هكذا يتعرض الصحافيون في لبنان “بلد الحريات” للقمع والتعذيب

فاطمة العثمان – لبنان

تراجع لبنان خلال السنوات الماضية في المجال الإعلامي وحرية التعبير عن الرأي، فقد تعرض العديد من الصحفيين للقمع والاستجواب والاعتقال، وصدرت بحقهم أحكام قضائية، بحسب منظمات حقوقية تهتم بحرية الإعلام في العالم .

المصور السوري ف. س (وهي الأحرف الأولى لاسمه) الذي لجأ إلى لبنان إبان معارك مدينة القصير السورية التي دارت بين ميليشيا حزب الله اللبناني وقوات النظام السوري من جهة، وفصائل المعارضة السورية من جهة أخرى، احتُجز من قبل الأمن العام اللبناني أثناء توجهه لتقديم شكوى بحق شخص سرق منه جواله وأمواله.

وتعرض (ف. س) أثناء احتجازه بالأمن العام اللبناني للركل والرفس والضرب إثر رفضه الإجابة عن أسماء الإعلاميين الذين كانوا يغطون المعارك.

يقول (ف. س) لـ “إيران وير”: ” اعترفتُ بأشياء لم أرتكبها تحت الضغط والتعذيب، ووجهت لي عدة تهم بانتمائي لجهات إرهابية، وقد أنكرت ذلك مراراً، لأني كنت أنقل فقط الواقع المرير لإخواني اللاجئين”.

كما تعرض مراسل قناة الجديد اللبنانية حسان الرفاعي للسحل من قبل عناصر الدرك أثناء تغطيته للتحركات الشعبية الاحتجاجية أمام ثكنة الحلو في منطقة مار الياس في العاصمة بيروت.

النقابة غائبة عن السمع

يقول جاد شحرور المسؤول الإعلامي في مؤسسة سمير قصير (منظمة مدنية غير ربحية، مقرها مدينة بيروت) لـ “إيران وير”: “إن المؤسسة وثقت بالصوت والصورة عشرات الحالات لصحافيين تم التعرض لسلامتهم من قبل الأجهزة الأمنية بشكل مباشر، خاصة بعد تغطيتهم للتحركات الشعبية الاحتجاجية التي بدأت منذ ما يقارب العام في لبنان ضد الطبقة السياسية الحاكمة”.

ووثقت مؤسسة سمير قصير 209 انتهاكات بحق صحافيين، ومصورين، وناشطين، خلال عام 2020، بينهم 102 صحافي تعرضوا للضرب وتكسير المعدات وفق إحصاءات المؤسسة، فيما خضع 55 آخرون للتحقيق بعد تلقيهم استدعاءات من الأجهزة الأمنية.

كما منع 18 صحافياً من ممارسة عملهم الصحفي والإعلامي تحت الضغط، وتعرض 9 صحافيين لحملات تشويه وتحريض إلكترونية نتيجة مواقفهم السياسية وتغريداتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وفق الموقع الرسمي لمؤسسة سمير قصير التي وثقت أيضاً تعرض 22 صحافياً للاعتقال من قبل الأجهزة الأمنية.

 وبحسب المؤسسة، فإن ثلاثة صحافيين تلقوا تهديدات بالقتل بشكل مباشر أو عبر اتصالات هاتفية.

وفيما يخص دور نقابتي الصحافة والمحررين اللبنانيتين في حماية الصحافيين، والمطالبة بحقوقهم، يرى شحرور أن هاتين النقابتين تمثلان السلطة السياسية، ولا تضمّان صحافيين يهتمون بحماية الجسم الصحافي.

وأشار شحرور إلى أنه في عملية بحث بسيطة عن الأعضاء في النقابتين، سيتبين أن هؤلاء لا يمارسون مهنة الصحافة بشكل فعلي، ولا مواد لديهم في وسائل الإعلام.

وحاول فريق “إيران وير” التواصل مع نقابتي الصحافة والمحررين في لبنان لسؤالهما عن الأسباب التي تمنعهما من التحرك عند تعرض الصحافيين للتعنيف من قبل أجهزة الأمن، ولكن أحداً لم يجب على اتصالاتنا.

تبعية وسائل الإعلام اللبناني للسياسيين

تتبع المؤسسات الإعلامية بمعظمها في لبنان للأحزاب السياسية، حيث يملك حزب الله تلفزيون المنار، ويملك رئيس مجلس النواب اللبناني محطة NBN، ويملك رئيس الجمهورية ميشال عون قناة OTV، في حين يملك رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري تلفزيون المستقبل.

ويتنازع حزب القوات اللبنانية على ملكية محطة LBC مع رئيس مجلس إدارة المحطة بيار الضاهر، وتعتبر محطة MTV مقربة من حزب القوات اللبنانية، ولا تملك قناة الجديد أي جهة سياسية، في حين يُعتبر تلفزيون لبنان الرسمي حيادياً.

حرية الرأي والتعبير في الدستور اللبناني

تكفل المادة 13 من الفصل الثاني في الدستور اللبناني حرية الرأي والتعبير، وتنص على كفالةِ حريةِ إبداء الرأي قولاً وكتابةً، وحريةِ الطباعة، وحريةِ الاجتماع، وحريةِ تأليف الجمعيات، كما تكفل حرية إبداء الرأي (ضمن دائرة القانون)، والمادة 19 من “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” الذي صادق عليه لبنان في 1972، ومع ذلك لم تردع المواد القانونية الأجهزة الأمنية في لبنان من التعرض للصحافيين، والمس بحرياتهم.

يقول الدكتور في القانون الدولي المحامي طارق شندب لـ “إيران وير”: “إن القضاء اللبناني هو الجهة المسؤولة عن معاقبة عناصر الأمن الذين يتعرضون للصحافيين، ولغيرهم من المواطنين، إلا أننا في لبنان قليلاً ما نشهد معاقبة هؤلاء العناصر لعدة أسباب، أبرزها الإهمال في تطبيق القانون من جهة، والدعم السياسي الذي يحظى به معظم عناصر الأجهزة الأمنية من جهة أخرى”.

وتعرض عدد من الصحافيين في لبنان لأحكام قضائية استطاعوا عبر وكلائهم إلغاءها، فقد ألغت المحكمة العسكرية اللبنانية حكماً غيابياً بالسجن ستة أشهر بحق الصحافية اللبنانية حنين غدّار بعد اتهامها بـ”التشهير” بالجيش، على خلفية انتقادات وجهتها لحزب الله والجيش اللبناني عام 2014 خلال ندوة في واشنطن قالت فيها: “إن السنّة مقموعون من قبل حزب الله والجيش اللبناني، فيما لا يمكن المساس بميليشيا حزب الله”.

ويواجه الصحافي فداء عيتاني ثمانية أحكام بين غرامات مالية، وسجن بسبب انتقاد وزير خارجية لبنان السابق جبران باسيل.

وكان محامي باسيل قد رفع ثماني دعاوى على عيتاني بسبب عبارة كررها في منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي وهي: ” بلد بيسوى جبران باسيل انتو أكبر قدر”، ولم يستأنف عيتاني الحكم بسبب رفض القضاء نقل القضية إلى محكمة المطبوعات، وهي المحكمة الوحيدة المسؤولة عن متابعة القضايا المتعلقة بالصحافيين.

وواجه مراسل قناة الجديد آدم شمس الدين حكماً غيابياً بالسجن ثلاثة أشهر بسبب منشور انتقد فيه جهاز أمن الدولة على موقع فيس بوك، ومن اللافت للنظر أن المحكمة العسكرية نفسها أصدرت الحكم، في حين لم تحرك محكمة المطبوعات ساكناً.

تراجع تصنيف لبنان العالمي في حرية الصحافة

تراجع لبنان على الأقل ثلاث مرتبات في مؤشر الحرية الصادر عن تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود” الأخير لعام 2020، فبعدما احتل لبنان المرتبة 98/180، ها هو اليوم في المرتبة 101/180.

وقالت المنظمة في تقريرها: “إن الإعلام اللبناني مسيَّس للغاية وسط استهداف لحرية التعبير”، وجاء في تقييم المنظمة حول واقع حرية الصحافة في لبنان عام 2020 ما يلي:

استطاعت الاحتجاجات الشعبية التي بدأت في نهاية عام 2019 كسر حاجز الخوف لدى المواطنين الذين كانوا ممنوعين من انتقاد شخصيات سياسية وفق القانون اللبناني، علماً أن الأخير يجرم القدح، والذم، والتشهير، دون تحديد أطر واضحة لهذه المفاهيم، وهذا ما أدى إلى تعرض عدد من الصحافيين، مع بدء الاحتجاجات الشعبية لمواجهة أحكام قضائية متنوعة، فقد تم توقيف بعضهم لمجرد استضافة شخصيات انتقدت السلطة، في حين تعرض الصحافيون الذين يعملون في مؤسسات مملوكة من قبل الأحزاب السياسية للتعنيف الجسدي واللفظي أثناء تغطية الاحتجاجات.

ويشكل تدخل القضاء العسكري بالقضايا الصحافية نقطة مبهمة في لبنان، لأنه على الرغم من عدم اختصاصه في القضايا المتعلقة بالصحافة، ما زال حتى اليوم يطلق الأحكام، ويحاسب الصحافيين.

وانتقدت منظمة Human Rights Watch  في تقريرها الصادر بتاريخ 17 أكتوبر/  تشرين الأول 2020 ملاحقة الصحافيين من قبل الأجهزة الأمنية، وقالت المنظمة: “إن موجة الملاحقات القضائية التي بدأت منذ اندلاع الاحتجاجات التي عمت البلاد في17 أكتوبر/تشرين الأول ضد النشطاء والصحفيين المنتقدين لسياسات الحكومة والفساد، تُهدّد حرية الرأي والتعبير في لبنان”.

وتجدر الإشارة إلى أن لبنان، ممثّلاً بوزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال شربل وهبة امتنع عن التوقيع على البيان الختامي الصادر عن “المؤتمر العالمي الثاني لحرية الإعلام” الذي عقد في 19 نوفمبر / تشرين الثاني الفائت، والذي نص على مطالبة الدول الأعضاء بالعمل على توفير مزيد من الحماية للصحافيين على الأرض، وضمان الفضاء الرقمي، وإنهاء الإفلات من العقاب ليتمكن الصحافيون حول العالم من القيام بمهامهم بحرية، في حين استدعى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية عشرات الصحافيين والناشطين للتحقيق معهم على خلفية منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، بحسب منظمة Human Rights Watch.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد