في ذكرى احتجاجات 2019.. فائزة هاشمي “لا ترى مستقبلاً مُشرقاً للنظام الإيراني”

شيما شهرابي – إيران وير

تزامناً مع سنوية الاحتجاجات الشعبية في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، وصل إلى موقع إيران وير مقطع مسجَّل يَعود لفائزة هاشمي، الناشطة السياسية والنائبة السابقة في البرلمان الإيراني، تُدلي فيه برأيها عن تلك الاحتجاجات. وأنها ليست متفائلة بإصلاح النظام الإيراني، وترى “العصيانَ المدني” واحتجاجاتِ الشارع الطريقَ الأوحد المتبقي أمام الشعب لتحدّي نظامه والمطالَبة بحقوقه.

“نعم، لقد شهدْنا احتجاجاتٍ شعبيةً في 2009 وفي ديسمبر/كانون الأول 2017 أيضا، لكن احتجاجات نوفمبر 2019 امتدت على نطاق أوسع وشارك فيها الشعب في مدن أكثر. وعادةً ما تكون المطالبات في الاحتجاجات الاقتصادية أكثر حدّةً من السياسية؛ في 2009 كانت مطالب الشعب سياسية صاحَبَ الصمتُ المظاهرات، ولو لم تتدخل قوات الأمن وتتعامل مع المتظاهرين بتلك الطريقة الفظة لسارت كما كانت عليه: ناعمةً صامتة. أما احتجاجات ديسمبر 2017 ونوفمبر 2019 فكانت المطالب اقتصادية، ولذلك كانت حادة ولاذعة. وفي نوفمبر 2019 كان قمع المتظاهرين شديداً، وهذا أمر يُؤسَف له كثيرا”.

هذه العبارات جزء من أقوال فائزة هاشمي في جلسة حول احتجاجات نوفمبر الشعبية من السنة الماضية، التي وردت في مقطع مصور حصل موقع إيران وير على نسخة منه.

عشية رفع أسعار البنزين في 15 نوفمبر 2019، اندلعت الاحتجاجات في مدن إيرانية مختلفة لكنها سرعان ما خمدت بعد قمع النظام الإيراني.

في موقعها الجديد الذي أطلقته، نشرت “منظمة العفو الدولية” مؤخراً أسماء 304 قتيل ممن لقُوا مصرعهم في هذه الاحتجاجات.

أما “رويترز” فقد نشرت السنة الماضية تقريرا جاء فيه أن قوات الأمن الإيرانية قتلت ألفاً و500 شخص في غضون أيام من احتجاجات نوفمبر 2019.

في هذا الصدد، تَشرح فائزة هاشمي قائلة: “رغم مرور سنة كاملة على الاحتجاجات إلا أن أحدا لم ينس عنف قوات الأمن وضرب المتظاهرين وقتلهم و عدم كشف النظام عن هذه الإحصائيات”.

وتقول إنها ولفيف آخر من النساء زُرْنَ عدداً من المتضررين من تلك الاحتجاجات في أطراف طهران، وإنْ أكثر ما آلَمها هو إطلاق قوات الأمن النار حتى على من لم يشاركوا في الاحتجاجات: “كثير من المتضررين كانوا عابري سبيل أو مشاهدين؛ على سبيل المثال حين ذهبنا إلى ملارد في ضواحي طهران، لم يكن عدد المتضررين قليلاً. هناك شاباً دون سن 18 لقي مصرعه وهو في طريق العودة من مدرسته إلى البيت. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على تشوُّش النظام الذي كان يُطلق النار عشوائياً وكيفما اتفق”.

تعتقد هذه الناشطة السياسية أن قمع نوفمبر 2019 سيؤثّر تأثيراً بالغاً في مطالب الشعب: “كان قمعا على نطاق واسع للغاية، ومن الحتم أنه سيؤثر في مطالب الشعب. ولم يقتصر القمع على القتل والضرب، بل اعتُقِل نفرٌ كثير بعد الاحتجاجات بدعوى مشاركتهم فيها. وتعرضت عوائل القتلى للتهديد، وعوائل المعتقلين لظروف قاسية. وما لا يَرقى إليه الشكُّ أن هذا الرعب وذلك التهديد سيُخلّفان أثراً سلبياً. لكن اللافت هو أن النظام يتعامل بهذه العنجهية لإدخال الهلع في نفوس الشعب والحيلولة دون النزول إلى الشارع”.

كما تشير إلى أعمال العنف والتخريب إبّان الاحتجاجات الشعبية التي قام بها أشخاص مرتبطون بالنظام: “في مثل هذه الاحتجاجات يَحدث تخريب على أيدي أفراد مرتبطين بالنظام الحاكم؛ فقوات اللباس المدني أو البلطجية يقومون بكسر الزجاج ثم يَخرج النظام متشدّقاً أنه يواجه المندسين والمخربين. هذا أسلوب قديم. وهم بذلك يريدون ضرب عصفورين بحجر واحد: إخافة الناس، وإقناع الرأي العام بأن قمعهم ناجم عن صِدامهم مع المخربين لا مع المَطالب المحقة. ومؤخراً أشار محمود أحمدي نجاد نفسه إلى هذا الأمر”.

وكلام فائزة هاشمي يُحيل على مقابلة مع أحمدي نجاد أجراها معه “عبد الرضا داوري” و“علي أكبر جوانفكر” اللذان كانا مستشارَين له حين كان رئيساً للجمهورية.

خلال احتجاجات 2019 في إيران

في قسم من هذه المقابلة التي نُشرت في 12 أكتوبر/تشرين الأول من هذه السنة، كشف أحمدي نجاد النقاب عن سياسة ينتهجها النظام، معتبراً أن تدريب “البلطجية” للقيام بأعمال تخريب في الاحتجاجات الشعبية أحد أساليب قوات الأمن: “يَقومون بتدريب بل حتى بتسليح البلطجية، وعندما يخرج الشعب في مظاهرات معقولة ومُحقة ضد طبقة الأشراف العليا يُؤتَى بهؤلاء فيبدأون بالحرق والمناوشات وإحداث الشغب”.

وتَنعت فائزة هاشمي هذه السياسة بالسياسة القديمة: “نفّذوها غير مرة وما يزالون، فيستثمرون عناصر مشاغبة في إحداث التخريب لتسويغ قمعهم للمتظاهرين. ولذلك، على المشاركين في المظاهرات أن ينتبهوا إلى عدم الوقوع في فخ رجال النظام وأن يَفصلوا أنفسهم عنهم”.

يشار إلى أن هذه الناشطة السياسية كانت قد طالبت في وقت سابق بتوسيع رقعة احتجاجات الشارع والعصيان المدني، وحين وُجِّه إليها سؤالُ هل ما تزال تنصح بذلك بالنظر إلى قمع النظام الفظيع؟ أجابت: “مع الأسف لم يترك لنا النظام أيَّ طريق آخر سوى هذا. فلا يتسنى لنا تحقيق أهدافنا في الحالة العادية. لا آذان صاغية تسمع الكلام المنطقي وحقوق الإنسان البديهية. ولذلك فالطريق الوحيد المتبقي هو العصيان المدني”.

وتُبيّن أن للعصيان المدني أشكالا متعددة: “يحق لكل مواطن النزول إلى الشارع والتعبير عن احتجاجه. ولا حاجة له إلى أي تصريح، لأن دستور البلاد يسمح بذلك. لكن إلى جانب الاحتجاج الشعبي، هناك أنواع أخرى للعصيان المدني؛ على سبيل المثال يمكن للنساء أن يعبِّرن عن احتجاجهن على الحجاب الإجباري أو قانون منع ركوب الدراجة الهوائية بالكشف عن حجابهن أو ركوب الدراجة الهوائية؛ ما يعني الاحتجاج على أشياء يمنعها النظام لأسباب سخيفة. كما يَندرج ضمن العصيان المدني الاحتجاج والانتقاد على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام”.

في هذه الجلسة، يسأل أحد الحضور فائزة هاشمي أن عدم التصويت في الانتخابات أيضا أحد أساليب العصيان المدني، لكن الأخبار تأتي من هنا ومن هناك عن احتمالية ترشُّحك للانتخابات الرئاسية 2021، فهل هذا صحيح؟

بالتزامن مع إعلان المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور عن البدء بقبول تسجيل أسماء النساء الراغبات في الترشُّح لمنصب رئيس الجمهورية، انتشرت إشاعات عن ترشُّح فائزة هاشمي في الفترة الرئاسية المقبلة. وجواباً عن هذا السؤال شدّدت على أن عدم المشاركة في الانتخابات عصيان مدني واستراتيجية مهمة يتّخذها منتقدو النظام. وعن ترشُّحها قالت: “إلى الآن على الأقل ليس لي برنامج بهذا الشأن. وحتى لو حدث هذا فإن مجلس صيانة الدستور لن يمنحني الثقة والأهلية وسيَحول دون ترشحي النهائي. ما نحن بصدده الآن ولا علاقة له بالمشاركة في الانتخابات هو إنعاش حقوق المرأة، وهي القضية التي أعمل عليها”.

المُستبطَن في كلام فائزة هاشمي هو عبارة “الرجل السياسي” الواردة في المادة 115 من الدستور الإيراني التي تَضع حقَّ المرأة في الجلوس على كرسي الرئاسة على المحك؛ وفقا لهذه المادة، إحدى سمات رئيس الجمهورية أن يكون رجلاً سياسياً ومذهبياً شيعياً.

 وكلمة “الرجل” تَمنع المرأة من الترشُّح في انتخابات الرئاسة الجمهورية. غير أن نشطاء حقوق المرأة يعتقدون أن كلمة “الرجل” هنا لا تعني الرجل وحسب بل هي مصطلح سياسي يَشمل المرأة أيضاً. وتؤكد فائزة هاشمي على أنها ستبذل جهدها للاعتراف بحق المرأة في الترشح: “لكن هذا لا يعني أنه إذا سُمِح للمرأة بالترشح أنني سأترشح أو سأشارك في الانتخابات وأُصوِّت”.

وفي وقت سابق، أعلن “عباس علي كدخدائي”، المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور، أنه لا مانع من ترشح المرأة في الرئاسيات. كثير من منتقدي النظام وصفوا هذا الأمر بأنه ذريعة لدفع الشعب إلى صناديق الاقتراع ووسيلة للنظام في جمع أكبر قدر ممكن من الأصوات. ومع ذلك، فقد ألمح كدخدائي في الأسبوع الفائت إلى التراجع عن كلامه قائلاً لا مانع لتسجيل أسماء النساء لكن الموضوع أعمق وأوسع.

“أحمد خاتمي”، من علماء الدين المتشددين وأحد أعضاء مجلس صيانة الدستور أيضاً، شكك في قضية ترشح المرأة وقال: “الدستور الإيراني ينص على أن يكون مرشّحو الرئاسة رجالاً، ومفهوم الرجل واضح لا يحتاج إلى بيان”.

وتعلق فائزة هاشمي: “لقد نكث كدخدائي بما أعلنه. وأحمد خاتمي أيضاً يقول إن الرجل هو الرجل ولا تفسير آخر له. لكن إذا راجعنا المعاجم اللغوية أو الآيات القرآنية باحثين عن معنى كلمة “رجل” وتفسيرها وجدنا أن الرجل “ليس مقتصراً على الرجال وحسب”.

وتشدّد مرة ثانية على أنها تسعى إلى إحقاق هذا الحق للمرأة لكن ليس من المقرر أن تترشح هي نفسها: “أعتقد أنه لا ينبغي التصويت في الانتخابات إذا بقيت الظروف على ما هي عليه، اللهم إلا إذا حدث تغييرٌ مّا”.

وردّا على سؤال: هل أنت متفائلة بالتغيير والإصلاح؟ قالت: “مع الأسف لا أرى مستقبلاً مُشرقاً للنظام الإيراني. ربما لو تأتّى للمحافظين الاستيلاء على السلطة وأصبح كل شيء باسمهم فقد يستطيعون دراسة مَطالب الشعب والإقدام على بعض الإصلاحات فتتحسن الظروف في نهاية المطاف. لكن أحد هواجسهم في الوقت الراهن هو باسم مَن سوف تُسجَّل الإصلاحات. وتأسيساً على ذلك، لو كانت الأمور كلها بأيديهم فقد يجدون بعض الدوافع لديهم لإجراء بعض الإصلاحات والتقرب من الشعب رغبةً في كسب محبته. أما أن يأتي الإصلاحيون ويهيمنوا على السلطة ويحققوا شيئاً لهذا الشعب فهذا ما أستبعده؛ في الحقيقة لا أتصور مستقبلاً كهذا”.

وفي ذات السياق، تشير إلى عدم دعم الإصلاحيين للاحتجاجات الشعبية في نوفمبر 2019 تقول: “القسم الأكبر من الإصلاحيين، أحزاباً وأشخاصاً، لم يدعم الاحتجاجات الشعبية المحقّة. فكان الإصلاحيون يَسخرون من الشعب ويوجهون سهام نقدهم صوب احتجاجاته، وكانت مواقفهم أقرب إلى مواقف القيادة منها إلى الشعب. بعبارة أخرى، زاد الشرخ بين الشعب والإصلاحيين، وأمسى الشعب يدرك أن هؤلاء ليسوا إلى جانبهم بل كل همِّهم الحفاظ على السلطة. والنتيجة المنطقية هي أنْ لا مستقبل لهم في أوساط الشعب”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد