الرئيس اللبناني يهدّد أو يمهّد لتمديد ولايته؟

عماد الشدياق – لبنان

لا يزال الملف الحكومي في لبنان يراوح مكانه منذ أشهر، فيما التشكيلة الحكومية التي قدّمها الرئيس المكلّف سعد الحريري إلى الرئيس ميشال عون قابعة في أدراج القصر الرئاسي في بعبدا إلى اليوم تنتظر توقيع مرسوم تشكيلها.

الرئيس عون يرفض التوقيع، ويدعو الحريري إلى “الالتزام بمعايير واضحة” في اختيار الحصص والأسماء، وعلى هامش هذا كله تستعر الحرب الكلامية والمواقف والمواقف المضادة بين الطرفين إلى حدٍّ بدأ يوحي بأنّ التعايش بين الطرفين في أي حكومة مقبلة بات شبه مستحيل.

قبل نحو أسبوع، خرج ماريو عون النائب في كتلة “لبنان القوي” التي يرأسها حزب رئيس الجمهورية، ليقول في حديث تلفزيوني مع قناة MTV اللبنانية: ” إنّ عدم التمديد للرئيس عون هو ظلم بحقه وبحق قسم من الشعب اللبناني، لأنّ أكثر من نصف الشعب يريد هذا التمديد”، هذا التصريح أثار حملة اعتراض في صفوف الرأي العام اللبناني ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كثيف، وكذلك وفي صفوف السياسيين اللبنانيين، ما استدعى التوضيح من النائب العوني نفسه الذي قال لاحقاً: ​” إن ​الرئيس عون ليس في وارد التمديد له، وهذا الموضوع ليس مطروحاً بالنسبة إليه” وإن “كل شي بوقته حلو”.

ووصف مصدر في ثنائي “حزب الله و”حركة أمل” لـ”صحيفة اللواء” اللبنانية الكلام عن التمديد للرئيس عون بعد انقضاء ولايته بـ”المعيب والمرفوض”، معتبرأ أنه بات لزاماً على عون اسكات جوقة مستشاريه ونوابه ووزرائه عن التفوه بـ”هذا الكلام الممجوج”.

توقيت الكلام الذي أطلقه النائب العوني جاء في حمأة دعوات متعاقبة وُجهت من أكثر من جهة للرئيس عون من أجل الاستقالة، ويبدو أن الأخير حاول الرد عليها من خلال الهروب إلى الأمام والدعوة إلى التمديد له.

كلام النائب العوني لم يكن زلة لسان، وإنّما خيار مطروح في دوائر القصر والمحيطين بالرئيس، إذ تشير معلومات خاصة لـ”إيران وير” مصدرها دوائر قصر بعبدا إلى أنّ “واحداً من الوزراء السابقين، وهو الآن مستشار قانوني ودستوري للرئيس، أعدّ مطالعة دستورية تصبّ في اتجاه التمديد للرئيس”، لكن من دون معرفة التفاصيل التي ضمّنها في المطالعة أو المواد الدستورية التي اتكأ عليها من أجل إخراج التمديد.

 المعلومات تكشف أيضاً أنّ “أوساط قصر بعبدا تنتظر التوقيت المناسب لطرحها أمام الرأي العام”، ويبدو أن كلام عون لم يكن إلاّ محاولة لجسّ نبض الشارع اللبناني، ولمعرفة ردود الأفعال حيال طرح كهذا.

كما أنّ كلام النائب ماريو عون ليس جديداً، فسبق أنّ أشار إلى كلام مثله قبل سنتين في حديث إلى صحيفة “الشرق الأوسط“، حيث قال: إنّ فريقه السياسي يطمح إلى تعديل دستوري يسمح بالتجديد للرئيس عون عند انتهاء ولايته الرئاسية بعد 4 سنوات، وفي مرحلة لاحقة يطمح فريقه السياسي إلى الاستمرار في الحكم عبر رئيسه (باسيل)، أو أي شخصية يختارها فريقه، لذلك لن يجاروا الآخرين في خياراتهم.

وتنصّ المادة 49 من الدستور اللبناني صراحة على أنّ رئیس الجمهوریة “یُنتخب بالاقتراع السري بغالبیة الثلثین من مجلس النواب في الدورة الأولى، ویكتفي بالغالبیة المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي، وتدوم رئاسته ست سنوات، ولا تجوز إعادة انتخابه إلا بعد ست سنوات لانتهاء ولایته…”، وهذا يعني أنّ بقاء عون في قصر بعبدا سيكون حكماً بحاجة إلى تعديل دستوري يصعب الحصول على توافق بين الكتل النيابية لتمريره، وهو بحاجة إلى أغلبية الثلثين، وكذلك إلى مروحة واسعة من التوافق بين الكتل النيابية والنواب الذين لا يملك الرئيس وحلفاؤه في الظاهر إلاّ قرابة 74 نائباً من ضمنهم كتلتا “حركة أمل” و”حزب الله” وبعض الحلفاء، وقد يُقزّم عدد النواب إلى ما دون ذلك في حال أصرّ عون على استغلاله في تعديل دستوري لبقائه في الرئاسة، وبالإضافة إلى ذلك، فإن التعديل الدستوري يفترض وجود حكومة فاعلة وليس حكومة مستقيلة تقوم بتصريف الأعمال.

ومنذ اعتماد “دستور الطائف” عام 1990 (الذي أرسى اتفاقاً بين اللبنانيين، وأنهى الحرب الأهلية بتعديل دستوري) شهد لبنان تعديلين دستوريين يخصان التمديد لرئيس منتخب، وكان الرئيس الأول بعد “الطائف” إلياس الهراوي، والثاني الرئيس إميل لحود.

هذان التعديلان حصلا بضغوط من النظام السوري على لبنان في حينه، الذي كان بوصايته عليه يؤمن بفعل الهيمنة على الحياة السياسية، ويحث على “التوافقات” المطلوبة لأيّ استحقاق أو أزمة حُكم أو تعديل دستوري.

لكن يبدو أنّ الطرح الذي تُعدّ له أوساط الرئاسة اليوم لا ينطلق من الدعوة إلى تعديل الدستور، وإنما من قراءة ضمنية لبعض المواد الدستورية، وهذا يحتمّ علينا البحث في المدة المتبقية لولاية رئيس الجمهورية ميشال عون الذي يبلغ من العمر 87 عاماً، ولولاية مجلس النواب المخوّل دستورياً بانتخاب الرئيس.

ولاية عون تنتهي نهاية أكتوبر/ تشرين الأول من العام 2022، في حين أن ولاية مجلس النواب الحالي تنتهي قبل ولاية الرئيس في مطلع شهر مايو/ أيار من العام نفسه، أي بفارق 5 أشهر تقريباً، وهذا يعني أن المجلس الجديد سيكون مخولاّ بشكل أوتوماتيكي بانتخاب الرئيس المقبل، وليس المجلس الحالي.

وبناء على كل ما تقدم، يبدو أنّ الرهان العوني معقود على مسألتين:

الأولى: تتعلّق بانسداد الأفق في الوصول إلى توافق ينهي الجدل الحكومي، وبالتالي الفراغ في رئاسة مجلس الوزراء إلى حين انتهاء ولاية العهد الرئاسي.

الثانية: انتهاء ولاية المجلس النيابي المحددة بـ4 سنوات، من دون إجراء انتخابات جديدة، بسبب عدم التوافق على إنجاز قانون انتخابي جديد بخلاف ذاك الذي جرت الانتخابات الماضية بموجبه، وسجلّت جهات كثيرة تحفظها عليه (“حزب الله” و”حركة أمل” يطالبان بقانون جديد يعتمد لبنان دائرة واحدة، ويرفضه “تيار المستقبل” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” و”القوات اللبنانية”).

هذان الفراغان في مؤسستين دستوريتين سيفتحان الباب أمام المقاربة التي يعدّ لها عون ويبيّتها، وقد يطرحها على اللبنانيين في حينه، طالما أنّه لم يستطع فرض صهره إلى اليوم مرشحاً رئاسياً جدياً خصوصاً بعد العقوبات الأميركية التي طالته قبل أشهر.

وقد يقول عون إن بقاءه في الرئاسة يأتي من باب تحاشي الانهيار في المؤسسات الدستورية الثلاث، وذلك من خلال بقائه بواحدة منها إلى حين ملء الشواغر، خصوصاً أنّ لعون سابقة من هذا النوع أرساها يوم رفض مغادرة قصر بعبدا عندما كان رئيساً لحكومة انتقالية، إلاّ باجتياح القصر الرئاسي بواسطة طائرات النظام السوري الحربية في 13 أكتوبر/ تشرين الأول1990، سابقة قادت لبنان إلى تغيير في النظام السياسي في مدينة الطائف السعودية، فهل يعيد التاريخ نفسه؟

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد