أطفال طهران .. ذكريات اللاجئين اليهود عن حُسن ضيافة الإيرانيين

ديدي تال- إيران وير

يتناول كتاب “أطفال طهران” حكاية اليهود، وبشكل رئيسي اليهود البولنديين الذين نزحوا في خضمّ الحرب العالمية الثانية من الاتحاد السوفيتي إلى إيران واستقروا في طهران. أُعِدّ هذا الكتاب بعد تحقيقات كثيرة قامت بها المؤلفة، ويَشرح حكاية والدها الذي كان واحداً من أطفال طهران. التقرير التالي من إعداد “ديدي تال” في وصف الكتاب، وحوار مع ثلاثة من المتبقين من أطفال طهران.

نُشر كتاب أطفال طهران في أكتوبر/تشرين الأول 2019. عنوانه الكامل هو “أطفال طهران: السفر مع لاجئ هولوكوستي” من تأليف “ميخال دكل”؛ وهو خليط من الذكريات والتاريخ.

صحيح أن المؤلفة بدأت بحثَها بمعرفة حياة والدها، لكنها انتهت إلى الكشف عن زوايا مَنسية تماماً من الحرب العالمية الثانية. وتجربتها الشخصية جعلتها تُسافر في بطون الكتب، وتَنبش فيها تنقيباً ودراسةً، وتزور دولاً في أوروبا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، لا لشيء إلا لمعرفة أعمق التجارب الشخصية وأكثر اللحظات التاريخية جوهريةً (أحد الأمثلة “اتفاق مولوتوف-ريبنتروب” الذي نصّ على عدم الاعتداء بين ألمانيا والاتحاد السوفييتي، وأُبرِم في 1939. وهذا الاتفاق هو الذي مكّن الدولتين من تقسيم بولندا بينهما).

وحتى ذلك التاريخ كانت قصة أطفال طهران هامشية لا يُكترَث لها. هؤلاء اليهود البولنديون الناجون من الهولوكوست خاضوا رحلة طويلة عبر سيبيريا وطهران ومنها إلى إسرائيل؛ فأفلتوا من حبال العنصرية والإبادة الجماعية على يد النازيين الألمان، لكنهم عانوا مصائب أخرى قلّما جاء الحديثُ عليها.

في 1939 احتلّت ألمانيا والاتحاد السوفييتي بولندا. وخضع القسم الشرقي منها للاتحاد السوفييتي الذي أرسل بين 200 إلى 300 ألف يهودي من تلك المناطق إلى معسكرات العمل الإجباري في سيبيريا.

ذكريات رجلَين طاعنين في السن عن أيام طهران

حين اشتعلت نيران الحرب العالمية الثانية، كان عمر “جورج لانداو” (88 عاماً حالياً ) وأخيه “هنري لانداو” (90 عاماً حالياً) 7 و9 أعوام على التوالي. ولا يزالان يتذكران جيداً تلك الرحلة الصعبة التي استغرقت عدة أسابيع. في مسقط رأسيهما في مدينة لفيف (Lviv) وُضِعا بشكل مضغوط في سيارة “بيك اب” خاصة بنقل الحيوانات، ولم يُخبرهما أحد بشيء عن مقصدهما. كلُّ ما كانا يُخمّنانه أنهما ذاهبان إلى مكانٍ قارس البرودة؛ ومَردُّ ذلك أن الجندي الروسي الذي أيقظهما مع والديهما في منتصف الليل قال لهما: “البسا لباساً سميكاً”.

هذان الأخوان الحيويان والمتفائلان يُقيمان الآن في ولايتَـي كاليفورنيا ونيويورك، وحاورتُـهما من خلال برنامج “الزوم”. كلاهما أخبرني أن كتاب أطفال طهران عملٌ كانا ينتظرانه منذ زمن بعيد.

وخلافاً لمعظم أطفال طهران، فإن هذين الأخوين لم ينفصلا قَطُّ عن والديهما في تلك السنوات. أُرسِل الأربعة إلى معسكر العمل في سيبيريا. وبعد الإفراج عنهم في 1941، توجّهوا إلى أوزبكستان. وبحسب الأخوين، كانت رحلةً “معجزة إعجازاً تاماً”. وفي وقت كانت تعاني فيه هذه العائلة من فقر شديد وجوع قاتل وتشرد فظيع، حَظيت على طريقها الطويل بموجات من الحنان الإنساني خَصَّها به أشخاص مختلفون. ولاحقاً عثرت أمُّهما على أخيها مصادفةً في أحد الأسواق بعد سنوات من البعد، وكان قد أصبح جندياً في الجيش البولندي.

على أية حال، استطاعت العائلة الحصول على تأشيرة الدخول إلى أستراليا، فركبت القطار الذي عبَر بهم بحر قزوين مُخلِّفين وراءهم الاتحاد السوفييتي قاصدِين إيران.

أوّل صورة يَتذكرانِـها عن إيران هي حُسن الضيافة والحنان: مساعد سائق الشاحنة التي أقلّتهم من إحدى القرى إلى طهران رأى أن ربَّ الأسرة منشغل بدعاء وقت السَّحر طوال الطريق. وكان يعرف هذا الدعاء لأنه كان هو أيضاً يهودياً. فبدأ يتحدث معهم بالعبرية، ثم أخذ العائلةَ إلى منزل والده، حيث بَسطوا لهم مائدة طعام مَهيبة لم يَكونوا قد رأوا مثلها منذ زمن طويل. ولاحقاً أدركوا أن هذا لم يكن إلا المقبّلات، وأن الطعام الرئيسي في طريقه إليهم.

ويَحمل الأخوان لانداو ذكرياتٍ سعيدةً عن العامين اللذين أمضياهما في طهران. كانت المرةَ الأولى التي يَستعيدان فيها طفولتهما؛ فارتادا المدرسة، وركبا الدراجة الهوائية، وكانا يتسللان إلى السينما خِفْيةً.

وبسرور وحُبور يَسردان أنهما ذهبا ذات يوم إلى سينما في فضاء مفتوح لمشاهدة فيلم كارتون. انتظرا طويلاً حتى غابت الشمس. لكن حين أظلم الجو لم يَكن هناك عدد كافٍ من المشاهدين، فاستمرا في الانتظار. وفي نهاية المطاف بدأ الفيلم الذي لم يكن كارتوناً بل فيلماً أميركياً تَجري أحداثه في نيويورك. ويقول الأخوان إن إنكليزيتهما لم تكن جيدة لكنهما يَضحكان ويقولان كان يتم توقيف الفيلم كل بضع دقائق وتَظهر الترجمة الفارسية في وسط الشاشة. كانت لحظات هانئة لهما.

عائلة لانداو وبقية النازحين اليهود أقاموا قرب كنيسة يهودية في طهران.

ذكريات “بلجمن” الـمَنسية

وخلافاً لذلك الأخوين، لا يتذكر “موشة بلجمن” ذكرياتٍ ذاتَ بال عن طهران. يُقيم حالياً في كاليفورينا، ويَقول لي عبر الهاتف إن مساعيه في السنوات السابقة لم تُفلح في تذكُّر تفاصيل تلك الحقبة. كما لا يُبدي رغبةً في الحديث عن ذكرياته عن الحرب، ولا يَذكر سوى عبارات قصيرة مليئة بالأسى عن موت والده في معسكر سيبيريا، وكذلك فقدان أمه وإحدى أخواته.

نُقِل إلى طهران برفقة مجموعة مكوّنة من 300 شخص. لم يكن سوى ثلاثة أشخاص يهود في هذه المجموعة (هو وأخته وأحد أقربائه)، وبقية الأطفال جميعهم أيتام مسيحيون بولنديون.

وبقيت أختا موشة الأخريتان في معسكر الاتحاد السوفييتي، لأنهما اعتُبرتا بالغتين. وإحداهما حالفها الحظ في النجاة، وبعد أن أمضت سنوات في معسكر الأَسرى في قبرص توجّهت إلى إسرائيل المكوّنة حديثاً حينها.

على أية حال، حين وصلت هذه المجموعة إلى طهران، قرر الأطفال اليهود الثلاثة الانفصال عنها. وعندما كانوا يتضورون جوعاً ولا ملجأ لهم وضائعين على أحد الأرصفة، رآهم أحد المارّة وبدأ يتحدث معهم بالعبرية. وبعد مرور هذه السنوات كلها، لا يزال موشة بلجمن يَجهل كيف عرف ذلك العابر أنهم يهود. على كل حال، فقد أخذهم إلى دار أيتام خاصة بالنازحين اليهود. بقُوا هناك مدّة سنة، إلى أنْ أَعدت مؤسسة “إسعاف اليهود” العدّة لإرسالهم إلى فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني حينها.

يقول بلجمن إن ذكراه الأصلية عن طهران هي قلة الطعام المؤلمة. وخلافاً للأخوين لانداو، لم يَكن يذهب إلى المدرسة.

تُشبه قصةُ بلجمن إلى حد كبير قصةَ والد ميخال دكن المسرودة في كتاب أطفال طهران؛ فوالد ميخال أيضاً لا يبدي رغبة كبيرة في الحديث عمّن لقُوا حتفهم في الحرب.

لكن بلجمين يَحكي بشوق وتوق عن دخوله إلى فلسطين في العام 1943؛ يتحدث عن دخوله إلى مجتمع متدين، وعن نجاحه كتلميذ ثم كمعلّم. ولا يملّ من تكرار جملة واحدة هي: “لقد عشتُ تاريخَ الشعبِ اليهودي كلَّه”.

يُثني جورج وهنري لانداو على كتاب ميخال دكل كثيراً: “لن نُعطي هذا الكتاب حقَّه مَهما مدحناه”.

وطيلة السنوات الماضية استمر الأخوان يحاولان من خلال المذكرات المطبوعة لوالدهما الدكتور “ماير لانداو”، وكذلك من خلال غيرها من السندات والوثائق الكثيرة أن يُسمِعا صوتَيهما للعالَـم يقولان: “لم يكتفوا بعدم اعتبارنا من بقايا الهولوكوست، بل لم يكن أحد يَعرف بوجودنا. ولم يكن أحد يَعرف أن اليهود مسجونون في الاتحاد السوفييتي أيضاً”.

يتذكر الأخوان يومَ ألقيا خطاباً في متحف الإرث اليهودي في نيويورك. هناك أدركا أنْ الجمهور لا يعرف شيئاً عن هذا الجزء من التاريخ اليهودي يقولان: “إذا كان هؤلاء لا يعرفون شيئاً عن هذا الموضوع فمن الذي يعرف!؟”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد