جهة مجهولة، ثم عُثر على جثته في العدّوسية شمال نهر الليطاني، أي في منطقة لا تخضع للقرار 1701 وغير مشمولة بصلاحيات الـ”يونيفيل”.

وهذا يعني أنّ الجهات المنفذة للجريمة تعرف جيداً العواقب الدولية لتنفيذ الاغتيال جنوب الليطاني، وحاولت تحاشي أمرٍ كهذا، وبالتالي فإن كانت الجهات المنفذة ترمي إلى تأجيج الرأي العام ضد “حزب الله” فمن البديهي أن تترك جثة سليم بمكانها لتزيد من منسوب النقمة المفتر ضة ضد الحزب أكثر فأكثر، وهذا يعني أن القاتل أراد التخلّص من سليم فقط، وتوخّى عدم لفت الأنظارالدولية.

ومن الجدير ذكره أنّ تُهماً بالاغتيال تتعلّق بحرية الرأي أو بكتابة مقال أو بموقف سياسي لم تُوّجه إلى “حزب الله” من قبل، خصوصاً في السنوات الـ10 الماضية التي أحكم قبضته السياسية فيها على لبنان. فغالباً، يتحسّس الحزب مما يعتبره “خطوطاً حمراً” ويتحرّك أمنياً أو عسكرياً دفاعاً عما يتعلّق بأمنه الاستخباراتي أو العسكري أو الاستراتيجي، مثلما حصل في هجمة 7 مايو/ أيار 2008 يوم اجتاح بيروت نتيجة قرار صدر عن الحكومة اللبنانية يقضي بازالة شبكة اتصالات قال الحزب إنّها “جزء من سلاح الإشارة الخاص بالمقاومة”، وربّما بات يتحسّس مؤخراً من ملفات تتعلّق بأمنه المالي أيضاً الذي بدأ يؤرقه ويؤثر على وجوده بعد العقوبات التي طالته وطالت مؤسساته وحلفائه في الداخل والخارج مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

لعلّ لقمان سليم مسّ هذا الخط الأحمر، خصوصاً إذا ربطنا هذا السبب مع ما كتبته الصحافية منى علمي في موقع “العربية” الإنكليزي بعيد اغتيال سليم حول عمليات تبييض الأموال وبين محاولة جهات لم تذكرها الانشقاق عن “حزب الله”. علمي قالت وقتها إنّ “لقمان سليم توغّل في أنشطة غسيل الأموال لحزب الله، والبحث في الاتصالات المحتملة بين التجّار الذين يسهّلون هذه الأنشطة للحزب، والذهاب إلى أبعد من محاولة ربط هؤلاء بالشخصيات التي تعمل مع مصرف لبنان”، مؤكدة أنّ سليم “كان على اتصال بشريك تجاري لحزب الله متورط بشكل كبير في أنشطة غسيل الأموال لصالح الحزب، وأُدرج اسمه على لائحة العقوبات من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي، وكان مستعدّاً للانشقاق مقابل إخراجه من لبنان وحمايته”، ولعلّ سليم خاض في ملفات كهذه من مدخل إنساني يخصّ حماية منشقين، ولم يحسب عواقبها أو وقعها على “حزب الله”.

“إيران وير” تواصل مع الصحافية منى علمي بعد كتابة المقال بأيام، وسألها عن التفاصيل التي وردت في مقالها، لكنّها اكتفت بما ذكرته في المقال، ورفضت الخوض في المزيد من التفاصيل. إلاّ أنّ معلومات خاصة وحصرية بـ”إيران وير” تُكشف للمرة الأولى تؤكّد أن لقمان سليم رتب لقاءً بين مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر وبين مجموعة مستثمرين ورجال أعمال شيعة من ذوي العلاقات المفتوحة على الجميع. اللقاء حصل قبل انطلاق المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل  قبل أشهر، وبحسب المصادر فإنّ اللقاء كان يُفترض به أن يحصل في منزل سليم في الضاحية الجنوبية، لكنّه حصل لاحقاً في بيت شخص من آل عاشور هو صهر صديق لقمان سليم، شبيب الأمين، وللمفارقة فصديقه هذا هو نفسه الذي كان سليم في منزله في الجنوب قبل أن يختفي بساعات.

وتكشف المصادر أنّ اللقاء نُقل إلى خارج الضاحية لاعتبارات أمنية، لكن لم يُعرف إن كان شينكر قد طلب انعقاد مثل هذا اللقاء أو بدعوة من لقمان سليم، كما لم يُعرف إن حضره شينكر شخصياً في لبنان أو من خلال تطبيق “زوم”، لكنّ المصادر تؤكد أنّ حزب الله عرف بتفاصيل اللقاء قبل انعقاده ثم وُضع بأجواء الأحاديث التي دارت بعد حصوله.

أكثر من ذلك، فإنّ مسار الأحداث يعيدنا إلى هذا اللقاء قبل الاغتيال، وبعض التفاصيل التي وردت في مقال علمي تطرح المزيد من الأسئلة عمّا إذا كان لذلك كله علاقة بحادثة تسريب ملفات جمعية “القرض الحسن”، التي هزّت الرأي العام وبيئة “حزب الله” قبل نحو شهر.

التزامن بين الحوادث يطرح المزيد من الشكوك والأسئلة، ويعيد ربط المعلومات ويقاطعها، بدءاً باغتيال آخر وقع قبل أشهر في لبنان، وطال اللبناني أنطوان داغر وهو مدير دائرة المخاطر في أحد المصارف اللبنانية، وهو بنك بيبلوس الذي لم يذكر وقتها أيّ تفصيل يتعلّق بعملية اغتياله، وحامت شكوك حول ارتباطها بشبهات تبييض أموال كان يحقق بها داغر الذي قُتل بطريقة غامضة، بعد أن أوسعه مجهولون ضرباً على الرأس بواسطة آلة حادة أردته قتيلاً تحت منزله، ولم تُعرف أيّة تفاصيل عن عملية اغتياله إلى اليوم أيضاً.

أما تسريب ملف جمعية “القرض الحسن” التي يستغلّها “حزب الله” كمصرف ظل، فيومها قامت مجموعة تطلق على نفسها اسم SpiderZ  بتسريب ملفات فيها معلومات قديمة نسبياً، لكنّها حساسة جداً بالنسبة للحزب، وفيها أسماء عناصره وقياداته وأسماء متعاملين مع الجمعية في الداخل والخارج وأسماء مصارف.

وكان المقرصنون قد ظهروا على الإنترنت تحت هذا الاسم ثم اختفوا مع ملفاتهم وحساباتهم من شبكة الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. مصدر مطلع على آلية عمل المقرصنين بشكل عام كشف لـ”لإيران وير” أن هذه المجموعة لم يكن لها وجود قبل حادثة “القرض الحسن” على الإطلاق، وأنّ هذا التفصيل يعزّز من فرضية أن تكون مجموعة SpiderZ أُنشئت خصيصاً لإطلاق هذه التسريبات، وربما حصل ذلك من “باب التمويه وإبعاد الشبهات”.

كما كشف المصدر أنّ التحقيقات التي أجراها “حزب الله” في الحادثة خلصت إلى ما يشبه الحسم بأن تكون عملية تسريب هذه الملفات التي تعود في مجملها إلى العام 2019 قد حصلت من داخل الجمعية، وليس من خلال عملية اختراق خارجية بواسطة شبكة الانترنت، ما يعزز أن يكون العمل منسّق من الداخل اللبناني بالتعاون مع أحد العاملين من داخل الجمعية.

ويعزّز أيضاً من ترابط هذه الأحداث أنّ هاتف لقمان سليم الذي عثرت عليه العائلة على بعد 300 متر من البيت الذي كان يسهر فيه تتردّد في تسليمه إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية حتى اللحظة، وتطالب بضمانات بعدم تسريب محتواه إلى أيّ جهة ثالثة. هذا السلوك يطرح المزيد من علامات الاستفهام والشكوك حول احتمال وجود تواصل مع معارضين للحزب ولإيران في الداخل وربّما في الخارج، وتحرص العائلة على عدم تعريض المزيد منهم لأخطار جسيمة مشابهة لتلك التي أصابت لقمان.

كل هذا يطرح المزيد من علامات الاستفهام حول تغلغل “حزب الله” في الأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية، الأمر الذي يلقي بمزيد من المسؤولية على كاهل السلطة القضائية اللبنانية والأجهزة الأمنية التي تتحرّك حتى اللحظة في التحقيقات بمقتل سليم ببرود كبير لا يعكس حجم الحدث الجلل.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد