الدعاية الإيرانية في الخارج.. حركة مستنسخة عنها في نيجيريا

أمينو أبوبكر – إيران وير

لطالما كان هاجس المظهر هو سمة مميزة للأنظمة الوحشية على مر الزمن. إن أكثر الدول وحشية واستبداداً وعُرضَة للمساءلة هي التي تُولي مستوى من الاهتمام يصل لحد الوسواس بالطريقة التي يُنظَرُ إليها من قبل مواطنيها، ومن قبل الدول الأخرى والجهات الفاعلة القوية على المسرح الدولي.

لا يوجد مكان يُؤَكِدُ على صحة هذا الكلام مثل جمهورية إيران الإسلامية، حيث يتم تحويل مبالغ لا حصر لها من الأموال العامة كل عام إلى المؤسسات الموالية للنظام والتي لها علاقات خارجية وتهدف إلى تعزيز الصورة المُضَخَمَة للنظام في الخارج وتكريس المبادئ الأيديولوجية كدليل على شرعيته.

لا تصل هذه الجماعات الموالية لإيران إلى وسائل الإعلام فقط مثل إذاعة جمهورية إيران الإسلامية ومحطة PressTV المنتشرة في كل مكان، بل تمتد أيضاً لتصل إلى شبكات التضليل عبر الإنترنت والمؤسسات الثقافية والمنظمات المحلية التي ترعاها إيران والتي أصبحت – عن قصد أو غير قصد – وكيلاً للجمهورية الإسلامية في مجتمعاتها.

تهدف سلسلة مقالات إيران وير الجديدة إلى كشف الغطاء عن كيفية ظهور الدعاية المؤيدة للجمهورية الإيرانية في بلدان مختلفة حول العالم. بالشراكة مع الصحفيين المحليين في هذه البلدان، سنلقي الضوء على منصات الدعم المحلية للنظام الإيراني، وكيف تنتشر روايات هذه المنصات وتكتسب رواجاً، والأثر المدمر في بعض الأحيان لذلك على الديمقراطيات المحلية.

قمنا في المقالة الأولي بالتركيز على النشاطات التي قام بها حزب الله والجمهورية الإسلامية الإيرانية في الأرجنتين. المقال الثاني، للصحافي أمينو أبو بكر المقيم في كانو، يبحث في التحالف الإعلامي متعدد الأوجه بين الحركة الإسلامية النيجيرية الشيعية المثيرة للجدل والنظام الإيراني.

***

في كانون أول/ ٢٠١٥، قامت الحكومة بحملة عسكرية ضد الحركة الإسلامية الموالية لإيران في نيجيريا (IMN)، وقُتِلَ على أثرها حوالي ٣٥٠ شخصاً. ومنذ ذلك الحين، كانت هناك محاولات متعمدة ومستمرة من قبل هذه الحركة المسلحة لتصوير الحادث – والاشتباكات اللاحقة – على أنه اضطهاد ديني لأقلية شيعية ضمن الأغلبية السُنَية من السكان في نيجيريا.

تسعى حركة IMN إلى إقامة نظام ديني إسلامي في نيجيريا من خلال ثورة إسلامية على النمط الإيراني. وهي مدعومة في مسعاها من قبل وسائل إعلام إيرانية تسيطر عليها الدولة، بقيادة شبكة  Press TV. تبث هذه القناة باستمرار دعاية إعلامية لحركة IMN في نيجيريا، حيث تصور زعيم الحركة المسجون، الشيخ إبراهيم يعقوب زكزكي، على أنه شهيد ديني وأن أتباعه الشيعة ضحايا حملة قمع ترعاها الدولة.

ولادة الحركة المُسْتَنْسَخَة

على مدى عقود، كانت حركة IMN على خلاف مع السلطات العلمانية في نيجيريا، وتعتبرها حكومة هذا البلد، الواقع في غرب إفريقيا، تهديدا للأمن القومي. وقد أدى ذلك إلى مواجهات عنيفة بشكل مستمر. زعيمها، الشيخ إبراهيم يعقوب زكزكي، البالغ من العمر الآن ٦٦ عاماً، تم سجنه بشكل دوري بتهمة التحريض والتخريب المزعوم. وهو حالياً في السجن بعد أن اعتقل آخر مرة في مداهمات ديسمبر كانون أول/ ٢٠١٥.

تشكلت المجموعة وبدأت نشاطها في عام ١٩٧٨، عندما برزت كحركة طلابية مسلمة في جامعة أحمدو بيلو، في مدينة زاريا شمال نيجيريا. تندد الجماعة علانية بالدولة العلمانية النيجيرية وتعلن عن هدفها المتمثل في إقامة دولة إسلامية. استوحى زكزكي من جماعة الإخوان المسلمين المصرية وفيما بعد شجعته الثورة الإسلامية الإيرانية عام ١٩٧٩. ومضى في إقامة علاقات وثيقة مع الجمهورية الإسلامية. أدى هذا الولاء إلى شقاق مع رجال الدين الوهابيين ذوي النفوذ والتأثير الممول من السعودية.

زكزكي والخميني. مصدر الصورة إيران وير بالانكليزي

منذ تأسيس حركة IMN، دخل زكزاكي في صراع مع الحكومات النيجيرية المتعاقبة حول مواقفه الثورية الراديكالية، ودخل السجن وخرج منه بشكل متقطع ليصل عدد سنوات سجنه مجتمعة إلى ١٣ عاماً. حتى عندما كان مسلماً سنياً في ذلك الوقت، كان في مسار تصادمي مع السلطات، التي نفذت عدة حملات قمع وحشية ضد حركته لدعوته إلى إقامة دولة إسلامية.

ظل الزكزكي سنياً حتى عام ١٩٩٦ ثم تحول هو وأتباعه إلى الإسلام الشيعي. أدى ذلك إلى موقف عدائي من جانبهم ضد غالبية السكان المسلمين السنة كما أدى إلى انقسام داخل الحركة. انفصل العديد من مساعدي زكزكي عن حركة IMN، الذين رفضوا فكرة التحول إلى المذهب الشيعي، وقاموا بتشكيل فصيل سني منافس يسمى جماعة تجديد الإسلامي (JTI)، بهدف محدد ألا وهو إجبار السنة على الثورة الإسلامية التي يقودها السنة في نيجيريا. كما أثار تحول أعضاء حركة IMN مخاوف بين المسلمين الشيعة الآخرين في نيجيريا، الذين اعترضوا على مواجهة زكزكي مع الدولة باسم مذهبهم.

زكزكي مع صورة الخميني. مصدر الصورة إيران وير بالانكليزي

أدى تحول زكزكي إلى الإسلام الشيعي إلى تقريبه من إيران – وبالتالي إلى مؤسساتها الدينية والسياسية، التي حصل منها على دعم مالي كبير. وهذا جعل من حركة IMN أقوى وأفضل تنظيماً. اجتذبت المجموعة المزيد من المتحولين الى المذهب الشيعي من المجتمعات الريفية الفقيرة في نيجيريا، حيث قدمت وما زالت تقدم لهم الخدمات الاجتماعية بما في ذلك المياه والمساعدات الطبية: الضروريات الأساسية التي فشلت الحكومة في توفيرها.

إيذاء المسلمين الشيعة في نيجيريا

خلال الاحتجاجات ضد التدخل الإيراني في نيجيريا. مصدر الصورة إيران وير بالانكليزي

يوجد داخل نيجيريا مجموعة أخرى من المسلمين الشيعة، تتألف من محترفين وأكاديميين ورجال أعمال، وهي مجموعة سبقت في وجودها حركة IMN. وتتبع إلى حد كبير منظمات شيعية مختلفة يقودها رجال دين أمضوا سنوات في دراسة اللاهوت في المعاهد الدينية في إيران، وينصب تركيزها على الأنشطة اللاهوتية والتعليمية التي تحترم القانون بموجب قوانين الدولة، بدلاً من كونها ملحقاً سياسياً إيرانياً كما هو حال حركة IMN.

بصفته اتحاداً من المهنيين مندمج جداً في المجتمع النيجيري، تتهم هذه المجموعة زكزكي بخلق ما يسمى بعبادة الشخصية، والتلاعب بمبادئ الإسلام الشيعي، والاستهزاء بالفتاوى الدينية. وتشعر الجماعة بالقلق من أن زكزكي يُعطي اسماً سيئاً عن مذهبهم ويثير عداء المجتمع النيجيري الأكبر ضد المسلمين الشيعة.

احتجاجات في نيجيريا. المصدر إيران وير بالانكليزي

عملياً، تعمل IMN كدولة داخل دولة. لقد أنشأت الحركة هيكلها القيادي الخاص في جميع أنحاء نيجيريا واتخذت زكزكي زعيماً لها. للجماعة جناحها المتشدد القوي الذي يجري عروضاً عسكرية تحت إشراف زكزكي، وينقل أوامره لأتباعه من خلال شبكة من المساعدين المنتشرين في جميع أنحاء البلاد. ترفض حركة IMN مبدأ الديمقراطية باعتباره مفهوما معاديا للإسلام، وترفض التسجيل كمنظمة دينية كما هو مطلوب بموجب القانون النيجيري، ولا تشارك في الانتخابات. ولذلك، ليس لدى الحركة تمثيل سياسي رسمي.

كيف تساعد إيران الحركة الإسلامية الدولية؟

القناة الإخبارية الإيرانية PressTV التي تسيطر عليها الدولة بانتظام لقطات لاحتجاجات الشوارع التي تنظمها حركة IMN

تبث القناة الإخبارية الإيرانية PressTV التي تسيطر عليها الدولة بانتظام لقطات لاحتجاجات الشوارع التي تنظمها حركة IMN، والتي يتم تنظيمها دون موافقة الدولة وتنتهي أحياناً بمواجهة عنيفة مع أفراد الأمن النيجيري.

من شبكة PressTV
مقابلة مع شادجاره

تُعَزِزْ شبكة PressTV أيضاً رواية الاضطهاد الديني ضد حركة IMN في نيجيريا. تعمل الشبكة بالتعاون مع ما يسمى باللجنة الإسلامية لحقوق الإنسان (IHRC) ومقرها لندن. يرأس هذه اللجنة مسعود شادجاره المولود في إيران، وهو صديق قديم لزكزكي. تستخدم شبكة PressTV مسعود شادجاره لنشر البث الدعائي الموالي لحركة IMN. متنكرا تحت راية حقوق الإنسان، يقوم شادجاره بترديد المعلومات المشوهة التي يقدمها له مساعدو زكزكي، وهو على اتصال دائم بهم. على سبيل المثال، في ٣ سبتمبر أيلول/ ٢٠١٩، استضافت شبكة PressTV مقابلة مع شادجاره افتتحها المذيع بالأسطر التالية: “يقول المعلق السياسي مسعود شادجاره إن الحكومة النيجيرية بحاجة إلى تغيير سلوكها تجاه الحركة الإسلامية في نيجيريا وزعيمها الشيخ إبراهيم الزكزكي.”

كما تنشر لجنة IHRC دعاية مؤيدة لحركة IMN على صفحاتها الإخبارية. في أعقاب حملة القمع في ديسمبر كانون الأول/ ٢٠١٥ مباشرة، أطلقت حملة موسعة تحت عنوان “أطلقوا سراح الزكزاكي”، بدعوى أن سجنه غير قانوني. في وقت سابق، ظهر مقال رأي، بقلم نسيبة ابنة زكزاكي، على موقع IHRC بتاريخ  ٢١ ديسمبر كانون أول/ ٢٠١٥، قالت فيه: “لم يُعَرِّف والدي عن نفسه كزعيم لطائفة ولا يعتبر الحركة كطائفة. كانت الأجندة الرئيسية للحركة الإسلامية هي محاربة ظلم النظام الذي أجبرنا على العيش في ظله في هذا البلد.” 

بيدق في حرب بالوكالة في الشرق الأوسط

حركة IMN تعرض الأعلام الإيرانية وتحمل صور الإمام الخميني في مظاهراتها

تقوم حركة IMN بعرض الأعلام الإيرانية وتحمل صور الإمام الخميني عالياً في مظاهراتها، إلى جانب الدُمى المسيئة إلى العلمين الأمريكي والإسرائيلي. وهذا يكفي للنظام الإيراني كحِجَة لدعم حركة IMN رغم التحذيرات المتكررة من الأتباع الشيعة الآخرين.

كما تجد إيران في حركة IMN ​​أداة حقيقية للمواجهة بالوكالة مع السعودية، عدوها اللدود في المنطقة. باعتبار نيجيريا الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في إفريقيا، والتي تضم ٢٠٠ مليون نسمة وعددا كبيرا من المسلمين، تعد هذه البلد مثالية للخصمين في صراعهما الجيوسياسي. تقوم المملكة العربية السعودية بتمويل المنظمات الوهابية في نيجيريا لنشر الكراهية الشديدة ضد المسلمين الشيعة وإيران. وفي الوقت نفسه، تتجاهل شبكة PressTV الإيرانية باستمرار الشكاوى التي تتلقاها من الشيعة غير المنتمين إلى حركة IMN  في نيجيريا بشأن الأكاذيب وتزوير الحقائق التي تُثيرها الحركة.

في ٢٨ ديسمبر كانون الأول/ 2019، ذكرت مقالة مؤيدة لحركة IMN على موقع PressTV الإلكتروني ما يلي: “تواصل الحكومة النيجيرية، سواء بناءً على طلب من بعض حلفائها الأقوياء أو بناءً على فكرة خاطئة خطيرة، شن حملة قاتلة غير إنسانية ضد رمز الدين الإسلامي في البلاد وأتباعه الذين يبلغ عددهم الآلاف. إن أعمال القمع الفاضح التي تعرض لها الشيخ إبراهيم الزكزكي، رئيس الحركة الإسلامية النيجيرية (IMN)، وكذلك معاناة أقاربه وأنصاره الطويلة، هي مسألة عبثية، و تُعتَبر فظيعة حتى من قبل أولئك الذين لا يتعاطفون مع  المقهورين بسبب دين أو عرق أو جنسية.”

الرئيس الإيراني حسن روحاني مع نظيره النيجيري محمدو بخاري

تم تجسيد هذه الحرب بالوكالة في ردود طهران والرياض على سجن زكزكي، التي حدثت خلال الحملة العسكرية الدامية. بعد يومين من الهجوم على حركة IMN في ١٥ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٥، أجرى الرئيس الإيراني حسن روحاني محادثة هاتفية مع نظيره النيجيري، محمدو بخاري. وخلال المناقشة، طلب روحاني من رئيس الدولة النيجيرية إيجاد وسيلة سلمية لحل نزاعاتها مع حركة IMN، في الوقت الذي كانت فيه البلاد تقاتل جماعة بوكو حرام الإرهابية السلفية.

بعد ذلك بيومين، أجرى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز محادثة هاتفية مع بخاري أعرب فيها، عن دعم بلاده لنيجيريا في “حربها ضد الإرهاب.”

كانت أول زيارة رئاسية لبخاري على الإطلاق لدولة أجنبية بعد تنصيبه في مايو أيار/ ٢٠١٥ إلى إيران، مما أثار استياء المملكة العربية السعودية. لكن رد إيران المستمر على وضع IMN أهدر نوايا بخاري الحسنة. في مايو أيار/ ٢٠١٦، دعا السفير الإيراني في نيجيريا آنذاك، سعيد كوزجي  إلى إطلاق سراح زكزكي ووصف استمرار احتجازه بأنه “غير عادل،” مما أثار غضباً في نيجيريا وتسبب في توتر العلاقات الدبلوماسية الإيرانية مع البلاد. تم استبدال كوزيتشي بعد أربعة أشهر في محاولة من طهران للتخفيف من الضرر. 

كيف تمت تغطية الاشتباكات؟

حملة عسكرية على مظاهرة مؤيدة لفلسطين في زاريا شمال نيجيريا

في يوليو تموز/ ٢٠١٤، قُتل ما مجموعه ٣٤ عضواً من حركة IMN، بما في ذلك أبناء زكزكي الثلاثة، في حملة عسكرية على مظاهرة مؤيدة لفلسطين نظمتها الحركة في زاريا، شمال نيجيريا. أدى الحادث إلى إدانة واسعة النطاق للجيش النيجيري وقدم زكزكي شكوى رسمية إلى لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.

لم يتوان الجيش عن شن هجمات قاتلة أخرى على الحركة في ١٢ و ١٣  ديسمبر كانون الأول/ ٢٠١٥. فتح الجنود النار على أعضاء حركة IMN الذين أغلقوا طريقاً رئيسياً خارج الحسينية أو المركز الديني للجماعة، حيث تجمع مئات الأشخاص من أجل احتفال ديني. في الازدحام المروري الذي أعقب ذلك، كان موكب رئيس أركان الجيش النيجيري، يوسف بوراتاي، من بين السيارات العالقة في الزحام. بناء على ذلك، اتهم الجيش حركة IMN بمحاولة اغتيال بوراتاي، ولم يكن لدى الجنود وقتها أي خيار سوى إطلاق النار. تنفي حركة IMN هذه التهمة، رغم لقطات فيديو مصورة أظهرت أعضاء غير منضبطين من حركة IMN في اشتباك مباشر مع ضباط الجيش لأنهم رفضوا السماح لهم بالمرور.

أسفرت هذه الحملة العسكرية عن مقتل ما لا يقل عن ٣٤٨ شخص، وفقاً للأرقام الصادرة عن الحكومة والجماعات الحقوقية، وهذه المرة كان من بين القتلى نائب زكزكي وأطفاله الثلاثة والمتحدث باسم الحركة ورئيس الأمن. أصيب زكزكي نفسه بجروح خطيرة في الهجوم واقتيد إلى الحجز العسكري، بينما دُمر منزله والعديد من المراكز الدينية التابعة لحركة IMN. كما تم اعتقال العشرات من أتباع الحركة.

بعد أيام، اتهم بيان بثته شبكة PressTV ثلاثة كيانات منفصلة – الرابطة المسيحية النيجيرية (CAN)، وهي الهيئة الجامعة لجميع الطوائف المسيحية في نيجيريا والمملكة العربية السعودية والجيش النيجيري – بالمشاركة في تنظيم مذبحة لأعضاء حركة IMN. اشتكت رابطة CAN فاضطرت شبكة PressTV للتراجع عن الادعاءات، ومنحت الرابطة الدينية حق الرد ولكن في وقت متأخراً.

مؤيدو زكزكي

على الرغم من الاعتذار، ومنذ هذه الحادثة، كثفت شبكة PressTV الدعاية المؤيدة لحركة IMN. صورت بانتظام الدولة النيجيرية على أنها منتهكة للحريات الدينية وتقمع المعتقد الشيعي، وادعت الشبكة بأن ما يُحفز الحكومة النيجيرية هو أمر من المحكمة بتجريم حركة IMN باعتبارها جماعة إرهابية.

في ٦ أغسطس آب/ ٢٠١٩، قالت شبكة PressTV في بث لها: “الحركة الإسلامية النيجيرية (IMN) آخبرت شبكة PressTV بأن الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة العربية السعودية كانت وراء الحملة الدموية التي شنتها حكومة أبوجا على أنصار الشخصية الإسلامية البارزة ،الشيخ إبراهيم زكزكي، الذي تم سجنه لأكثر من أربع سنوات.”

وواصلت بث احتجاجات الحركة في شوارع العاصمة النيجيرية أبوجا. وطالب المتظاهرون بالإفراج عن زكزكي الذي يَمْثُلُ حالياً أمام المحكمة بتهمة قتل جندي خلال حادثة زاريا. تنتهي معظم هذه الاحتجاجات بصدامات عنيفة بين حركة IMN وقوات الأمن النيجيرية المنتشرة لتفريقهم. تُصور شبكة PressTV المتظاهرين على أنهم سلميون، على الرغم من أن لقطات أخرى للمشاجرات أظهرت خلاف ذلك.

يتم تشغيل قناتين فضائيتين إضافيتين مقرهما إيران، الولاية وهادي، بالكامل من قبل أعضاء حركة IMN من الذين يدرسون علم اللاهوت في إيران. تبث كلتا المحطتين بلغة الهوسا، وهي لغة يتم التحدث بها في شمال نيجيريا وعبر غرب إفريقيا، وتُكَرسُ تغطية القناتين بالكامل تقريباً لنشر الدعاية المؤيدة لحركة IMN.

موجة جديدة من العنف والدعاية

الاحتفال في عاشوريا بنيجيريا

في  أكتوبر تشرين الأول/ 2016، حظرت حكومة ولاية كادونا في شمال غرب نيجيريا حركة IMN بالكامل ووصفتها بأنها تهديد أمني، وذلك بناءً على توصية التحقيق القضائي في اشتباكات زاريا الدامية. جاء الحظر قبل ثلاثة أيام من يوم عاشوراء الشيعي المقدس، واغتنم رجال الدين الوهابيون الذين تمولهم السعودية في نيجيريا الفرصة لإثارة الهجمات على المسلمين الشيعة، سواء كانوا من حركة IMN أو من خارجها، من خلال إهانة أتباعهم عن طريق خطب نارية مُؤَجِجَة.

شنت عصابات من جماعة إيزالا (المنظمة الوهابية الرئيسية في نيجيريا) مسلحة بالمناجل والهراوات هجوماً دموياً على مواطنيهم الشيعة. استُهدف أعضاء حركة IMN على وجه الخصوص، إلى جانب أولئك الذين حضروا مواكب عاشوراء السنوية في أربع مدن على الأقل: كادونا وكانو وسوكوتو وجوس. وفي بلدة فونتوا وحدها، قُتل عشرة أشخاص عندما فتح الجنود ورجال الشرطة النار على أعضاء حركة IMN خلال مسيرة، عند مواجهة الحظر المفروض على جميع التجمعات الدينية.

احتفالات يوم عاشوراء في نيجيريا

واندلعت أسوأ أعمال شغب في كادونا، المعقل التقليدي لجماعة إيزالا، حيث صدر الحظر. على مدار يومين، قامت الحشود بتمشيط شوارع عدة أحياء، وهاجموا أعضاء حركة IMN، ونهبوا منازلهم وأحرقوها. أدت هذه الأعمال إلى تدمير مقر الحركة ومقتل ما لا يقل عن اثنين من أتباعها، وإصابة عدد آخر منهم.

اضطر حاكم ولاية كادونا، نصيرو أحمد الرفاعي، إلى تحذير المهاجمين ومُفتَعِلي عمليات الحرق العمد، مضيفًا: “واجب كل مواطن إبلاغ الأجهزة الأمنية عن أي عمل غير قانوني أو نشاط مشبوه.” لكنه تحدث مطولاً أيضاً على شاشة التلفزيون عن الاختلاف بين أتباع حركة IMN والمسلمين الشيعة الآخرين، مؤكداً أن الحظر فُرِض فقط على الحركة بسبب أنشطتها السياسية، وليس بسبب دين أعضائها.

ولمزيد من التوضيح، أنشأت هيئة التلفزيون النيجيري (NTA) التي تديرها الدولة، فيلماً وثائقياً قصيراً عن منظمات شيعية مختلفة غير تابعة لحركة IMN، لتوضيح اختلافهم عن هذه الحركة.

طوال مدة المواجهات، استمرت آلة الدعاية الإيرانية في نشر معلومات مشوهة عن المواجهة بين حركة IMN والدولة. رغم تصريحات الحكومة المضادة لذلك، صورت الجمهورية الإسلامية الحظر على أنه اضطهاد ديني للأقلية الشيعية. دفعت هذه الدعاية بدورها إلى احتجاجات في الشوارع في بعض أجزاء من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط من خلال تضليل الشيعة ونشطاء حقوق الإنسان على حد سواء.

في ٢٣ أغسطس آب/ ٢٠٢٠، قالت شبكة PressTV: “قامت الحكومة النيجيرية بقمع احتفالات المسلمين الشيعة منذ عدة سنوات، كما حظرت حركة IMN، التي يخرج أعضاؤها بانتظام في شوارع العاصمة أبوجا مطالبين بالإفراج عن زعيمهم.”

وصلت الدعاية إلى ذروتها مع الادعاء بأن زكزكي، الذي فقد إحدى عينيه وأصيب بالشلل المؤقت في جانب واحد خلال أحداث العنف في زاريا، كان في حالة حرجة أثناء الاحتجاز وعلى وشك الموت. واتهمت الإذاعات الحكومة النيجيرية بحرمانه من الرعاية الطبية، وذلك بنية قتله.

أحداث عنف في زاريا

ثم زعمت حركة IMN أن رجل الدين المحتجز قد تعرض للتسمم عمداً وسيموت إذا لم يتم إرساله لتلقي الرعاية الطبية في الخارج: ادعاءات رددتها كل من وسائل الإعلام الإيرانية وشادجاره، واستخدموا كل منفذ متاح لنشر للتعاطف مع هذه المعلومات المضللة.

أدت هذه الادعاءات الكاذبة بدورها إلى مزيد من الاحتجاجات العنيفة في شوارع نيجيريا، وإلى المزيد من المظاهرات الحادة في الخارج. في النهاية، اضطرت السلطات النيجيرية إلى اظهار زكزكي أمام الصحفيين لدحض هذه الادعاءات.

معلومات مضللة حول زيارة المستشفى

رفع زكزكي قضيته إلى المحكمة، وطعن في احتجازه باعتباره عملا غير قانوني وطالب بملياري نايرة (٥.٢ مليون دولار) كتعويض عن تدمير الجيش لمنزله. وحكمت المحكمة لصالحه واستأنفت الحكومة النيجيرية قرارها. في غضون ذلك، اتهمت حكومة ولاية كادونا، التي تقع زاريا في ولايتها القضائية، زكزكي وزوجته زينات بتهمة القتل في كادونا. تم نقل الزوجين من أبوجا إلى كادونا لمحاكمتهم.

طوال فترة القضية، كان محامو زكزكي يؤكدون باستمرار على تدهور صحته وخطر فقد عينه الأخرى. رضخت المحكمة التي حاكمت زكزكي بتهمة القتل، وأعطته إذناً للحصول على رعاية طبية في الخارج في مستشفى من اختياره، تحت إشراف الحكومة النيجيرية.

خلال تواجد زكزكي في المستشفى

وبناءً على ذلك، سافر زكزكي وزوجته إلى الهند في أغسطس آب/ ٢٠١٩. وسرعان ما تم تداول لقطات لوصوله، حيث تم تصويره وهو يرتدي قناعاً للوجه وطوق لتثبيت العنق أثناء نقله إلى سيارة إسعاف كانت في انتظاره، تم وضعه على نقالة وداخل السيارة استمر بهذه الوضعية وصولاً إلى مستشفى ميدانتا الخاص. بناءً على مقاطع الفيديو هذه، قد يفترض مراقب غير مطلع أن زكزكي كان في حالة حرجة وربما كان على وشك الموت.

لكن بعد ساعات من وصول زكزكي، سارت الأمور على هذا النحو. أصر زكزكي على استلام جواز سفره الذي كان في عهدة المسؤولين النيجيريين المرافقين له. طلب السماح له بالحجز في فندق من اختياره بدلاً من المستشفى، واشتكى من عدم السماح للحشود التي تجمعت في خارج المستشفى بزيارته. أصر على أن يتلقى العلاج من قبل فريق خاص من الأطباء خارج المستشفى، زاعماً أنه لا يثق بالفريق الطبي الأولي وألمح إلى أن لديهم خططًا لإيذائه هو وزوجته.

وصل الحال إلى طريق مسدود. لم يسمح زكزكي للأطباء في المستشفى بفحصه، ولم يوافق المسؤولون النيجيريون ولا السلطات الهندية على طلباته. بدأ زكزكي، وهو رجل مريض ظاهرياً لدرجة أنه يحتاج إلى نقالة، في إرسال مقاطع فيديو إلى أتباعه في نيجيريا، ليطلعهم على ما أسماه “بمحنته”. لكن كذبة ادعاء “المرض الشديد” انتشرت عندما ظهر زكزكي في مقطع فيديو وهو يُدير نقاشاً مع مسؤول هندي يزوره، وكان زكزكي بدون قناع الوجه أو طوق العنق، وكان يُخبرُ ضيفه بالمعاملة الجيدة التي تلقاها أثناء احتجازه في نيجيريا. تلك الادعاءات، التي كان أتباعه يتدفقون من أجلها إلى الشوارع احتجاجاً، كانت مجرد كذبة.

وكما كان متوقعاً، سافر مسعود شادجاره مسؤول لجنة IHRC من لندن إلى الهند ونصب خيمته خارج مستشفى ميدانتا، حيث بث معلومات متعاقبة غير حقيقية عن حالة زكزكي.

بعد ثلاثة أيام من الجمود، قرر زكزكي العودة إلى نيجيريا دون جرعة واحدة من الدواء. مشى زعيم حركة IMN بدون مساعدة طوال الطريق إلى سيارة تنتظره وبدون قناع وجه أو طوق عنق. منذ ذلك الحين، خمدت الضجة حول “حالته الصحية.” أصبح من الواضح للجميع أن الادعاء كان مجرد خدعة.

ما التالي بالنسبة لإيران وحركة IMN؟

رغم حقيقة أن زعيم حركة IMN مُتهم حالياً بالقتل، إلا أن أتباعه واصلوا تنظيم احتجاجات في الشوارع تطالب بالإفراج عنه. تمت تبرئة جميع أعضاء الحركة البالغ عددهم ٢٠٠ والذين اعتقلوا جنباً إلى جنب مع زكزكي ووجهت إليهم تهم منفصلة عن نفس الجريمة بسبب عدم وجود أدلة.

لافتات مرفوعة في نيجيريا تؤيد حزب الله في لبنان وإيران

من جهتها، اتهمت الحكومة النيجيرية زكزكي بمحاولة استغلال رحلة الهند كذريعة للفرار وطلب اللجوء إلى إيران مُفترضة أنه سيواصل من هناك تشجيع أتباعه على إطلاق ثورة إسلامية في نيجيريا. وقد نفت حركة IMN ذلك أيضاً.

في جلسة الاستئناف لمحاكمة زكزكي بجريمة القتل في ديسمبر كانون أول/ ٢٠١٩ و بعد أربعة أشهر من الرحلة الطبية الفاشلة الى الهند، استؤنفت الدعاية الإيرانية حول الوضع على قدم وساق. ادعت بأن السلطات النيجيرية، وبحسب الترتيبات الجديدة، قامت بنقل زكزكي من حجز المخابرات الداخلية إلى السجن رغم اعتلال صحته كشكل آخر من أشكال الاضطهاد. في ٦ ديسمبر كانون الأول / ٢٠١٩، نشرت شبكة PressTV قصة بعنوان “نيجيريا تنقل الشيخ زكزكي إلى سجن متداعي.”

خلال مقابلة مع ابنة زكزكي

تجاهلت هذه الادعاءات حقيقة أن المحكمة أمرت بالنقل بناءً على طلب محاميي زكزكي، الذين أصروا بأن وجوده في السجن سيسمح لهم بالوصول غير المقيد إلى موكلهم، متهمين بذلك إدارة أمن الدولة باحتجاز زكزكي وبعدم السماح لهم بالوصول إليه.

إيران متورطة بعمق في صراع حركة IMN مع الدولة النيجيرية. في مجتمع متعدد الثقافات مثل نيجيريا، حيث الهوية الدينية والعرقية هي بالفعل قضية متفجرة، وقد يتسبب ذلك في ضرر لا يوصف. على الصعيد الجيوسياسي الأوسع، تستخدم إيران حركة IMN كبيدق في صراعها مع خصمها السعودي من خلال نشر الدعاية التي تشجع الحركة في صراعها مع الحكومة، دون أي اهتمام على الإطلاق بالأضرار الأمنية والاجتماعية التي قد تسببها.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد