وفق منظور مجلة البرلمان.. لماذا تهاجر النخب من إيران؟

بهنام قلي بور – إيران وير

أشارت إحدى المجلات الدراسية التابعة للبرلمان الإيراني إلى تزايد هجرة النخب من إيران، وتناولت بالبحث والتدقيق أسباب هذه الظاهرة، والعوامل التي تؤثر عليها، وأوضحت أربعة أمواج من “هجرة العقول”. تحدث هذا البحث تحديدًا عن خمسة عوامل تعليمية، ووظيفية ومعيشية، واجتماعية، وسياسية، واقتصادية.

يتزايد أعداد الأشخاص الذين يفكرون بجدية في الهجرة من إيران بشكل يومي، ويظهر هذا الاتجاه بكل وضوح لدى مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، كما يمكن رؤية علامات واضحة لهذا الاتجاه المتزايد على المستوى العام وفي الإحصائيات الرسمية؛ حيث تعلن وسائل الإعلام عن بعض الإحصائيات المتعلقة بهذه الظاهرة على أنها حالات هروب.

منذ أكثر من 40 عاماً والمواطنون الإيرانيون يغادرون وطنهم لآلاف الأسباب، وأي مكان يعثرون عليه يختارونه موطنًا جديدًا لهم، حيث يمكن رؤية أعداد كبيرة من الإيرانيين الذين فضلوا عدم العيش في إيران مرة أخرى بدءًا من تركيا المجاورة لإيران وحتى أوروبا وأمريكا وكندا.

يمكن العثور على كافة الفئات الاجتماعية والاقتصادية بين هؤلاء المهاجرين ما بين العاطلين عن العمل والأثرياء، والمتعلمين والأميين، والأدنى منزلة والأعلى مكانة. دوافعهم مختلفة ولكن القاسم المشترك بينهم جميعًا هو أنهم لا يرغبون في العيش في إيران.

إذا كانت الهجرة من إيران في الأزمنة غير البعيدة تقتصر بشكل أساسي على النخب والمتعلمين والخبراء، فقد أُضيف إليها الآن هجرة الأثرياء والفقراء.

ورغم هذا، لا يزال موضوع هجرة النخب هو الأهم والأقدم من الهجرات الأخرى، ولا يزال محل اهتمام الدول المُصدرة للمهاجرين والدول المستقبلة لهم.

أجرت فصلية “البرلمان والاستراتيجية” التابعة للبرلمان الإيراني في عددها الأخير دراسة بعنوان: “تحديد العوامل المتعددة المؤثرة على هجرة العقول وترتيب أولوياتها”، والتي تعيد فيها تناول هذه القضية، وتناقشها مع مجموعة من المتخصصين والمسؤولين.

وكما ورد في هذه الدراسة أن الموجة الأولى للهجرة من إيران تعود إلى العقد السابق للثورة، حيث غادر أكثر من 45 ألف إيراني من وطنهم، وتمثلت أهم الأسباب في أمور سياسية ودينية.

وقد حدثت الموجة الثانية من الهجرة في العقد الأول الذي تلا انتصار الثورة الإيرانية، والتي أدت إلى مغادرة ما لا يقل عن 154 ألف شخص للبلاد. وتم الإعلان عن أن العاملَين الهامين المؤثرين على هذه الهجرة هما “تطهير المتخصصين الذين تعاونوا مع النظام السابق” و”بدء الثورة الثقافية”.

تم تسجيل الموجتين الثالثة والرابعة للهجرة من إيران في الفترة من العام 1992 وحتى العام 2012 والتي اتخذت اتجاهًا تصاعدياً بحسب التقارير الرسمية، حيث تُقدر إحصائيات هجرة النخب ما بين 150 وحتى 180 ألف شخص خلال عام 2010 فقط.

ووفق هذه الدراسة، هاجر نحو 220 ألف من النخب العلمية والإدارية ورجال الأعمال من إيران إلى دول مختلفة خلال العام 2001.

كما تشير دراسات مختلفة إلى تشكل واستمرار الموجة الرابعة في الاتجاه المتزايد لهجرة العقول من إيران.

ووفق الإحصائيات الرسمية لعام 2012 كان هناك نحو 80 ألف طالب إيراني يدرسون في الدول الأجنبية، بينما أشارت الإحصائيات غير الرسمية إلى أن عدد هؤلاء الطلاب قد بلغ 200 ألف طالب.

عقب نشر هذه الإحصائية، تناولت هذه الفصلية دور عوامل الهجرة وتأثيرها.

وأشارت هذه الدراسة خلال تناول عوامل هجرة النخب من إيران، إلى “التخلف العام”، و”غياب الأمن الاجتماعي”، و”الأوضاع الاقتصادية غير المواتية”، و”انعدام فرص العمل”، و”عدم التوازن بين نفقات الخبراء وإيراداتهم”، و”الاضطراب السياسي”، و”أدلجة توظيف الطاقات البشرية”.

كما تم ذكر بعض العوامل الأخرى مثل “الأجواء السياسية غير المناسبة”، و”ملكية الدولة”، و”ضغوط العوامل الثقافية والفكرية”، و”الرؤية المستقبلية غير المواتية”، و”الشعور بالتمييز الاجتماعي”، و”الظروف المعيشية غير المواتية”.

ووفق ما ورد في هذه الفصلية، يرى المشاركون في هذه الدراسة أن “العوامل التعليمية” لها الدور والثقل الأكبر في هجرة النخب من إيران.

بينما أدرجوا العوامل “الوظيفية والمعيشية”، و”الاجتماعية”، و”السياسية”، و”الاقتصادية” في المراتب الثانية والثالثة والرابعة والخامسة على الترتيب بوصفهم عوامل الهجرة الرئيسية.

يشير الجدول التالي إلى رأي الخبراء في أسباب الهجرة من إيران خلال العقود الخمسة الماضية حيث تم إدراج أهمية كل عامل ودوره ومدى تأثيره على الهجرة.

تشير أهم بيانات هذا الجدول إلى مدى تأثير 26 مؤشراً تمت دراستها في الموجة الأولى (العصر البهلوي)، والموجتين الثانية والثالثة (عصر الجمهورية الإيرانية)، والتي تؤكد أن تأثير كل من هذه المؤشرات قد ازداد في عصر الجمهورية الإيرانية مقارنةً بالعصر البهلوي.

على سبيل المثال، بلغ تأثير مؤشر “أدلجة توظيف الطاقات البشرية” الذي سجل 4.30 في العصر البهلوي، نحو 4.80 خلال الموجة الثالثة للهجرة. أي ازداد دور هذا المؤشر في عصر الجمهورية الإيرانية في هجرة النخب مقارنةً بالعصر البهلوي.

وإذا بلغ متوسط “الأوضاع الاقتصادية غير المواتية” في العصر البهلوي ما يعادل 4.23 درجة في هجرة النخب، فقد وصل هذا الرقم إلى 4.68 في الموجة الثالثة (عصر الجمهورية الإيرانية).

إن تسليط الضوء على كل من هذه المؤشرات الـ 26  خلال فترة 50 عاماً، قد يكون ناتجًا عن عدم كفاءة النظام الذي لم يعجز عن تقليص إحصائيات هجرة النخب فحسب، بل زاد من معدلات تأثير عوامل الهجرة.

أشار معدو هذا التقرير البحثي إلى تنامي موجة هجرة النخب من إيران خلال الأربعين عاماً الأخيرة، وذكروا أنه في حالة عدم الاهتمام بمقترحاتهم سيشتد هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة.

وقد اقترحت هذه الدراسة ضرورة اتخاذ خطوات جادة في المجال السياسي من أجل حماية كرامة ومكانة الخبراء والمفكرين، وسن قوانين لحمايتهم.

كما يوصى هذا المقال بأنه يمكن مراجعة قانون تفسير الجرائم السياسية، وحرية التعبير، والمصادقة عليه بهدف خلق نوع من الحماية السياسية للخبراء والمفكرين لدى المجتمع الإيراني والخبراء الإيرانيين المهاجرين.

وقد ورد في جانب آخر من هذا المقال: “إن دراسة قانون العفو العام والشامل للخبراء الإيرانيين المهاجرين والمقيمين في الخارج وخلق شعور بالأمن الحياتي والفكري قد يكون أمراً فعالاً من أجل الوجود في البلاد”.

ومن المقترحات الواردة في هذا المقال بشأن الجانب الاقتصادي؛ محاولة إيجاد توازن بين العمل والدراسة وإيرادات الأشخاص القائمة على مبدأ الجدارة والكفاءة من أجل تحقيق مزيد من التوازن بين النفقات والإيرادات في سمات العمل بالقطاعين الحكومي وغير الحكومي.

كما اقترح المقال تقديم تسهيلات ترفيهية مناسبة تشمل الإسكان والقروض الضرورية، وشراء السيارات، وتوسيع فرص البحث الجماعي في الفروع العلمية المختلفة القائمة على احتياجات القطاعين التنفيذي والإنتاجي في البلاد.

لا شك أن هذا الاقتراح ليس جديدًا، وقد تم طرحه مسبقًا في العديد من النصوص الرسمية والأكاديمية للمسؤولين، ولكن الهيكل الأيديولوجي للحكم في إيران وتجربة 40 عاماً من أداء رجال الدين “الشيعة”، يشير إلى أن الأيديولوجية بالنسبة لهم في المقام الأول مقارنةً بالتخصص والعلم والتقنية، وهذه هي النظرة العامة التي زادت من هجرة النخب من إيران.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد