تعيين القاضي في إيران… لباس أختك غير مناسب، فلست أهلاً للقضاء!

ماهْرُخ غلامحسين بُوْر –إيران وير

ها قد مرت 40 سنة على عمر السلطة القضائية في إيران، لكنها لم تَستطع بعدُ اكتساب ثقة الجمهور، فما السبب؟

يتطرق “إيران وير” في سلسلة مقالات إلى بنية السلطة القضائية بالارتكاز على نماذج عينية وتصريحات قانونية.

وفي هذا المقال سيتناول عيوب قضية تعيين القضاة المتخصصين والمستقلين في بنية السلطة القضائية.

يُشكّل تعيين القاضي في معظم الدول أحد أبرز التحديات؛ ففي فرنسا يُعيَّن القاضي من بين متخرِّجي المدارس القضائية العليا ومن حملة الماجستير فما فوق. ولتعيين القاضي في أمريكا طريق عسير، وينبغي على أيّ قاضٍ عبورُ سد الاختبارات العلمية، وقضاء سنوات من التجربة والممارسة الكثيرة. وفي بريطانيا على المتخرج من قسم الحقوق أن يُمضي بين خمس إلى سبع سنوات من التجربة في المحاماة والتدريس أو البحث العلمي في الحقل المرتبط بالقضاء، وبهذه الشروط وحدَها تتسنى له المشاركة في امتحان تعيين القضاة.

أما في إيران فمعظم القضاة القدماء الذين تَدخلوا بعد ثورة 1979 في ملفات مهمة مرتبطة بتصفية المناوئين للنظام لا يحملون شهاداتٍ أكاديميةً في مجال القضاء، ولم يَتخصصوا فيه.

يقول “إيرج مصداقي”: “إن القاضي “أبا القاسم صلواتي”، المسجَّل في ملفه صدورُ أحكام مُجحفة بإعدام وسَجْن كثيرين من مناهضي النظام في السنوات الأخيرة، وَصَل إلى منصب القضاء من غير حيازته أيَّ شهادة علمية تتعلق بالقانون والقضاء”.

ويقال إن “أسد الله لاجوري”، النائب العام السابق للثورة ورئيس سجن “إيفين”، الذي نَفّذ كثيراً من أحكام الإعدام في الثمانينيات، ترك المدرسة في السنة الثانية من المرحلة الثانوية، والتفت إلى تعلُّم العلوم الدينية بنفسه ولم يتخصص بالقضاء من قريب أو من بعيد.

ولا يحمل “محمد مقيسه”، رئيس الفرع 28 للمحكمة العامة ومحكمة الثورة في طهران أيضاً شهادة علمية جامعية، واقتصرت دراسته على ما تلقاه في الحوزات الدينية. وبالطبع يسري هذا الأمر على أغلبية مسؤولي السلطة القضائية، بدءاً من مُديريها من الأدنى وحتى الأعلى رتبة.

“محمد صادق لاريجاني” الحاكم الشرعي الشهير الذي أصدر أحكاماً بإعدام نَفَرٍ كثير من المعارضين والمختلفين في الرأي في السنوات التي أعقبت ثورة 1979 والذي تدخل في إعدام أمثال الفريق أول “نصيري”، والفريق “رحيمي”، وكثيرين غيرهم، درَس حتى الصف السادس الابتدائي في المدارس الأكاديمية ثم أُرسل إلى الحوزة العلمية في أربيل وقُم لاكتساب العلوم الدينية. ولم يَمرَّ قَطُّ بمراحل علمية واختصاصية مناسبة لشؤون القضاء.

كيف يتم اختيار قضاة السلطة القضائية في إيران حاليا؟

عادةً ما يُذاع إعلان تعيين القضاة في إدارة الموارد البشرية للسلطة القضائية. وعلى المشاركين في امتحان تعيين القضاة أن يكونوا من حملة الإجازة في الحقوق والفقه والشريعة باختصاصَي الفقه وأصول القانون الإسلامي، ومن حملة الماجستير في المعارف الإسلامية أو من متخرِّجي المستوى الثاني في الحوزة العلمية.

وكلُّ من يتجاوز مرحلة الامتحان العلمي يتأهّل إلى مرحلة اختبار الشخصية؟ وينطوي اختبار الشخصية أيضاً على شقين: كتابي وحضوري؛ ويبقى الشق الحضوري أهمها جميعاً لأنه الشق الإيديولوجي المفضي إلى التعيين أو عدمه.

عَـمَّ يُسأل في اختبار الشخصية؟

جدير بنا أن نستمع هنا إلى حكاية مهمة وعينية: فقد بقي “علي رضا مباني”، طالب دكتوراه حالياً في “جامعة سانتا كلارا” في كاليفورنيا، يحمل في ذهنه منذ أيام الشباب فكرة أن يصبح رئيسَ المحكمة ليؤدّي دور منقذ الناس، والفكرة جاءته من مشاهدته الأفلام السينمائية الأجنبية ودور القاضي المنجي فيها.

كان علي رضا طالباً مجتهداً جداً في مدرسته، ولهذا السبب حين قرر متابعة دراسته الأكاديمية في العلوم الإنسانية لتحقيق حلمه وُوْجِه بمعارضة والده الشديدة، فالأخير كان يرسم له مستقبلاً ناجحاً في الاختصاصات العلمية كالطب والهندسة، لكنه أبى إلا أن يصبح ضد تيار أبيه فيدرس حتى مرحلة الماجستير في كلية الحقوق في إحدى الجامعات المرموقة، ويتخرَّج فيها بمعدَّل عالٍ. ثم شارك مرتين في امتحان القضاة. وعلما أنه حصل على درجات تؤهِّله للتعيين قاضياً إلا أنه رسب في اختبار الشخصية.

كانت محاولة علي رضا الأخيرة عام 2017، واضطر في نهاية المطاف إلى ترك إيران لتحقيق حلمه.

يقول إنه سُئل في امتحان الشخصية أسئلة من قبيل: “هل تصلي؟ ما أهم وقائع معركة تبوك؟ كيف يكون التيمّم؟ ما هي أهداف مسيرة يوم القدس؟ ما الاختلاف بين مرجع التقليد والولي الفقيه؟ من هما طلحة والزبير؟ هل تَتسربل أختك بالعباءة/الشادور أم ترتدي البنطلون والمانطو القصير؟ ما رأيك في أصل ولاية الفقيه؟ ولمن صَوّتَّ في الانتخابات الرئاسية المنصرمة؟ و…”.

فأجاب علي رضا بمنتهى الصدق عن أسئلة المقيِّم، لكنه حين خرج من غرفة الامتحان نَبّهه أحد الناجحين في اختبار الشخصية إلى أنه لم يكن عليه إبداءُ آرائه، وكان عليه التظاهر بأنه صوّتَ بورقة بيضاء أداءً للواجب، ولا رأي له في الحكومة والاتفاق النووي ومثيلاتها.

في ما بعدُ أُجرِي تحقيق عن علي رضا حيث يَسكن، وسُئِل أهلُ الحي هل رأوا علي رضا يصلي صلاة الجماعة؟ وهل يَلتزم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وهل هو عضو في الباسيج / الحشد الشعبي؟ وهل تلتزم نساء عائلته بارتداء الحجاب على أصوله؟ وهل رآه أحد يخالط الجنس اللطيف في الشارع أو الحي؟… وأسئلة شبيهة لا علاقة لها بموضوع القضاء، ولا باختصاص التحكيم على الإطلاق! ويقول علي رضا: “لم أفهم بعدُ العلاقة بين الاتفاق النووي وبين موضوع مهم كالقضاء!”

يؤكد “موسى بَرْزِين خليفة لو”، وهو محامٍ ومقيم في تركيا أقوال علي رضا، ويقول: “حين يُقيَّم المتقدِّم إلى امتحان القضاء تُجرى معه وعنه حوارات سياسية ودينية وتحقيقات ميدانية بشأن طريقة لبس العائلة وإيمانها وجميع ما ذَكره علي رضا”. ويضيف: وفقاً للقوانين ومنها “النظام الداخلي لطريقة استقطاب المتقدمين لتولي منصب القاضي” فالدور الأكبر في اختيار القضاة ليس للقضايا العلمية بل للمسائل الدينية والارتهان السياسي: “عادةً ما يتم اختيار القضاة من بين علماء الدين والمتخرّجين في مراكز خاصة ترتبط بوجه من الوجوه بالنظام الحاكم كالحوزة العلمية، أو جامعات العلوم الرضوية، أو الإمام الصادق، أو العلوم القضائية، وهناك نسبة مئوية ضئيلة جداً من بين القضاة المتخرجين في كليات الحقوق في الجامعات العادية”.

يشرح “محمد أوليائي فرد”، المحامي والمقيم في كندا مسار عدم استقلالية القضاة على النحو التالي: “المرشد الأعلى هو من يعيّن رئيس السلطة القضائية، وهو قاضي القضاة، وقد أناط برئيس السلطة القضائية مسؤوليةَ قاضي القضاة. لهذا السبب يَحذو رئيس السلطة القضائية حذو المرشد. من ناحية أخرى، وطبقا للدستور فمن مهام رئيس السلطة القضائية تعيينُ القضاة العادلين؛ أي على القاضي المعيَّن نسيانُ رئيس السلطة القضائية والمرشد الأعلى وجميع أنواع الارتهان للتيارات السياسية وغيرها ويَـحكم بالعدل والحيادية في الملفّات المكلَّف بها. لكن هذا الأمر لا يحدث، ويُؤدي القضاة عملهم أداء هادفاً. وتأييداً لهذا الزعم أرى لِزاماً عليّ التذكيرَ بما جاء في نص قسم القضاة حيث عليهم أداء اليمين بأنهم سيكونون تابعين لإرشادات ولي الأمر”.

تُدلي “زهرا. ر”، محامية مُحنّكة مقيمة في خوزستان لإيران وير بأسف أن النسبة الأكبر من القضاة الذين تعاملتْ معهم كانوا جهلاء قليلي التجربة تقول: “قبل سنوات تَقرّر أن يُحدّدوا القضاة الجهلاء ويُغيّروهم، لكن بقي الأمر حبراً على ورق، فكيف لسيادة القاضي المتخرج في الحوزة الذي يخطئ ثلاثة أغلاط إملائية فاحشة في جملة قصيرة، ويجهل أبسط القوانين المدنية والعامة، ويخلط بين الأمور أن يحكم بالعدل في قضية عَويصة؟ أكثر القضاة المتخرجين في الحوزة غير متخصصين كما يجب، وبدلاً من أن يكونوا قضاة فهم وعّاظ أو ممثّلون للدين والمذهب”.

وتعتقد زهرا أن الحل الوحيد لهذه المشكلة المستشرية هو إصلاح مسار استقطاب وتعيين القاضي تقول: “عليهم اجتذاب قضاة إلى النظام القضائي يكونون متخصصين لا قُرّاء في مجالس الروضات الدينية، ومتخرجين في الجامعات المتخصصة بالقضاء لا في الحوزات العلمية، ذلك أن البتّ في حل دعاوى الناس لا يتطلّب الفذلكة الخطابية بل التخصص”.

ويشير موسى “برزين خليفة لو” أيضاً إلى عدم فاعلية نظام استقطاب القاضي، وإلى الفساد فيه فيقول: “في النظام الداخلي لاستقطاب وتعيين القضاة الذي أُقِرّ في الثمانينيات مجموعةُ شروط، منها أن يكون القاضي رجلاً، ويؤمن بولاية الفقيه، وهي أهم من تخصص القاضي. في ظل اللامبالاة باختصاص القاضي هذه نسمع بين الفينة والفينة أن 126 قاضياً فاسداً على سبيل المثال تـمّ فصلُهم”.

يتابع هذا الباحث الحقوقي أن مكان الأسئلة الاختصاصية يُترك فارغاً في المقابلة الحضورية، ولا يهمهم سوى معرفة هل المتقدم من جناح اليمين أم من اليسار. “أنا شخصياً كنت أسمع وأنا طالب في عهد رئاسة محمد خاتمي أنهم يسألون عن رأي المتقدم إلى الامتحان في خاتمي، فإذا أجاب إيجاباً وقع في الفخ، وإذا أجاب سلباً وقع في الفخ أيضاً، وكان الأفضل الإجابة بأن لا رأي له”.

يفيد “برزين خليفة لو” أن القائمين على الأمر لا يروق لهم أن يكون القاضي فاحصاً ماحصاً قارئاً نَـهِما كثير السؤال يقول: “وبالطبع لا تعني تصريحاتي أن جميع القضاة على هذه الشاكلة؛ إذ لدينا قضاة ممتازون استطاعوا أن يتحايلوا على طريقة الاختيار العجيبة الغريبة، ويُكرّسوا حياتهم لخدمة الشعب”.

استنادا إلى المادة 158 من الدستور، يضطلع رئيس السلطة القضائية بتعيين القضاة العادلين والجديرين، وعزلهم، وتغيير مكان عملهم وترقيتهم.

يبقى أن نقول إن “حسين رئيسي”، المحامي السابق والمقيم في كندا يُصادق على جميع تصريحات المحامين السابقين ويضيف: “في الدول الديمقراطية يتم اختيار القاضي على أساس نظام دقيق يُعيِّن الأشخاص الصادقين الحياديين، لكن في المقابل نرى إشكالا كبيراً في السلطة القضائية في إيران، ولا سيما في دستور 1989، حيث تبدو جليةً سيطرة النظام الهرمي، وتسلسل السلطة من الأعلى إلى الأسفل. وفي رأس الهرم رئيسُ السلطة القضائية ذو الصلاحيات غير المحدودة الذي يطيع بدوره طاعة عمياء المرشد الأعلى، ما ينتهي بالأمر كله إلى الفساد. في حين يعني الاستقلال في السلطة القضائية أن يكون القاضي في موقف مستقل وحيادي ويتسنى له إصدار رأيه وحكمه بحرية وبلا قلق”.

ويعتقد رئيسي أن استقلال السلطة القضائية لا يعني انفصالها عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، بل يَستطيع القاضي وكل مسؤول في المؤسسة أن يتخذ قرار التحكيم بين “الشعب والشعب” و”الشعب والحكومة” دون شروط أو ضغوط، ولغياب هذا الأمر تعاني بنية السلطة القضائية في إيران من الاختلال.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد