دعم إيران المالي لبعض وسائل الإعلام الأفغانية

دانيال دايان – إيران وير

الحضور الشيعي الكبير في “هَرات” ووفرة الموارد المالية فيها يَجعلان من هذه المحافظة الأفغانية الغربية مهمةً جداً لإيران، إلى درجة أن الهراتيين يقولون إن أنشطة إيران الدعائية فيها زادت زيادة لافتة في السنوات الأخيرة.

إن تصريحات المسؤولين الأفغان عبر وسائل الإعلام، وكذلك الأخبار التي يأتي بها المواطنون عما يُقال على منابر صلوات الجمعة تنمّ عن تكثيف أنشطة إيران الدعائية في هرات.

وتأسيساً على معلومات موقع “إيران وير”، تَدفع القنصلية الإيرانية في هرات جزءاً من تكاليف القناتين التلفزيونيتين “استقلال” و“تابان”، وكذلك وكالة الأنباء “وطن 24”، حتى يتسنى لها نشر مضامين بروباغندا النظام الإيراني، وبالطبع مراعاة الرقابة الإيرانية وخطوطها الحمراء. يقول مدير سابق في قناة استقلال إنه لم يَكن يُسمَح لكثير من الأخبار المرتبطة بخلق الشكوك في نظام الجمهورية الإسلامية.

 “محمد”، (اسم مستعار) لمدير سابق في هذه القناة أوضح لـ “إيران وير” أن الرقابة كانت تُفرَض على الأحداث المغايرة للمصالح الإيرانية في تلفزيون استقلال، وقال إنه حين كان مدير “غرفة الأخبار” في القناة يتم حذف بثّ التجمعات الاحتجاجية الأفغانية ضد النظام الإيراني وأضاف: “عدة مرات مَنعوا بثَّ هذه الاحتجاجات على شاشة قناتنا. كان واضحاً أن إيران تدفع جزءاً من تكاليفها؛ بحيث إن السياسات الإخبارية للقناة كانت تسير في الاتجاه ذاته الذي يسير فيه إعلام النظام الإيراني. وكثيراً ما أبديت احتجاجي، وفي كل مرة يتم تهديدي بالطرد من القناة”.

مدير مسؤول في تلفزيون هرات المحلي فضّل عدم الكشف عن اسمه قال لـ “إيران وير”: “إن القنصلية الإيرانية طلبت منه أكثر من مرة نشر مقاطع مصورة دعائية ضد السعودية وتدخلها في اليمن مقابل دفع الأموال له”.

كما أن مصدراً في رئاسة الأمن القومي في هرات أفاد لـ “إيران وير” بشرط التكتم على هويته أنهم اعتقلوا قبل زهاء عامين صحافيَّين بتهمة “التجسس” للنظام الإيراني ولاذ صحافيٌّ ثالث بالفرار إلى إيران.

في الوقت ذاته، تُقيم القنصلية الإيرانية في محافظة هرات سنوياً دورات إعلامية قصيرة للمهتمين بالصحافة، وغالبية هذه الدورات تقام في “جامعة العلامة الطباطبائي” الواقعة في مدينة مشهد، ويعتقد كثيرون أن معظم هؤلاء الإعلاميين يَعملون في وسائل إعلام خاضعة للنظام الإيراني لتحقيق أهدافه.

وفي مثال آخر، يقال إن مراسل “صوت الأفغان” أو “آوا” التابع لفرع “تبيان” في هرات أَرسل صوت أحد مسؤولي هذه المحافظة، وهو يتحدث في اجتماع خاص ضد النظام الإيراني، إلى السلطات الإيرانية.

لكن البروباغندا الإيرانية لا تقتصر على وسائل الإعلام الأفغانية والنفوذ الإيراني فيها، بل هناك منفذ آخر هو العلماء الشيعة في هرات ممن تَلقَّوا تعليمهم في الحوزات العلمية الإيرانية ولا سيما في مدينة قم؛ بعض رجال الدين يَحثون المواطنين الأفغانيين في خُطب صلاة الجمعة على قبول النهج الإيراني. ويبدو أن هذه البروباغندا تَزيد من أنصار النظام الإيراني.

“علي”، مواطن هراتي، يشرح لـ “إيران وير” أن إمام أحد المساجد لا يَنفك يُشدِّد على أن إيران هي الداعم الوحيد للشيعة في العالم، ويقول على لسانه: “في الحقيقة، بقدر ما تدعم السعودية حقوقَ السنّة تَدعم إيران حقوق الشيعة”.

كثير من هذه التيارات الشيعية تبذل قصارى جهدها في تعبئة الأفغانيين تحت راية “لواء فاطميون”، والمحاربة من أجل المصالح الإيرانية. وإثر هذه البروباغندا، دخل كثير من الشباب الأفغاني ساحة الحرب لمصلحة إيران، وكثير منهم فقدوا حياتهم، وإن لم تكن هناك إحصائية دقيقة لعدد القتلى.

ومن الفرص الأخرى التي يستغلها النظام الإيراني للتسلل وإعمال نفوذ أكبر في أوساط الشيعة في أفغانستان إقامة معارض فنية وثقافية؛ ففي أيام المناسبات، مثل يوم انتصار الثورة الإسلامية وأسبوعية “الدفاع المقدس”، يُقيم النظام الإيراني مؤتمراتٍ ومعارضَ، وفي العام الجاري، عُلِّقت في مناطق مختلفة من محافظة هرات صورٌ لـ “حامد كرزاي”، الرئيس الأفغاني السابق، وعدد من القادة الجهاديين بدعم من “فيلق القدس”، لكن بعد موجة من الانتقادات تمت إزالة الصور.

وفي الإطار نفسه، في السنوات الخمس الأخيرة على الأقل أُقيمت معارض الخط والرسم للفنانين الإيرانيين برعاية القنصلية الإيرانية في هرات، ويرى محللون منتقدون للنظام الإيراني أن الهدف من جميع هذه الإجراءات هو الترويج للنظام الحاكم في إيران، وتوسيع نفوذه في أوساط المواطنين الأفغان.

كذلك فإن إقناع أصحاب رؤوس الأموال الأفغان لإخراج أموالهم واستثمارها في إيران مسعًى آخر من مساعي إيران. في هذا الصدد، يَشرح “نثار أحمد توكلي” مدير “نقابة الصاغة”، لموقع “إيران وير” أن النظام الإيراني يُقدِّم للصاغة الأفغانيين جميع الخدمات والتسهيلات ليستثمروا أموالهم في إيران ويقول: “حين يرحل صاغة هرات إلى إيران، تُقدِّم لهم الأخيرةُ بطاقةَ الإقامة والسكن وغير ذلك من خدمات الرفاهية”.

في أكتوبر/تشرين الأول 2020، تحدّث “سيد وحيد قتالي” عمدة مدينة هرات عن أنشطة النظام الإيراني في خلق الرعب والهلع فيما يتعلق بنقل رؤوس الأموال إلى إيران وهدّد قائلاً: “سأحرِّم النوم على الدولة المجاورة إذا أرادت نقل مدينتنا الصناعية إلى بلدها. لقد أحدثوا الرعب، لتذهب رؤوسُ الأموال، وتذهب الدولارات والذهب إلى هناك، ونعيش نحن في ظل الفقر والتعاسة!”. بالطبع لم يَذكر عمدة هرات اسم إيران، لكن الجميع يعلمون أن الدولار والذهب يُهرَّبان من هرات إلى إيران.

يبدو أن النظام الإيراني يستغل التيارات الإرهابية، ويُشجِّع أصحاب الأموال على الخروج بها من أفغانستان.

ما أُشيرَ إليه في هذا التقرير هو إلقاء نظرة على مساعي النظام الإيراني لإيجاد نفوذ أكبر في المجتمع الأفغاني، واستقطابه التيار والاتجاه الشيعيَّين، ولذلك فحضوره لا يقتصر على وسائل الإعلام، ولا على خطب الجمعة، بل تتزايد أنشطته العسكرية والاقتصادية والعمرانية في أفغانستان. وصحيح أن النظام الإيراني يُفنِّد هذه التدخلات، ويقول إن القرار بشأن مستقبل أفغانستان يعود للشعب الأفغاني نفسه، لكنْ مَن ذا الذي يجهل كيف يَنشر النظام الإيراني في السنوات الأخيرة قِيمَه في هذا البلد؟ وسنكتفي بحالة إشكالية فقط، هي لواء فاطميون، وكيف استطاع أن يَغسل عقول الأفغانيين بالوعود التي قُدِّمت لهم، ويَتوجَّه بهم إلى الخط الأول من الحرب السورية حيث لقي الكثير مصرعهم في سبيل مصالح إيران؛ آلاف الشباب لا يَعلم أحد مكانهم الآن، ولا أين جثامينهم، ولا حتى أولئك الذين فرّوا بجلودهم ويعيشون الآن سرّاً في أفغانستان.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد