اختراق ملفات “القرض الحسن” الجمعية التي حوّلها “حزب الله” إلى مصرفه الخاص

عماد الشدياق – لبنان

تعرّضت “مؤسسة جمعية القرض الحسن” العائدة لـ”حزب الله” اللبناني قبل نحو أسبوعين، لعملية قرصنة إلكترونية أفضت إلى تسريب ملفات تخصّ المتعاملين معها بأسمائهم وعناوينهم وأرقام هواتفهم، إضافة إلى أسماء كيانات ومؤسسات وكوادر وعناصر “حزب الله”.

الهجوم نفذته مجموعة من القراصنة الإلكترونيين، عرّفت عن نفسها، من خلال فيديو باسم SpiderZ من دون أن يُعرف حتى اللحظة من يقف خلف هذه المجموعة، إلاّ أنّ تقاطع الأحداث يضع الهجمات في إطار الحرب السيبرانية الدائرة بين إسرائيل من جهة، وبين إيران وجماعاتها وخصوصاً “حزب الله” من جهة أخرى.

وبحسب ما ذكرته المعلومات المسربة فإن الهدف خلف هذه الهجمات على ما يبدو كشف هوية المتعاملين مع هذه “الجمعية”، من أجل تجريدها من ثقة الناس، وبالتالي لدفعهم صوب التخلّي عنها من خلال سحب أموالهم والامتناع عن دفع ديونهم، وبدا ذلك واضحاً في الفيديو الذي نشره المسربون وتناقلته مواقع التواصل الاجتماعي اللبنانية والأجنبية، ويدعو المودعين إلى سحب أموالهم.

وضمن السياق نفسه، فإن موقع Double check online  ذا الهوية المجهولة، والذي يبدو أنه يدور في فلك المسربين أنفسهم، حذّر الناس من “الاستثمار مع الإرهابيين”، ونبّههم من مغبّة تعرّض أموالهم وممتلكاتهم للخطر، لأنّ الجمعية “لا تعمل ضمن المعايير المتّبعة دولياً لحماية العملاء”، ولأنّ بيانات الجمعية “لم تعد سرّية”، ولا يمكن استخدامها بعد اليوم “ملجأً ماليًا لإخفاء الأموال وغسلها”، خصوصاً أن مصدرها كان “جرائم الفساد وتمويل الإرهاب بعد أن أصبحت مكشوفة للسلطات اللبنانية والدولية على السواء”. داعياً إياهم إلى سحب الأموال باعتبار أنّ ذلك سيساعد في “تقليص ارتباطهم بالجمعية، وتقليل المخاطر التي قد يتعرضون لها”… وهذا كلّه يصب في خانة الهدف نفسه الذي رسمه المهاجمون.

تاريخ الجمعية وتطورها

يُظهر تاريخ الجمعية أنّها حصلت على “علم وخبر” من وزارة الداخلية اللبنانية للقيام بأعمال “خيرية وإنسانية” مع انطلاق “حزب الله قبل نحو 35 عاماً، لكنها لم تكن في الأصل تابعة له.

بعض الروايات التي تناقلها موقع “جنوبية” اللبناني والمناهض لـ”حزب الله”، كشف أن الحزب اغتصب ملكية الجمعية في بداياته من مالكها الأصلي، يوم كانت واحدة من مؤسسات “جمعية التعاون الإسلامي” التي أوجدها الشيخ محمد إسماعيل خليق إيراني الجنسية، وهذه الرواية لم تنفها الجمعية ولا حتى “حزب الله” حتى اللحظة.

مع الوقت بدأت الجمعية بالنمو والازدهار، كما بدأت بالجنوح تباعاً صوب “صرافة الظلّ” أو ما يسمى في علم المصارف بالـShadow Banking   من خلال توسيع إعطاء القروض لكافة الناس مقابل رهن الذهب أو من خلال كفالة مودع في الجمعية، وذلك خارج القوانين اللبنانية التي ترعى تنظيم المصارف والمؤسسات المالية (خصوصا قانون النقد والتسليف).

هذا الازدهار بدأ بعد إدراج “حزب الله” على لوائح العقوبات الأميركية، وإقصائه عن القطاع المصرفي اللبناني، خصوصاً بعد “حرب تموز” بينه وبين إسرائيل في العام 2006، حيث انتشرت الجمعية ضمن البيئة الشيعية الحاضنة للحزب من خلال تشجيع عمليات التسليف على الطريقة الإسلامية و”بلا فائدة”، مقابل رهن المجوهرات أو تجميد الأموال، وكذلك استقطاب الودائع من اللبنانيين الشيعة الملتزمين الهاربين من “حُرمة المصارف”.

وأصبح للجمعية نحو 35 فرعاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحزب، وعدد “زبائن” قارب الـ300 ألف شخص ينقسمون إلى 200 ألف مقترض وقرابة 100 ألف مودع، وكانت تتهيأ مؤخراً لإطلاق صرّافاتها الآلية (ATMs) ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة “حزب الله” مطلع شهر شباط المقبل، لكن يبدو أن الأمر سيتوقف بعد التسريبات.

الأعمال في الجمعية لا تخضع للقوانين المالية اللبنانية، لأنّها “خيرية” حسبما يُفترض، وتصنيفها ليس ضمن المؤسسات الربحية، وخصوصاً “قانون النقد والتسليف” اللبناني الذي هو ركيزة الجهاز المصرفي والمالي الأساسية في لبنان ويرعى تنظيم النقد ودور المصرف المركزي وعملياته، وينظّم عمل المصارف إضافة الى المهن التابعة للمهنة المصرفية، وذلك بحسب موقع “جمعية المصارف في لبنان”.

الجمعيات في لبنان تخضع لـ”قانون الجمعيات 1909″ الذي ينصّ صراحة على أنّه يسمح بالتصرف بأموال بدلات انتساب الأعضاء والإيجار وشراء المقار الخاصة بالجمعية ونشاطاتها، والعقارات المخصصة لتحقيق غرض الجمعية. إلا أنّ ذلك لم يحصل مع جمعية “القرض الحسن”، بل تعدّته إلى حدود تلقّي الأموال من الناس على شكل ودائع، ثم توظيفها في مجال التسليفات على طريقة المصارف.

تفاصيل البيانات المسربة

البيانات المسرّبة غطّت نحو 23 فرعاً من فروع “القرض الحسن”، كما كشفت عدد الدائنين الذي قارب 203126 شخصاً بأسمائهم وتفاصيلهم. أما عدد المودعين فهو 115440، من بينهم “كبار المودعين”: 8 مودعين بما يفوق 500 ألف دولار، 30 بما يفوق 200 ألف دولار، و340 مودعاً بما يفوق 50 ألف دولار.

إلى جانب الأفراد، ثمّة صور لإيصالات صادرة عن مصارف محلية، وثمة ملف اسمه “بنك” يخص تعاملات الجمعية مع المصارف المحلية اللبنانية، هو الأهمّ من بين الملفّات المسرّبة كلها، لما يحمل من خطر على القطاع المصرفي اللبناني نظراً لخضوع الجمعية للعقوبات الأميركية منذ العام 2007.

وبالتالي فإن ظهور أسماء بعض المصارف اللبنانية في الملفات المسربة يعرّضها لخطر كبير، خصوصاً نتيجة القوانين التي يدرسها الكونغرس الأميركي، وكان آخرها اقتراح القانون الذي تقدم به النائب الأميركي جو ويلسون بعنوان The Hezbollah Money Laundering Prevention Act of 2020 الذي يهدف إلى “وقف أنشطة غسيل الأموال التي يقوم بها الحزب في جميع أنحاء العالم” من خلال معاقبة المصارف المتعاملة مع “حزب الله” في بعض المناطق الجغرافية المحددة في لبنان وكذلك حول العالم.

آخر الملفات المسربة قبل أيام، كشفت لائحة “حسابات وحدات ومؤسسات حزب الله” في الجمعية وهي (331 حساباً)، إضافة إلى 3 ملفات أخرى هي: “حسابات الكوادر والمقربين منهم” (17,385 حساباً) ولائحة “حسابات عناصر حزب الله” (9719 حساباً)، و”حسابات المودعين المغتربين” (306 حسابات).

هذه اللوائح تظهر أسماء المؤسسات العائدة لـ”حزب الله” بشقّيها المعروف والخفي. كما تكشف حجم تغلغل الجمعية في تنظيم الحزب وهيكليته، وكذلك الدور الذي تلعبه كـ”مصرف حزب الله” الخاص والوحيد. حركة الحسابات التي يظهرها الملف الأول الخاص بـ”وحدات ومؤسسات حزب الله” تكشف التعامل بعملتين أجنبيتين إلى جانب الليرة اللبنانية، هما الدولار الأميركي واليورو الأوروبي.

أما الأرقام فتكشف أنّ حسابات الكيانات المذكورة تُقدّر جميعها بنحو 26.5 مليار ليرة لبنانية، وقرابة 40 مليون دولار أميركي.

الملف الأخير الخاص بالمغتربين فيكشف عدد المودعين المغتربين بأسمائهم بتفاصيل أرقام حساباتهم في الجمعية وهواتفهم والدول المقيمين بها خارج لبنان (دول الخليج العربي، دول أوروبية، دول أفريقية، دول أميركية، وفي أستراليا) ولا يُستبعد أن يعرّضهم لخطر اتهامهم في هذه الدول بالتعامل مع “حزب الله”، وأن يعرّضهم لخطر العقوبات. أما الملفان الآخران فلا تظهر فيهما سوى أسماء الكوادر والعناصر والمقربين، وأرقام حساباتهم ونوعية العملة، من دون تحديد إن كانت هذه الأسماء لمقترضين أو لمودعين، لكن يبدو أنّ حسابات رواتب الأموال من خلالها.

أما حجم أعمال الجمعية كاملاً فقد أظهرت الأرقام المبيّنة في الملفات حتى العام 2019 أنّ حجم الإيداعات بلغ قرابة 1.5 مليار دولار أميركي، وسُحب هذا الرقم في العام نفسه، حارماً الجمعية من تسجيل أي نمو. أما التسليفات فقد قدرتها الأرقام بنحو 500 مليون دولار أميركي، مقابل تغطيتها بمجوهرات وذهب المقترضين.

رأي الخبراء

تعليقاً على طريقة عمل جمعية “القرض الحسن”، يوضح المحامي مجد حرب في اتصال مع “إيران وير” أن “ثمة فرق بين الهبات التي تختص في عمل الجمعيات والودائع الخاصة بالمصارف. فعلياً فإنّ القرض الحسن تتصرّف كمصرف أو كصرّاف وتاجر ذهب”.

في نظر حرب فإنّ التسميات “تتغيّر لكنّ فعلها واحد”، مشيراً إلى جملة من الأسئلة والشبهات التي تُثار حول مصدر أموال هذه الجمعية التي “لا تخضع لأي رقابة من مؤسسات الدولة”.

ويشرح حرب كيف أنّ قانون النقد والتسليف “لا يجيز العمل للمؤسسات المالية إلا بموجب ترخيص” يصدره مصرف لبنان، بالتالي فإنّ “المسؤولية عن جمعية القرض الحسن تقع على عاتق وزارة الداخلية لكونها السلطة الرقابية على الجمعيات، فإذا ثبُتت مخالفتها للقوانين فإن الوزارة ملزمة بمحاسبتها من خلال سحب الترخيص”، وعليه فإن وزارة الداخلية اليوم “مطالبة بإجراء التحقيقات لمعرفة ما إذا كانت الجمعية خيرية فعلاً، أو أنّها تبتغي الربح”.

وزارة الداخلية اللبنانية المولجة بتنظيم عمل الجمعيات لم تعلّق على عمل الجمعية حتى الآن، كما أنّها لم تحرّك ساكناً حتى اللحظة برغم انتشار الفضيحة على وسائل الاعلام وانكشاف حجمها.

حتى مصرف لبنان لم يعلّق على الأمر، وكذلك جمعية المصارف اللبنانية (لوبي خاص بالمصارف) اكتفت مصادرها بنفي أي علاقة للمصارف اللبنانية بـ”القرض الحسن”، لكن البيانات أظهرت عكس ذلك تماماً ولو أنّ الملفات جاءت خالية من التواريخ (غير مفهوم إن كان عن قصد)، فهذا لا يُبرىء ذمة المصارف إلاّ إذا ثبت أن تاريخ التعامل كان قبل العام 2007 (تاريخ إدراج الجمعية على لوائح العقوبات الأميركية).  

ويذكّر “حرب” كيف “ينتقد حزب الله سلوك المصارف اللبنانية” في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان، ويشكو من ضعف الرقابة عليها، ثم ينتقد عدم السير في التدقيق الجنائي بحسابات مصرف لبنان، وهو في المقابل “يملك جمعية لا تُطبّق القوانين، ولا تلتزم بأيّ من هذه المعايير التي يطالب هو بتنفيذها”.

ويسأل في هذا الصدد: “هل المؤسسة التي تأخذ الأموال من الناس وتسلّفها لمقترضين تكون جمعيّة؟ هل الصرّاف الذي يتعامل بسعر صرف السوق السوداء (٨٠٠٠ ليرة لبنانية) هو فعلاً جمعيّة؟ ماذا لو قلنا إنّ ثمة جمعية خيرية تتاجر بالذهب هل تصدقون أنّها جمعية فعلاً؟ حتى القياديين في حزب الله غير مقتنعين بتوصيف القرض الحسن كجمعية، فالوزير السابق حسين الحاج حسن المنتمي للحزب سبق أن وصفها بالمؤسسة المصرفية”.

وعن إجراءات الأمانة وسلامة الأموال يعتبر “حرب” أنّ ما يُشاع عن مال المودعين في القرض الحسن أنه مضمون وآمن هو كلام “غير دقيق”، لأن الجمعية “غير قادرة على حماية الأموال التي تتلقاها من الناس”،.

ويختتم حرب حديثه مع “إيران وير” بالتأكيد على أن المشكلة مع “القرض الحسن” لا تُختصر بـ”التهرّب من العقوبات الأميركية”، وإنما بـ”عدم وجود ضمانات جدّية من أن الفاسد والسارق والمهرّب لن يغسل أمواله غير الشرعية في جمعية لا تخضع للتدقيق ولا للرقابة مثل جمعية القرض الحسن”، وبالتالي فإنّ “القرض الحسن” هي بمثابة “جنّة” لمن يريد تبييض الأموال غير النظيفة كالأموال المتأتية من عمليات التهريب والفساد والتجارة في الممنوعات, على حد تعبيره.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد