إقامة الدعاوى على إبادات جماعية كالهولوكوست خطوةٌ نحو المستقبل

ماهرخ غلامحسين بور – إيران وير

قبل أسابيع وموقع “إيران وير” يُعِدُّ ويَنشر مقالات متعددة حول الإبادات الجماعية والهولوكوست ومعاداة اليهودية ونظريات المؤامرة. “شاديار عمراني” الباحث في علم الاجتماع يُجيب عن سؤالنا: أين تَكمن أهمية “إقامة الدعوى” في الإبادات الجماعية؟

منذ سنوات طويلة وهذا الباحث في علم الاجتماع الثقافي والجغرافيا البشرية يَكتب أبحاثاً في مجال الإبادات الجماعية والتطهير العرقي، وما تُخلِّفه هذه الإبادات من تداعيات، وتُركِّز بعض دراساته على موضوع “نفي الأرمن وإبادتهم الجماعية” في الدول التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية، وحالياً يَكتب أطروحته في جامعة واشنطن الـمُتمحورة حول قضية التأثير المتبادل للفضاء والتنقل الثقافي الديني في عملية هجرة التحضر والاستقرار في بيروت، كما أن شاديار عمراني عضو في كلٍّ من جمعية دراسات الشرق الأوسط، وجمعية الدراسات المتكاملة، والجمعية الوطنية للدراسات النسوية.

حاوره “إيران وير” في موضوع أهمية إقامة الدعوى لمصلحة ضحايا الهولوكوست وبقية مسائل الإبادة الجماعية في التاريخ البشري. يقول شاديار: “رغم أن ضحايا الهولوكوست ليسوا أحياء إلا أن إقامة الدعوى لهم والمطالبة بإنصافهم حركة يَحتاجها العالَـم لأجياله اللاحقة”.

س: إن المطالبين بإقامة الدعاوى ضد الكوارث والإبادات الجماعية كالهولوكوست هم في الدرجة الأولى ضحاياها. على مَن تُطلَق “الضحايا” بالضبط؟

ج: حين يجري الحديث عن إقامة الدعوى يَكون أمامنا ثلاثة أصناف من المطالبين بإحقاق الحق وإقامة العدل، ويُطلَق عليها جميعاً “ضحايا الإبادة الجماعية”. الصنف الأول والرئيسي هم مَن تعرّضوا على نحو مباشر للظلم والتصفية؛ قُتِلوا أو مضى جزء من حياتهم في السجن وتحت التعذيب. في كارثة الهولوكوست، ضَمّ هذا الصنف عدداً كبيراً من البشر قضوا نحبهم في تلك الأيام في محارق معسكر “أوشفيتز”، ومن بقي حياً منهم عانى أشد العذاب، وهؤلاء ليسوا أحياء ليطالبوا بحقهم، وهذا حال كثير ممن يتعرضون لظلم الإبادة الجماعية أو الإعدام الجماعي.

الصنف الثاني مَن يتعرض للظلم بسبب أحد آخر، كعائلة الشخص المقتول أو أقربائه وأصدقائه ممن أثّرت فيهم الكارثة بشكل غير مباشر.

أما الصنف الثالث فهو المجتمع الذي عانى معاناة فظيعة من تجربة القتل المريرة التي طالت أفراده وشرائحه وشَهِد أزمة اجتماعية، وقد يكون هذا المجتمع أقلية صغيرة تعرَّضت للأذى لسبب سياسي أو ديني أو قومي أو عرقي، وقد يكون مجموعة أكبر تَشمل قسماً أوسع من المجتمع.

س: كيف يتأثر المجتمع بالإبادة أو الكوارث الجماعية؟

ج: في علم الاجتماع مفهوم يُطلَق عليه “الذاكرة التاريخية”، وهي الذاكرة التي تنتقل من جيل إلى جيل بين قوم أو عرق أو طائفة من البشر، وقد تُعاد صياغتها أكثر من مرة في “الذهنية الاجتماعية”، فتَلحقها تعديلات في المفهومات الجديدة، لكن لجميعها عناصر مشتركة، ويمكن الوقوف على نموذج لها في نظام العبودية وتاريخ ذوي البشرة السمراء في أميركا، فاليومَ لا وجود لهذا النظام، لكن المجتمع الأميركي ورث نظاماً كان يَظلم السودَ ويَتجاهل كرامتهم.

ومن الممكن أن يَندرج أسلاف كارثة جماعية، جيلاً بعد جيل، في مكانة أدنى، ومَردُّ ذلك تلك الذاكرة التاريخية.

س: هل يَصدق هذا الأمر على الهولوكوست أيضاً؟

ج: نعم. في أوساط جيل ما بعد كارثة الهولوكوست هناك أشخاص لم يكونوا من المظلومين المباشرين، أو لم يكن لهم أقرباء بين الضحايا، أو ربما قرؤوا وشاهدوا القصة كلها في الكتب والأفلام فقط، لكن بسبب تلك الذاكرة الجمعية التي تُوجَد بعد كل كارثة بشرية جماعية، يكون هؤلاء الأشخاص في موقع مختلف لا يشبه أولئك الذين ليست لديهم هذه الذاكرة.

س: قد يكون سؤالاً بسيطاً لكن القضية تتعلق بإقامة الدعوى؛ ففي غياب الضحايا الأصليين كيف تُقام الدعوى؟ لماذا وعند مَن؟

ج: بالمناسبة شكّل هذا الموضوعُ الشغل الشاغل في القرن العشرين؛ على من وأين ولماذا تُقام الدعوى؟ على سبيل المثال في قضية الهولوكوست أو الإبادة الجماعية في سراييفو، مَن طَرحوا هذا الموضوع سألوا أنفسهم هذه الأسئلة.

واليوم وصلنا أكثر من الماضي إلى فهم تاريخي بأنه لا وجود لمركز خاص أو دولة بعينها أو موقع حيادي يَتّخذ القرار في منح الحق الفلاني للشخص الفلاني. ونحن نعلم أننا لن نُحيي والداً تم إعدامه أو نمنح شيئاً لأحد، لكن هذا كله لا يُقلِّل من مكانة إقامة الدعوى، لأن الأهم هو مفهوم الدعوى الذي يَكون بمنزلة حركة تفيد الأجيال اللاحقة، فتحافظ على ذكرى الأموات حيّةً، وتتقدم بالذكرى الـمَنسية، وتَصنع خطاباً جديداً هو ثقافة جديدة ستَحُول دون وقوع أحداث مشابهة في المستقبل، وتَمنح المجتمعَ تطوراً ونمواً جديداً.

س: هل هناك مثال بارز على هذه الحالة؟

ج: أجل، مثالها الأبرز حركة السود في أميركا، حيث يُقتَل الأسود إثر عنف الشرطة، وفي ردة الفعل تتكون في دول أخرى من العالَـم ليس فيها سود حركةٌ تطالب بإحقاق الحق وتقيم دعوى وتقدم الدعم.

دائماً ما تَسير المطالَبةُ بإحقاق الحق بالخطاب المدافع عن العدالة إلى الأمام. ومن هنا تنبع أهمية استمرار حركة المطالَبة بالحق، بغض النظر عن المزاعم المطروحة في الحركة أو هل تَعرّض المطالِب بإحقاق الحق للظلم أو لا.

الجميع يعلمون أن الأول من مايو/أيار هو “عيد العمال”، والثامن من مارس/آذار هو عيد المرأة، لكن قد لا يعلم الكثيرون تفاصيل الكارثة التي وقعت قبل 134 سنة في الأول من مايو إثر احتجاجات العمال في شيكاغو. على مرّ التاريخ صارت المطالبات بالحق مناسباتٍ وبقيت حيّة، وهذه الكوارث تَغدو رموزاً للمطالب الاجتماعية، والجميع يعلمون أنها جزء من التاريخ البشري الجديد، ومن هنا تنبع أهمية المطالبة بإحقاق الحق.

ولا يعني موضوع المطالبة بالعدل التركيزَ على موت فلان أو على الأضرار التي لحقت بالعائلة الفلانية، بل هو قضية مرتبطة بينابيع المجتمع البشري. وما أكثر ما يَكون الإنسان مديناً للمطالبة بالعدل، وتكون هناك حاجة لإيجاد السلام أو التطور البشري.

س: هل صحيح أن النساء يعانين ظروفاً أقسى في الإبادات الجماعية كالهولوكوست؟

ج: سؤال جيد جداً. دوماً كانت النساء أولى ضحايا الحروب والإبادات الجماعية. وطوال التاريخ كانت التضحية بالنساء كبيرة وحدثت في أرجاء شتّى من العالم، وبرزت في كارثة الهولوكوست بروزاً ممنهجاً. وفي حرب فيتنام تم اغتصاب النساء على نحو واسع، كما شهدنا الأمر نفسه في كمبوديا، وقام اليابانيون بالاغتصاب في حرب كوريا. والحال نفسها في سراييفو، بل حتى قبل عدة سنوات في ميانمار. ومؤلم ما يحدث الآن في أميركا أيضاً؛ حيث لا حرب لكنْ يتم اختطاف بعض النساء واغتصابهن وقتلهن بطريقة تَدعو إلى الأسف. بعبارة أخرى، في قضية التعدي على ساحة الآخرين وجغرافيتهم أو من خلال الحرب عليهم، يَصل الإنسان إلى نقطة سوداء يُهيمن فيها على جسد المرأة ويَغتصبه. في حقيقة الأمر، الهولوكوست هي ذِروة الرذالة في قتل الآخر، وتُطالِعنا جميع علامات التصفية والجندرة في هذه الكارثة الفظيعة.

ولفهمها لا مناص من العودة إلى تقليب صفحات التاريخ؛ ففي حالة الهولوكوست مثلاً، لا بدّ من دراسة ظهور الحزب النازي وتسلطه في ألمانيا، ورؤية كيف أن هذا الموضوع كان جواباً عن المشكلات الاقتصادية فيها في ذلك الوقت، وهذا يشبه ما يجري في جميع الأماكن الأخرى، وبعد ذلك بلغت معاداةُ الآخر ذروتها، كما أن الجميع كان يَتساءل عن سبب جوعهم وبطالتهم. ويَرون الجواب في “الآخر” أو “الأجانب” و“الغرباء”. كما سمعنا في إيران قبل فترة قصيرة صوت معاداة الآخر من خلال وسم/هاشتاغ “نهاية الضيافة”.

على أية حال، رَسموا حدوداً مع الآخر في ألمانيا حينها، وهكذا تَكوّن مفهومُ تفوّق قومٍ ما وسَطع مفهوم القومية وكَبُر، وفُسِّر حبُّ الوطن بالموت في سبيله أو القتل في سبيله، وهذا الجدل المتضاد الـمُزيل والمدمّر بدأ يَنشط حتى أحدث هذه الكارثة الـمَهولة.

س: كان يمكن للتصفية أن تَتبدى على شكل الطرد من البلد، لكن لماذا انتهت القضية إلى إهانة الكرامة الإنسانية واستهدافها؟

ج: كانوا يعتقدون بضرورة سلب أدوات الإنتاج من الآخر لحل مشكلاتهم الاقتصادية؛ بعبارة أخرى، القضاء على الآخر. على سبيل المثال: سلب ملكية الآخر للمال والنفط والأرض. وبالطبع لتنفيذ هذا الأمر، دائماً هناك حاجة إلى شيطنة الآخر ونزع الإنسانية منه كي لا يتسنى له أن يَكون مالكاً لشيء.

وحدث شيء مشابه لهذا في عصر الاستعمار أيضاً؛ كانوا حين يَدخلون إلى بلدٍ ما، أوّل ما يفعلونه هو أَسْر مواطنيه، وجعلهم عبيداً يَبيعونهم في سوق النخاسة كما تُباع البضائع، وفي الحرب العالمية الثانية والهولوكوست حدث هذا لليهود أيضاً، وفي الوقت الراهن نشهد هذه الوقائع في الحروب بالوكالة، وحتى الاغتصاب نفسُه يَحدث في زمننا!

في الصور ومقاطع الفيديو التي وصلتنا عن الهولوكوست نرى رجالاً ونساء يهوداً عارين تماماً تم سلبهم من كل شيء حتى من امتلاك أجسادهم، فأصبحوا أدنى من السلع، ولم يكونوا يُطعمونهم بما يكفي؛ ما معناه أنه “لا أهمية لحياتكم”، وكل هذا لحرمانهم من ادعاء الـمُلكية والعودة إلى الوضع الإنساني الطبيعي، كما تم قتلهم في محارق قتل البشر على نحو “جماعي” ودُفنوا في مقابر جماعية.

س: كثير من العلماء والكتّاب ألّفوا عن الهولوكوست وتحدثوا عنها وأظهروا شرورها. هل يمكن أن يُقدِم الإنسانُ مرة ثانية على مثل هذه الحادثة؟

ج: نعم. وأعتقد أن علينا أن نَقلق بهذا الشأن، لأن الأزمات الاقتصادية دائماً ما تَكمُن للإنسان، وقد تَقع الهولوكوست بأشكال مختلفة في أماكن مختلفة مرة ثانية. ألم تَحدث إبادة جماعية في ميانمار قبل عدة سنوات؟ وسُمِعت أصوات وإشارات قلقة في بريطانيا وأميركا تُشير إلى أن المقتولين أشرار وحيوانات ونحن بشر أفضل منهم. والمفارقة أن هذه الأصوات تأتي أحياناً من أرقى الدول المتحضرة حالياً، لهذا علينا أن نتوجّس الخطر ونتأهّب له كلَّ التأهّب.

س: لنَعُد إلى موضوع الاغتصاب في الحروب والكوارث الجماعية. العجيب أن المعتدي يَعتبر المرأة سلعةً لا قيمة لها، ومع ذلك يُقيم معها علاقة جسدية كالاغتصاب، لماذا برأيك؟

ج: حتى الآن لم يتفق علماء السلوك على رأي واحد في قضية السبب الكامن وراء وقوع الاغتصاب. كان سؤال “ريتشارد رورتي” هو: لماذا يَغتصب الرجل المسيحي الصربي امرأة مسلمة بوسنية في حين أنه يُجرِّدها من صفة الإنسانية؟ فكيف له مضاجعتها أو اغتصابها وهو يراها تفتقد قيمة الإنسانية؟ هنا يَبرز التناقض على السطح.

وأنا بوصفي أعمل في جغرافيا الثقافة أعتقد أن عملية العبودية وتحويل الإنسان إلى سلعة ثم من السلعة إلى لاشيء، لا تَحدث بين عشية وضحاها. إن قيمة المرأة بوصفها إنساناً يمكن امتلاكه في أي وقت، تَكون في بيئة جغرافية قيّمة تَنتمي لها، وحين تَخسر المرأة هذه البيئة تَخسر قيْمتها أيضاً وينتهي بها الأمر إلى العبودية؛ أيْ إن عملية إزالة القيمة الإنسانية تَحدث أولاً من خلال تحويل الإنسان إلى سلعة يمكن امتلاكها. من هنا، كان اغتصاب النساء جزءاً لا يَنفصل تقريباً عن اغتصاب الدول ولا يزال؛ وهذا معناه امتلاك أجساد أناس كُنَّ قبل ذلك أيضاً يَخضعن لملكية الآخر (الرجل)، وتَتحول هذه الملكية من رجال بلدهنّ إلى رجال جيش العدو.

س: هل العبودية هي بالضرورة الوصولُ إلى مرحلة اللاقيمة المطلقة أو التحول إلى سلعة لا قيمة لها؟

ج: لا. ليس العبد سلعة بالضرورة. بالمناسبة، عبيد المنازل في أميركا لم يكونوا يعارضون العبودية، لكن العبيد المعارضين كانوا ممن يعملون في الأراضي الزراعية؛ أيْ العبد العامل. وهناك حكايا كثيرة حول قيام عبيد المنازل بالإخبار عن العبيد الآخرين لإظهار ولائهم لمالكيهم، والعبودية لا تعني بالضرورة الوصول إلى نقطة الصفر من الإنسانية، بل تعني أنك تحت تصرف وملكية الآخر.

س: هل يمكن الاستنتاج من كلامك أن الشعور بالمالكية يَسير بنا نحو معاداة الآخر؟

ج: هناك خط رفيع وحساس يُسمَّى “المالكية”، وهذه المالكية قد تَميل تجاه هذه الناحية أو تلك، إلى الاستعمار أو (حين يكون الحديث عن الوطن) إلى الفاشية. تتهيأ ظروف نَقلق فيها بشأن مالكيتنا على الأرض والبلد والبيت وأدوات الإنتاج، ولهذا السبب نحارب الآخر، أو نَشهد تزايد الفقر والظلم، لأننا نَعجز عن فهم هذا الخط الرفيع، أين نقف من هذا الخط؟ ومتى تُحرِّر المطالبةُ بالمالكية مجتمعاً ما؟ ومتى يَقع الظلم بحق الآخر ويكون بوّابة للفاشية؟

علينا إبداء الحساسية تجاه هذا المفهوم في أقوالنا وأفعالنا دائماً، فقد استيقظ الألمان ذات يوم فوجدوا أنفسَهم عبيداً لهتلر. حتى الفيلسوف الألماني مارتين هايدغر وجد أنه يَفعل شيئاً يعارضه.

س: وماذا عن التعصب القومي؟ هل يمكن اعتباره سبباً في وقوع الهولوكوست أو الكوارث اللاحقة؟

ج: القومية في بعض الأماكن هي المطالبة بالحق، وفي أماكن أخرى هي حقك في أرضك. تَتشكل هويتك في مكان تَترعرع فيه وتَحمل ذكريات عنه وتتعلق به، لكن القومية قد تكون في مكان آخر شكلاً من أشكال الفاشية ومعاداة الآخر.

إن فهم هذا الحد دقيق وحساس للغاية. علينا رسم هذا الخط بحيث لا يؤدي مفهوم الـ “نحن” كقوم إلى إزالة مفهوم “الآخر” كقوم مختلف، وهذا في غاية الأهمية؛ ألّا يكون حقي في الحياة بمعنى سلب حق الآخر في الحياة؛ ألا تتبدى الفاشية والعنصرية والتفوق الديني في إطار معاداة الآخر مع بروز أدنى مشكلة اقتصادية؛ ألا يَعني وجودي إلغاءَ الآخر.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد