أطفال طهران .. حين كانت إيران ملاذاً لليهود

آرش عزيزي – إيران وير

يتناول كتاب “أطفال طهران” حكاية اليهود، وبشكل رئيسي اليهود البولنديين الذين نزحوا في خضمّ الحرب العالمية الثانية من الاتحاد السوفييتي إلى إيران واستقروا في طهران. أُعِدّ هذا الكتاب بعد تحقيقات كثيرة قامت بها المؤلفة، ويَشرح حكاية والدها الذي كان واحداً من أطفال طهران. والتقرير التالي هو عن هذا الكتاب، كما تَرِد فيه أجزاء من حوار مع مؤلفته.

عاشت “ميخال دكل” طفولتها في ميناء “حيفا” في إسرائيل، وكما هو الحال هناك، كانت تُسأل عن تاريخ والديها، وعندما تُسأل هل كان أبوها من بقايا الهولوكوست، تُجيب قائلةً: “لا، لم يكن. كان من بين أطفال طهران”.

بقي مصطلح “أطفال طهران” غامضاً ومليئاً بالأسرار بالنسبة للشعب الإسرائيلي لعدة أجيال. وهو مصطلح يُطلَق على مَن لاذوا بالفِرار من أوروبا الشرقية، ومن بولندا الخاضعة للاحتلال الألماني بصورة خاصة، ولاحقاً وصلوا عبر طهران إلى فلسطين، وبعد تشكُّل دولة إسرائيل، بقي فيها كثير منهم.

بطبيعة الحال يُعتبَر أطفال طهران من بقايا الهولوكوست، ذلك أنهم فرًّوا من الإبادة الجماعية لليهود على يد ألمانيا النازية، لكن ميخال دكل تَشرح سبب عدم إدراج والدها ضمن الناجين من الهولوكوست في كتابها الأخير الـمُعَنوَن بــ “أطفال طهران.. السفر مع لاجئ هولوكوستي”، تَكتب: “عندما كنت يافعةً أعيش في إسرائيل، كان الناجون من الهولوكوست يعيشون في هالةٍ من الحياء والاضطراب الخفيّ، لكن أطفال طهران لم يكونوا كذلك؛ لقد كانوا إسرائيليين، يُقيمون في الكيبوتس، ويَصلون إلى رتبة الجنرال في الجيش، ويصبحون شخصيات إعلامية، ويمتلكون المعامل. هؤلاء ليسوا المطرودين من أوروبا بل المدعوون من إسرائيل”.

وبعد عدة سنوات هاجرت ميخال إلى أميركا، وعملت في تدريس اللغة الإنكليزية وآدابها في جامعة نيويورك. في 2007 أدّى لقاؤها التصادفي بزميل إيراني في الجامعة نفسها إلى أن تَبدأ رحلة طويلة انتهت بعد 12 عاماً إلى نشر كتابها البارز هذا.

وبالطبع لا يقتصر كتاب أطفال طهران على دراسة تاريخ والدها وما عاناه في رحلته الـمُضنية من بولندا إلى فلسطين، بل هو حكاية عدة مئات من اليهود البولنديين الفارين من مقتلة النازيين واللاجئين إلى الدول الإسلامية كأوزبكستان، وكازاخستان، وتركمنستان، وإيران، والهند، وبقيت تفاصيل حياة هؤلاء الأشخاص مَخفيةً وراء لقب أطفال طهران لسنوات طويلة.

وحين سألتُ ميخال دكل عن الأثر الذي خلّفته هذه الرحلة التي استغرقت 12 عاماً من البحث عن تاريخ والدها في معرفتها السابقة عنه، أجابت: “إنها غيّرت جميع ما كنتُ أعرفه عن ماضي والدي. في الماضي لم أكن أعتبر والدي من بقايا الهولوكوست، ولم أكن أعرف شيئاً عن تجربته في إيران أو في أماكن أخرى في زمن الحرب العالمية الثانية. كما لم أكن أعرف شيئاً عن ماضيه في بولندا ما قبل الحرب. كلُّ ما كنت أعرفه أنه نجا بجلده، وأنه نُقِل عبر طهران إلى فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني حينها. أمّا كيف وصل إلى طهران، ومَن نَقله فهذا ما كنت أجهله. بعبارة أوضح: كأن تاريخ عوالم أبي والهولوكوست فُتِح أمام ناظريّ”.

لم يكن “هانان نايتل” والدُ ميخال دكل وحيداً في رحلته الطويلة. أدركت ميخال بعد أبحاثها أن مئات النازحين الآخرين أيضاً ساروا على طريق هانان وأخته حتى وصلوا إلى إسرائيل.

وتُضيف المؤلفة: “القصة التي أسردها في الكتاب هي قصة معظم النازحين اليهود البولنديين الناجين من الهولوكوست ممن عبَروا دول الاتحاد السوفييتي أو إيران وفلسطين ولبنان وسوريا والهند وغيرها”. وتشرح أكثر: “الذي بدأتُه بوصفه مذكرات والدي صار تاريخ مجموعة كبيرة من بقايا الهولوكوست الذين كانوا بولنديين في معظمهم”.

تتطرق أجزاء من الكتاب إلى أبحاث ميخال دكل في تتبعها آثار والدها في مناطق مختلفة. لكنها تَستثمر البحث في بطون الكتب والأرشيفات أيضاً، وتستفيد من أعمال مؤرخين مثل “ليور سترنفلد” الذي يَستعمل في كتبه مصطلح “إيران البولندية”؛ والمراد به دور اللاجئين البولنديين (وكثير منهم كانوا يهوداً) في تشكيل إيران المعاصرة.

من طهران إلى طهران

بدأت رحلة ميخال دكل الطويلة من مقالة لـ “عباس ميلاني”، باحث ومؤرخ إيراني، ألّف ميلاني هذه المقالة ردّاً على تهمة أن إيران كانت على علاقة بالألمان في زمن الهولوكوست. وجاء فيها: “حين كانت آلة القتل النازية تَعمل في ذبح اليهود البولنديين البريئين في المسالخ، أُرسِل ألف و388 يهودياً، منهم 871 طفلاً إلى طهران. فأمضَوا فترة في الفضاء الآمن نسبياً، ثم نُقِلوا إلى إسرائيل”.

بعد قراءتها هذه الكلمات، بقيت عيونُ ميخال عالقةً إلى شاشة حاسوبها، وتذكرت والدها الذي وافته المنية في 1993. كما تذكرت عمّتها “ريوكا” (رجاينا) التي لا تزال على قيد الحياة. وتكتب في الكتاب أنها برغم معرفتها الدائمة لمصطلح أطفال طهران إلا أنها لم تفكر يوماً بكلمة “طهران” كمكان حقيقي.

ميخال مواطنة إسرائيلية وممنوع عليها السفر إلى إيران. لكنها سافرت إلى غيرها من الأماكن التي توقّف فيها والدها؛ من بولندا إلى سيبيريا وأوزبكستان. بدايةُ ونهاية الكتاب في إيران؛ البلد الوحيد الذي عجزت المؤلفة عن السفر إليه، وفي الأقسام المتعلقة بإيران استفادت من مساعدة زميلها الإيراني “سالار عبده” الذي فرّ مع عائلته من إيران في أعقاب ثورة 1979 وكان يُعتبَر لاجئاً.

سألتُ ميخال هل يؤكد كتابُـها الزعم القائل إن يهود بولندا لقُوا ضيافة كريمة في إيران، فأجابت: “حقاً أظن أن الإيرانيين كانوا مِضيافين تجاههم، ولا سيما حين كان أحدهم يَعتني بهم فجأة ومن دون سبب. وإذا عرفنا أن اليهود عاشوا تجارب مريرة ومَهولة في زمن الحرب، فلو قدّمَ لهم أحدٌ قطعة سكّر لاعتبروه حدثاً لافتاً”.

وتضيف: “حين وصل اللاجئون إلى ميناء بهلوي (إنزلي حالياً) في 1942، حدَّق كثيرون في هؤلاء المشردين والأطفال. فقدّموا لهم عفوياً الطعام وغيره، وبدلاً من الكراهية كانوا يَنظرون إليهم نظرةَ شفقةٍ. ويَذكر النازحون السابقون أن أفقر العمال كان يُقسِّم طعامه القليل معهم في طهران”.

وعن كيفية وصول هؤلاء إلى إيران، تقول ميخال: “إن الأمر كان مصادفة إلى حدٍّ ما. كان النظام الإيراني يتعامل تعاملاً براغماتياً مع القضية، ولم يكن التعامل مع اللاجئين سيئاً؛ على الأقل في حكايتي لم أشهد التعامل السيئ حيالهم. وبالطبع بعد عدة سنوات أُقيمت مظاهرات ضد اللاجئين وحضور الأجانب في إيران، لكن سبب ذلك كان قلة الطعام. وأنا شخصياً لا أرى تقصيراً لدى الإيرانيين، لأنهم كانوا يعيشون في ظروف اقتصادية قاهرة”.

بعد نشر كتاب أطفال طهران، تلقّت المؤلفة رسائل كثيرة مفادها أن عدد النازحين اليهود البولنديين في طهران كان أكبر بكثير مما كانت تتصوره في بداية عملها: “ربما المئات منهم بقُوا في طهران وتابعوا حياتهم هناك. كانت إيران مختلفة بالنسبة لهم، لأنهم لم يعيشوا في معسكرات النازحين، بل سكنوا في المنازل في المدن. أضفْ أن بعض اللاجئين كانوا من اليهود الألمان الذين ارتحلوا إلى إيران بعد تسلُّم هيتلر مقاليد السلطة، وكانوا يعملون كأطباء ومهندسين. وكثير منهم عاش في إيران من 1933 إلى نهاية الحرب العالمية الثانية”.

أبطال الحياة اليومية

ما يميّز كتابَ أطفال طهران أنه لا يبقى أسيراً لازدواجية “الضيافة الحارة” و“التعامل السيئ”، بل يرسم صورة رمادية بين الأمرين، ويُقدِّم سرداً عن رحلة النازحين في تلك المرحلة الصعبة. بعبارة واضحة: هذا الكتاب لا يحكي قصة الأخيار والأشرار، ولا يتناول البطل والبطل المضاد. وفي هذا الصدد تقول ميخال دكل: “لا تَستهويني حكاياتٌ نَقف فيها على بطل أو عدة أبطال يتعاملون تعاملاً رائعاً لا نقص فيه مع اليهود ويُنقذونهم. أعتقد أن الأمور أكثر اختلاطاً من هذا في أكثر الأحيان. نعم، فالناس يَخضعون لاختبار، وتعامُلُ بعضهم حسن وتعامُل بعضهم سيئ، لكنْ عادةً ما تَكون هناك شبكة كاملة ولا يَتصرف الشخص وحيداً”.

من هنا، لا نستغرب عدم شغف ميخال دكل بأفلام هوليودية معروفة مثل “قائمة شندلر” و“زوجة حارس حديقة الحيوان”، لأن “هذه الأفلام ليست عن الضحايا بل عن منقذيهم؛ إنها أنيقة أكثر مما ينبغي، وتَعْرض صورة مشوّهة”. وفي حواري معها تُردِف: “بطل قصتي هو البراغماتية والتعاون بين المنظمات، مَن لا تَجمعهم الصداقة بالضرورة، بل ما أكثرَ أن يكونوا أعداء، لكنهم يتعاونون بغرض إنجاز عمل صائب حتى لو افترضنا أنه مؤقت”.

نشاهد في جميع أرجاء الكتاب “أبطالاً لكل يوم” وبراغماتيين؛ على سبيل المثال: أعضاء الجالية اليهودية سَواءٌ في فلسطين أم في نيويورك ممن يُنظِّمون المساعدات للاجئين، أو المسؤولون عن دار أيتام يهودية في إيران ممن كانوا يُقدِّمون أدوات بسيطة للأطفال كالملاحف.

تقول ميخال إن تصرُّف جدها وجدتها أيضاً أثّر فيها؛ فكان عليهما أن يَتّخذا قراراً صعباً للغاية بشأن عائلة تتكون من أربعة أشخاص تَعيش في أوزبكستان، هل يتركان ولديهما يَذهبان إلى طهران من دون مرافقتهما أو لا؟ ذلك أن الأطفال وحدهم كانوا يستطيعون الانضمام إلى هذه الرحلة. كان الوالدان يَعلمان أن في طهران طعاماً أكثر، كما أن حظوظ البقاء على قيد الحياة أكبر: “ومع أنه كان مجهولاً هل سيَرَيان أولادهما مرة ثانية أو لا، إلا أنهما لم يتخلّيا عن واجبهما كوالدين”. وهذه تجربة قاسية على والدين يَعلمان أن الحل الوحيد لضمان أمن ولديهما هو الانفصال عنهما.

من إسرائيل إلى إيران

أطفال طهران كتاب عن بناء الأمة الإسرائيلية، وسرعان ما يفهم القارئ أن المؤلفة إسرائيلية. وفي هذا الشأن تقول إنها كانت تَختلف مع الأكاديميين الليبراليين ممن لهم رؤية سلبية تجاه إسرائيل.

وجواباً عن سؤال متعلق بالدور الذي أدّاه إسرائيليّتُها في صياغة الكتاب، تقول: “هذه هويتي. قد يسألني من يَعرفونني كيف لك أن تسافري هذه الأسفار الخطرة وحيدةً؟ وهذا يعود إلى كوني إسرائيلية: فنحن نفعل أولاً ثم نفكّر في عملنا! وثقتي بنفسي عائدة إلى ترعرعي في إسرائيل”.

وفي ما يتعلق بدور الصهيونية وإسرائيل وكيف مَنَح الكتابُ حياة أخرى لوالدها، تَشرح ميخال دكل: “هذا الكتاب ليس عن الصهيونية كإيديولوجيا، بل هو عن مساعدة اليهودي لليهودي؛ عن اضطرار اليهود إلى تقديم يد العون لبعضهم بعضاً لأن الآخرين لا يُساعدونهم مطلقاً. ناهيكم أن هذا الكتاب يَعرِض اندماج اليهود في عالَـم أرحب”.

وبعبارة شاعرية، لقد عاشت وعايشت المؤلفة رحلة طويلة، ووقفت على أشياء كثيرة تخص والديها، غير أنها رحلة تؤكِّد لبَّ النسخة الإسرائيلية من أطفال طهران، تقول: “في نهاية المطاف، وصلتُ إلى مكاني الأول. كان ترعرعي في إسرائيل هو الذي كوّن معرفتي عن هذه القصة. كانت كل معرفتي تقتصر على دور الإسعاف اليهودي، وفي نهاية الأمر أدركت أن هذا صحيح؛ فهُم مَن أوصلوا الأطفال إلى “ييشوو” (Yishuv: الجالية اليهودية في فلسطين قبل تشكُّل دولة إسرائيل في 1948). هذه المؤسسة هي التي منحتهم مستقبلاً، وفي اللحظة التي افتقدوا فيها جميع الخيارات منحتهم أمناً وأماناً”.

أنا والمؤلفة كلانا لا نستطيع السفر إلى إيران. وحين سألتها هل تحب السفر إليها؟ أجابت ولهفتها باديةٌ حتى من خلف أسلاك الهاتف: “سيكون حلماً حقيقياً. أحب أن أمشي في طهران، وأجلس في مقاهيها وأرى لياليها. أحب الدخول إلى عوالمها الثقافية، وأشاهد مسرحياتها، وأزور جامعاتها. أحب زيارة مقبرة إستر في همدان، وأزور المكان الذي كان معسكراً لوالدي واليوم أمسى قاعدة جوية. ما زلت متفائلة”.

في بؤرة هذه الشهادة المزلزلة والمؤثرة أملٌ يَلوح في الأفق؛ ليس أملاً بنهاية سعيدة بل بأن العذابات القاتلة قد تنتهي ذات يوم؛ وهي تَنتهي أحياناً.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد