تهريب العملة الأجنبية في العراق .. نافذة فساد توفرها الحكومة

وليد النوفل – إيران وير

مع تفاقم الأزمة النقدية في العراق، وانكماش الاقتصاد، وتزايد الاحتجاجات الشعبية ضد خفض سعر صرف الدينار، وتراجع قدرته الشرائية، تطفو إلى السطح ملفات فساد وتهريب للقطع الأجنبي.

إذ كشف مجلس القضاء الأعلى في العراق في بيان له في 23 ديسمبر / كانون الأول الماضي عن عمليات تهريب للقطع الأجنبي خارج البلاد، وقضايا تحايل وتزوير في مزاد بيع العملة. وقال المجلس إنه يجري تحقيقاً حول عمل مزاد بيع العملة الأجنبية، مشيراً إلى وجود مخالفات من قبل بعض المصارف، ومخالفات قانونية.

وأضاف المجلس أنه “وجه بتعميم صادر عنه كافة محاكم التحقيق باتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من تسبب بالضرر للاقتصاد الوطني، سواء من تجار العملة الأجنبية أم التجار المحتكرين للبضائع والسلع الغذائية والسلع الضرورية التي يحتاجها المواطنون يومياً”. مؤكداً أن محكمة التحقيق المختصة بمكافحة غسل الأموال باشرت عملها في القضية، وأن التحقيق وصل إلى مراحل متقدمة.

وفي السياق ذاته، كشفت لجنة النزاهة في البرلمان العراقي، مطلع يناير/ كانون الثاني الحالي، عن حجم الأموال “المنهوبة” إلى خارج العراق في إطار عمليات فساد خلال الـ 16 عاماً الماضي، والتي قدرت بـ 350 تريليون دينار عراقي (240 مليار دولار أميركي).

التلاعب عبر النافذة

يقول الخبير الاقتصادي العراقي د. همام الشماع لـ “إيران وير”: “إن البنك المركزي العراقي يعد المؤسسة الوحيدة المخولة ببيع العملات الأجنبية للمصارف والشركات المعروف من قبلها، عبر ما يعرف بـ”نافذة بيع العملة الأجنبية”، والتي من خلالها يقوم المركزي بتحويل إيرادات النفط التي حصل عليها عن طريق وزارة المالية إلى دينار عراقي. لذا فإن عمل النافذة يرتكز حول هدفين أساسيين، هما: تحويل إيرادات النفط إلى نقود عراقية من خلال بيع الدولار. والثاني، تمويل التجارة الخارجية للعراق.

ونظراً لتحكم الحكومة العراقية وسيطرتها على مصادر القطع الأجنبي، تبعاً للنظام الاقتصادي المتبع في البلاد، فإنه ليس أمام الشركات والتجار سوى “نافذة بيع العملة الأجنبية” للحصول على العملات الأجنبية، لتمويل عمليات الاستيراد.

إذ “لا توجد مصادر للعملة الأجنبية في العراق سوى إيرادات النفط، التي تشكل تقريباً 99% من إيرادات النقد الأجنبي في البلاد، وتأتي كلها للدولة، لذا فهي الوحيدة التي تمتلك العملات الأجنبية وتقوم ببيعها”، بحسب ما قاله الشماع، لـ”إيران وير”.

وبرأي الشماع، فإن النافذة “شر لابد منه، لكونها الطريق الرئيسة للعملة الأجنبية”، وهي الطريق ذاته الذي تستخدمه المصارف والشركات لأجل تهريب العملة، والتربح غير المشروع من فارق سعر الصرف بين البنك المركزي والسوق السوداء.

فارق سعر الصرف

وبحسب الشماع فإن المصارف الأهلية الخاصة والشركات والتجار أبرز الجهات التي تقوم بعمليات تهريب العملة الأجنبية، مستفيدة من ذلك عبر الفارق في سعر الصرف بين سعر “نافذة بيع العملة” في البنك المركزي، وسعر الصرف في السوق. إذ حتى ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كان البنك المركزي يقوم ببيع الدولار للمصارف والشركات بسعر 1190 دينار عراقي، بينما سعر صرف الدولار في السوق يتراوح بين 1200 إلى 1250 ديناراً، قبل أن يقوم “المركزي” في 20 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، برفع سعر صرف الدولار إلى 1460 ديناراً للمصارف، و1470 ديناراً للجمهور، وهو ما تسبب في حالة من الإرباك للسوق العراقية، وارتفاع في أسعار السلع والخدمات.

ومع قيام المصارف بعمليات مالية تقدر بملايين الدولارات يومياً، فإن أرباح المصارف الأهلية من فارق سعر الصرف “ستكون كبيرة جداً”، وفقاً للشماع.

ويضيف الشماع أنه على الرغم من أن البنك المركزي وضع ضوابط عدة للتعامل مع نافذة بيع وشراء العملة، وكذلك “ضوابط مشددة للتعامل بين المصارف الأهلية والتجار، عبر تحقق وتأكد المصرف من أن هذا التاجر وفقاً لتعليمات البنك المركزي لديه شركة يقوم من خلالها باستيراد سلع معينة، ولديه سابقة تجارية في هذا الموضوع ومعرفة”.

ويشير الشماع إلى أنه “حينما بدأت المصارف الأهلية جني أرباح طائلة من فرق سعري الصرف، بدأت تعمل لحسابها، لا بل بدأت بعض المصارف تأخذ أسماء تجار وهميين أو تجار متوفيين وتقدم طلبات الدخول وشراء العملة بأسمائهم”.

إضافة إلى ذلك، تقوم المصارف بحسب الشماع بـ”عمليات تزوير الأوراق والوثائق المعتمدة عبر دفع رشاوى”.

وهو أيضاً ما يؤكده المحلل الاقتصادي العراقي، ضرغام محمد علي، في أن “التهريب يتم عبر آليات قانونية بأدوات غير قانونية، من خلال تحويلات مزاد العملة في البنك المركزي، الذي يعتمد إجازات الاستيراد ويغطي قيمة الاستيراد عبر هذه التحويلات”.

وقال محمد علي في حديثه لـ”إيران وير” “يتم تقديم إجازات استيراد دون استيراد حقيقي أو عبر فواتير شراء مزورة أو مضخمة التكاليف، وهي السمة الأبرز لعمليات التهريب، أن يتم تضخيم قيمة البضائع المستوردة أضعافاً مضاعفة، ويتم تهريب فرق السعر”.

وتسببت هذه العملية إضافة إلى الخسائر التي يتلقاها البنك المركزي في فروقات سعر الصرف بمخاطر عدة تتعلق في أسعار السلع والمواد المستوردة، نتيجة لعدم توفرها بحسب قيمة إجازات الاستيراد، ما يعني نقصاً في السلع، وبالتالي ارتفاعاً للأسعار.

غياب حكومي

يؤكد الباحث الشماع عدم وجود “إجراءات حكومية فعلية صادقة لوقف الفساد”، معتبراً أن “الفساد لا يحتاج إلى إجراءات وإنما يحتاج إلى مطرقة على رؤوس الفاسدين، وهم معروفون، لكن الحكومة لا تتجرأ ولا تستطيع أن تفعل هذا، لأنها تخاف منهم، وهم أقوى من الحكومة”.

وهو أيضاً ما يؤكده المحلل محمد علي، الذي أوضح أن عدم وجود إجراءات حكومية لوقف الفساد لا يعدو كونه “إجراءات شكلية وفرت بيئة صالحة أكثر لتهريب العملة عبر زيادة سعر الصرف، وهو ما جعل التهريب لا يمر بمزاد البنك المركزي بسبب عدم جدواه الاقتصادية”، وتالياً “قلل الرقابة على هذه العملية، لصالح أن تصبح بعض الأحزاب النافذة والتي تملك دوراً مؤثراً في الحياة السياسية مشاركة في تهريب العملة”.

وبغياب الدور الحكومي الفعال تُرك المواطن العراقي وحده لمواجهة الأزمات الاقتصادية وارتفاع الأسعار، بما فيها تلك المترتبة على عمليات الفساد المتغلغلة في مؤسسات الدولة.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد