إيران تبدأ عملية إنتاج معدن اليورانيوم

حسن جعفري – إيران وير

أخطرت إيرانُ الوكالةَ الدولية للطاقة الذرية ببدئها أبحاثاً لإنتاج معدن اليورانيوم، وهذا إجراء مغامر وصفته صحيفة وول ستريت جورنال بأنه خطوة نحو إنتاج السلاح النووي.

تقول الصحيفة: ‘‘إن إيران بدأت أعمالها في إنتاج معدن اليورانيوم الذي يُعتبَر منتَجاً أساسياً في مركز الرؤوس النووية، وخطوةً جديدة على درب إنتاج السلاح النووي”.

وبحسب وول ستريت جورنال، أخبرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية الدولَ الأعضاء بإجراء إيران الجديد عبر تقرير سرّي. وتُشير الصحيفة إلى أنها اطّلعت على نسخة من هذا التقرير السري الذي أفادت فيه الوكالة أن عملية نصب معدات إنتاج معدن اليورانيوم ستَجري في أحد المواقع في أصفهان.

وتزامناً مع نشر هذا التقرير، أكّدت إيران أيضاً هذا الموضوع؛ فقد أعلن “كاظم غريب آبادي”، المندوب الإيراني في الوكالة، عبر تغريدة على تويتر في البداية، ثم في مقابلة مع عدد من الصحافيين أن “أنشطة بحث وتوسيع هذه العملية قد بدأت’’، وبالطبع اعتبر العملية مرتبطةً بإنتاج “نوع متطور من وقود المفاعل النووي البحثي في طهران”، وقال إن هذا الإجراء سيُنجَز على ثلاث مراحل، “في المرحلة الأولى سيتم إنجاز اليورانيوم المعدني من خلال الاستفادة من اليورانيوم الطبيعي”، كما أضاف أن مفتّشي الوكالة “زاروا معمل إنتاج صفحة الوقود قبل أيام قليلة”.

منتَج ذو وظيفة عسكرية بشكل رئيسي

لمعدن اليورانيوم استخدامات عسكرية على نحو أساسي، وقلّما يتم استهلاكه في الأمور غير العسكرية.

قبل إقرار القانون النووي الجديد كان النظام الإيراني يستمر في نفي امتلاكه منشآت إنتاج اليورانيوم، وقبل سنتين، صرّح “علي أكبر صالحي” رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية فقال: “نحن لا نمتلك معمل إنتاج معدن اليورانيوم، لكن إذا عقدنا العزم ففي إمكاننا إيجاد الأرضية لإنشاء هذا المعمل أيضاً”.

ورغم هذه التصريحات، يُشار في القانون النووي الجديد الصادر مؤخراً بشكل محدَّد إلى “معمل إنتاج اليورانيوم المعدني في أصفهان”، وبموجب المادة 4 من هذا القانون الإشكالي، فإن “منظمة الطاقة الذرية الإيرانية ملزَمة بالإقدام على استثمار معمل إنتاج اليورانيوم المعدني في أصفهان في غضون خمسة أشهر بعد المصادقة على هذا القانون”. ولا يُشار في نص هذا القانون إلى نوع المنتَج المقرَّر إنتاجُه ولا إلى مكان استهلاكه.

نقلاً عن عدد من المسؤولين الغربيين الكبار، تَكتب وول ستريت جورنال أن إيران لم تُنتِج معدن اليورانيوم حتى الآن، كما أنها لم تحدد تاريخاً بعينه لقرارها الجديد: “ومع ذلك، فهذا الإجراء يعني أنها اقتربت من تجاوز الخط؛ خطٍّ تَقع في أحد طرفيه العملية النووية باستخداماتها غير العسكرية مثلما هو مرجَّح، كالوقود النووي للمفاعلات النووية، وفي طرفه الآخر يَجري العمل على السلاح النووي الذي تُفنّده طهران على الدوام”.

ومن غير أن يشير المندوب الإيراني في الوكالة إلى التفاصيل، اكتفى بالقول إن معدن اليورانيوم سيُستخدَم بوصفه “وقوداً متطوراً في مفاعل طهران”، ولم يُقدِّم هو وغيره من المسؤولين الإيرانيين إيضاحاً حول سبب حاجة هذا المفاعل النووي إلى وقود جديد من النوع المتطور وهذه المادة الحساسة بالتحديد.

يُشار إلى أن الوقود النووي لمفاعل طهران كان أحد الإعفاءات الأميركية في التعاون مع الدول بشأن البرنامج النووي الإيراني، لكن دونالد ترامب لم يُمدِّده في آخر سنة من إدارته.

إلامَ يَسعى النظام الإيراني؟

القانون النووي الجديد الذي أُقِرّ في البرلمان بتاريخ 2 ديسمبر/كانون الأول 2020 يُلزِم الحكومةَ بزيادة الأنشطة النووية وتقليص الرقابة الدولية.

والقرار الذي أُعلِن عنه قبل أيام يُشكِّل في الواقع الخطوةَ الثالثة الأساسية على مسار تطبيق القانون النووي. وقبل ذلك بدأت عملية التخصيب بنسبة 20%، ونصْب أجهزة الطرد المركزي المتطورة، والخطوتان تَنتهكان الاتفاق النووي.

في الشهر الماضي، كان المشهد السياسي في قضية النزاع حول إقرار هذا القانون والمصادقة عليه يَتبدّى وكأن هناك خلافاتٍ بين الحكومة والبرلمان والمجلس الأعلى للأمن القومي، بل كان يجري الحديث عن أن قسماً من النظام تحايل على حسن روحاني، واستطاع استقطاب المجلس الأعلى للأمن القومي إلى صفّه من دون معرفة روحاني.

لكنّ مثل هذه الاحتمالات بعيدة عن الواقع في المشهد السياسي الإيراني، وحتى لو لم تكن هناك سيناريوهات مثل “الشرطي الجيد والشرطي السيئ” وقَبِلنا، افتراضاً أن هناك معارضاتٍ ظهرت في البداية، وأن نزاعاتٍ حدثت بشأن الإعلان عن هذا القانون أو عن مادته السادسة، فإن جميع تيارات النظام الإيراني تدعم حالياً هذه المغامرة الراهنة، ونَشهد تنسيقاً تاماً في تطبيقها بينهم.

يتفق المحللون إلى حدٍّ ما في مسألة أن النظام الإيراني يَسعى باحتمال كبير من وراء هذه المغامرة إلى كسب امتياز للمساومة عليه في التفاوض مع إدارة جو بايدن. بل كان بعض المحللين قد توقّعوا مثل هذه المغامرات من قبلُ، لكن السؤال المطروح هو لماذا؟ في حين أن جو بايدن صرّح عن رغبته في العودة إلى الاتفاق النووي!

وجواباً، لا بدّ من تذكُّر أن هناك قضيتين مصيريتين للنظام الإيراني: الأولى تصريحات بايدن بالعودة إلى كثير من الاتفاقات التي انسحب منها ترامب، لكن لا ينبغي ضياع الاتفاق النووي في طياتها، وينبغي التوجه إلى إزالة العقوبات “مباشرةً ودفعة واحدة”.

وهذه الإزالة السريعة وبضربة واحدة للعقوبات كانت في الأيام الأخيرة عبارة متكررة في تصريحات المسؤولين الإيرانيين؛ بدءاً من علي خامنئي إلى محمد جواد ظريف وعلي لاريجاني.

والقضية الثانية أن النظام الإيراني يرسل مؤشرات مغامراته الأخيرة بغرض إيصال رسالة مفادُها أنه ليس مستعداً بحال من الأحوال للذهاب أبعدَ من الاتفاق النووي، والبحث في موضوع الصواريخ وحضوره الإقليمي. على أية حال، تَعلم طهران جيداً أن الأدوات التي يمتلكها جو بايدن لا تترك مجالاً كبيراً للمساومة. ومرةً أخرى يرى النظام الإيراني أن الحل يَكمن في خلق الرعب والقلق لدى الغرب من آفاق “القنبلة النووية”.

لكن كما يرى عدد من المحللين، فليس واضحاً هل سيسير هذا المخطط بحسب الرغبات الإيرانية أو لا. بعبارة أوضح: المغامرة الجديدة تَحمل خطراً كبيراً للنظام.

أحد الاحتمالات أن تُصرّ إيران على بعض الشروط المسبقة، كإلغاء العقوبات إلغاءً تاماً قبل البدء بالمفاوضات، وتَستمر في إجراءاتها ومغامراتها كورقة ضغط. لكن ماذا لو رفض بايدن الانصياع لهذه الشروط المسبقة والمطالب الجديدة؟ هل ستستمر هذه الإجراءات وتَصل الحساسيات إلى ذروتها؟ حينها ستواجِه إيرانُ خطرَ ردّ الغرب العملي.

تحدّث بايدن عن رغبته في العودة إلى الاتفاق النووي إبّانَ حملته الانتخابية. لكنْ استناداً إلى تصريحات رافايل غروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في حواره مع رويترز قبل عدة أيام، فإن وقائع كثيرة تغيّرت. ونحن الآن أمام واقع جديد. بالطبع كان يشير إلى إحياء الاتفاق النووي تحديداً، ويقول: “إذا كانت هناك إرادة سياسية للحفاظ على الاتفاق النووي فلم يبق وقت كثير والقضية قضية عدة أسابيع فقط”.

في هذه الأثناء هناك مَن حَذّروا بايدن من فكرة العودة إلى الاتفاق النووي، على الأقل بصورته الراهنة؛ وأحد هؤلاء هو “هنري كيسينجر” السياسي الأميركي المخضرم، الذي قال قبل عدة أيام في مؤتمر عبر تقنية الفيديو: “إن الاتفاق الحالي لن تَكون له ثمرة أخرى سوى ظهور سباق الأسلحة النووية في الشرق الأوسط”.

وقال هذا السياسي الطاعن في السن (97 عاماً) في بعض تصريحاته: “إنه لا يبدو أن قادة إيران فكّروا أساساً في احتمالية التخلي عن تركيبة الإمبريالية الإسلامية والتهديد”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد