ماذا سيحدث لو صَنّفت الأمم المتحدة مَقتلة النظام الإيراني 1988 جرائمَ ضد الإنسانية؟

فرامرز داور – إيران وير

في إجراء غير مسبوق منذ تأسيس نظام الجمهورية الإيرانية، وجّه لفيف من خبراء القانون في الأمم المتحدة رسالة إلى قادة إيران مُحذِّرين إياهم أن مخالفاتهم السابقة والمستمرة في مجال حقوق الإنسان حول ملف مذبحة آلاف السجناء في صيف 1988 قد تُعتبر “جرائم ضد الإنسانية”، مضيفين أن أوضاع إلحاق الأذى بعوائل المعدومين، وتضييق الخناق عليهم إذا استمرت فإنهم سيتقدمون بطلب إجراء التحقيقات الدولية في القضية.

ما هي جرائم ضد الإنسانية، وإذا صَنّفت الأمم المتحدة المجزرة آنفة الذكر كجرائم ضد الإنسانية فماذا سيحدث؟

يَرد في البيان القانوني أن جرائم ضد الإنسانية هي القتل العمد لمواطنين مدنيين، واستعمال “العنف الممنهج” ضدهم، وتُعتبر إحدى الجرائم الدولية الرئيسية. والرسالة الموجَّهة إلى النظام الإيراني تتضمن تحذيرا شديدا حول جريمة جنائية دولية أوضحتها الأمم المتحدة لإيران قبل 42 عاماً.

المسؤولون عن إصدار أوامر هذه الجرائم والإعدامات الخارجة عن نطاق القضاء في العام 1988 ومرتكبوها لا يزالون يَتقلّدون مناصب رفيعة في الحكومة والسلطة القضائية في النظام الإيراني؛ “إبراهيم رئيسي”، رئيس السلطة القضائية الحالي، و“علي رضا آوائي”، وزير العدل في حكومة “حسن روحاني”، من المتهمين الرئيسيين في هذه المجزرة.

في أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 1988، أُعدِم سرّا في السجون الإيرانية عدد كبير من السجناء السياسيين وسجناء الرأي ومعارضي الجمهورية الإسلامية، ولم يَقتصر الأمر على عدم تسليم جثمان كثير منهم لذويهم فحسب، بل ليست هناك معلومات عن مكان دفنهم أيضا. هذا الحدث الفاجع في تاريخ إيران السياسي يُعرَف بمجزرة صيف 1988.

الرسالة التحذيرية لخبراء القانون في الأمم المتحدة تم إرسالها إلى النظام الإيراني بصورة سريّة في 3 سبتمبر 2020، لكنْ تزامناً مع “اليوم العالمي لحقوق الإنسان” ها هي “منظمة العفو الدولية” تَكشف الآنَ عن رسالة غير مسبوقة من هذا النوع وترحّب بإرسالها.

“ديانا الطحاوي”، من مديري منظمة العفو الدولية، صرحت قائلة: “لقد مر وقت طويل إلا أن الخبراء في حقوق الإنسان في الأمم المتحدة أرسلوا اليومَ رسالة صريحة وواضحة إلى القادة الإيرانيين وإلى المجتمع الدولي، مفادها التأكيد على أن هناك استمراراً في الإخفاء القسري والمجرم منذ وقوع الإعدامات السرية الخارجة عن نطاق القضاء في العام 1988 حتى الآن، ولا ينبغي أن تبقى القضية من دون تحقيق وعقاب أكثر من هذا”.

يُطلِق القانونُ الدولي “الاختفاءَ القسري” على مَن يُقال إنه اعتُقِل أو اختُطِف على يد القوات الحكومية أو القوات المرتبطة بها، ثم بعد ذلك يتم التستُّر عليه بحيث لا يَحظى بالدعم القانوني.

أحد أوجه الاختفاء القسري هو الاعتقالات الحكومية التي تنتهي إلى الإعدام خارج نطاق القضاء، ثم تتستر السلطات الرسمية بعد إعدامه حول مصيره ومكان دفنه.

في رسالتهم المكونة من 18 صفحة، يبدي قانونيّو الأمم المتحدة قلقهم البالغ إزاء الشكاوى المقدَّمة، والمتعلقة باستمرار امتناع السلطات الإيرانية عن كشف النقاب عن مصير الضحايا أو مكان دفن بقاياهم.

ويَرد في هذه الرسالة أن ما يزيد في قلقهم هو إحجامُ سلطات النظام الإيراني عن عرض شهادات دقيقة وشاملة تُوضح لعوائل الضحايا سبب إعدام ذويهم، وسبب هدم المقابر الجماعية، والتهديد المستمر لأُسرهم، وإلحاق الأذى بهم، وعدم إجراء التحقيقات والمحاكمات الجنائية بشأن المجزرة، والتصريحات الرسمية القائمة على نفي هذه الملفات أو التقليل من شأنها، ووضع الانتقادات الموجَّهة للمقالة في سلّة واحدة مع دعم الإرهاب.

ويُضيف القانونيون أن ملف الإخفاء القسري للضحايا سيبقى مفتوحاً إلى حين انكشاف مصيرهم ومكان دفنهم.

هذا التحذير غير المسبوق معناه أن إبادة 1988 الجماعية قد تندرج على الأقل من وجهة نظر مجموعة رفيعة من المختصين في الأمم المتحدة، تحت بند جرائم ضد الإنسانية؛ وهي إحدى أكبر الجرائم الدولية، وقد تُعرِّض مسؤوليها ومنفّذيها، مثل إبراهيم رئيسي، للملاحقة الدولية.

في صيف 1988، حين قَبل الخميني القرار 598 مُنهيا حرب الثماني سنوات مع العراق، قامت مجموعة من معارضي النظام الإيراني المتحالفين مع الرئيس العراقي صدام حسين بالهجوم على الحدود الإيرانية، وتسنى لها الزحف إلى حد ما، لكنها مُنِيت بالهزيمة في صراعها العسكري مع الحرس الثوري والجيش الإيراني.

المهاجمون أطلقوا على هذه العملية “فروغ جاويدان [النور الخالد]” في حين النظام الإيراني سمّاها من جهته “المرصاد”. تزامناً معها كان هناك عدد من السجناء السياسيين وسجناء الرأي يُمضون محكوميتهم في سجون النظام الذي كان يَخشى من تواصلهم مع المهاجمين، فأقام لهم محاكمات ميدانية لم تكن تستغرق سوى دقائق معدودة يُسأل فيها السجناءُ عن معتقداتهم وأهدافهم، وإذا أبدوا التزامهم بأهدافهم السياسية حُكِم عليهم بالإعدام.

آية الله “حسين علي منتظري”، قائم مقام المرشد الأعلى وقتذاك، اعتبر هذه الإعدامات الخارجة عن نطاق القضاء، قتلاً سياسياً أيضاً، “أكبرَ جريمة ارتكبها نظام الجمهورية الإسلامية”. وفي لقاء جمعه بإبراهيم رئيسي و“مصطفى بورمحمدي” و“حسين علي نيري”، أعضاء اللجنة المقرِّرة حول السجناء، طالَبَ بوقف هذه الجريمة.

وفي التسجيل الصوتي الذي نُشر بعد زهاء 30 سنة من تاريخ هذا الاجتماع، يخاطب إبراهيم رئيسي منتظري قائلاً إن هناك إعدامات أخرى متبقية، ومن الأفضل اتخاذ القرار بعد إنهائها. يُشار إلى أن الخميني هو من كان قد أصدر تصريح هذه الإعدامات السياسية.

بعد تنفيذ النظام إعدامات على نطاق واسع، قام بدفن الجثامين بلا هوية في مقابر جماعية خارج المقابر الرسمية في المدن. ومقبرة “خاوران” هي إحدى تلك المقابر، وقد استطاعت عوائل الضحايا الحصول فيها على بقايا أعضاء أقربائهم المعدومين من دون معرفة المكان الدقيق لدفنهم. لكن النظام يُضيّق الخناق على عوائل المعدومين التي تَجتمع في هذه المقبرة على ذكرى ذويهم ويُلحِق بهم صنوفاً من الأذى بل حتى يعتقلهم، وفي بعض الأحيان يتّخذ أساليب عجيبة في هدم المقبرة وتسطيحها، كي يُخفي جميع علامات وجودها.

والنهج الذي انتهجه النظام في صيف وخريف 1988، وأقدم على إعدام معارضيه وقتلهم قتلاً سياسياً لا يزال مستمراً بأبعاد أخرى بعد أكثر من ثلاثة عقود؛ من إجراءاته اعتقال المواطنين وإخفائهم قسرياً، وسلسلة جرائم القتل، وفبركة الملفات، وإحداث خلل مستمر في حياتهم الطبيعية، ومؤخراً مساعيه في تفخيخ مكان اجتماع معارضيه في باريس.

وفي الوقت الحالي، يُحاكَم “أسد الله أسدي” السكرتير الثالث في سفارة النظام في فيينا، بتهمة التخطيط لتفخيخ مقر المعارضين السياسيين في باريس. وقبل هذا الاعتقال والبدء بالمحاكمة، تم اعتقال رجل يُدعى “حميد نوري”، متهم بالمشاركة في مجزرة 1988، في السويد، ولا تزال التحقيقات جارية حول دوره المحتمل فيها.

صحيح أن أكثر من 30 سنة مرت على هذه المقتلة إلا أن استمرار السلوك المماثل لارتكاب تلك الجرائم، وامتناع النظام عن تحمل المسؤولية أمام عوائل المقتولين يجعلان هذا الملف من وجهة نظر خبراء القانون في الأمم المتحدة مفتوحاً غير خاضع لشروط مرور الزمان.

ورغبةً من الخبراء القانونيين في الأمم المتحدة في تحويل مقتلة 1988 المستمرة إلى ملف ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، يُطالبون النظام الإيراني بمطالب محددة؛ منها إجراء تحقيقات دقيقة وحيادية ومستقلة حول ملفات جميع الضحايا، والكشف عن بقايا جثامينهم وإعادتها إلى عوائلهم، والكشف عن أسماء مرتكبي هذه الجرائم ومحاكمتهم، والقيام بإجراءات مؤثرة تُعوِّض الضحايا من خلال دفع الغرامات.

فضلاً عن المطالب المذكورة أعلاه في الرسالة المرسلة إلى النظام الإيراني، يطالبه هؤلاء القانونيون بتقديم معلومات دقيقة حول الأسئلة المطروحة التالية:

  • هل تم تسجيل أسماء المعدومين في السجلات الرسمية للموت والدفن؟
  • ما الإجراءات المتَّخذة في تحديد المقابر الجماعية المدنسة والكشف عنها وحراستها؟
  • ما المعلومات الشفافة والدقيقة عن هوية الأشخاص المدفونين في كل مقبرة، وكذلك المعلومات الدقيقة المتعلقة بالأشخاص المجهولين؟
  • ما إمكانية إقامة مراسم تكريم للمعدومين أو مراسم عزاء لعوائلهم وأصدقائهم في مكان دفنهم؟
  • ما المقررات القانونية لدعم العوائل والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يتقصَّون المعلومات المتعلقة بمصير ومكان دفن ضحايا الإخفاء القسري، وكذلك ما الإجراء المتَّخذ في تحقيق العدالة الجنائية بشأن منفذي ذلك القتل الخارج عن نطاق القضاء؟

وحتى لو أزال النظام الإيراني الحجاب عن جميع المسائل الغامضة وأجاب عن الأسئلة التي يطرحها خبراء القانون في الأمم المتحدة فإن حق تطبيق العدالة الجنائية، ومحاكمة منفّذي كارثة صيف 1988 في محكمة عادلة لأُسَر الضحايا لا يقبل الأخذ والرد.

تأسيساً على سوابق النظام الإيراني لأكثر من 40 عاماً، فإنه يعتمد ما أمكنه ذلك التسويفَ منهجاً في التعامل مع القضايا الدولية.

وقد يتعاون النظام الإيراني مع الأمم المتحدة بنحوٍ تَدخل معه عمليةُ الغوامض الموجودة مساراً طويلاً لا نهاية له، أو ربما امتنع عن الرد على هذه المطالب المقدَّمة أصلاً. في هذه الحالة، ستُمهَّد الأرضية أمام اعتبار مجزرة 1988 كجرائم ضد الإنسانية.

وإذا صُنِّف ملف سنة 1988 كجرائم ضد الإنسانية فهناك احتمالية أن يُصدِر مجلس الأمن قراراً يَقضي بتأسيس محكمة دولية للتحقيق في الاتهامات الجنائية ضد مسؤولي النظام الإيراني، وهذا ما فعله مجلس الأمن في بعض المجازر الأخرى كمجزرة يوغسلافيا السابقة أو رواندا أو لبنان.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد