حوار مع حسن نايب هاشم: الوصول إلى الديمقراطية بلا عنف

ماهرخ غلامحسين بور – إيران وير

“حسن نايب هاشم”، طبيب ومدافع عن حقوق الإنسان ومقيم في النمسا، يسعى منذ 16 عاما حتى الآن لإكمال مشروع يُعبِّد طريق المرحلة الانتقالية من الأيام الراهنة المريرة إلى الديمقراطية في إيران. قام بمقارنة الدستور الإيراني الحالي مع ما يَقرب من خمسين دستورا مختلفا من دساتير دول العالم، ثم عُنِي بتنقيح الدستور الإيراني.

وبطرحه نموذجا انتخابيا قائما على حقوق الإنسان الأساسية وباستناده إلى تجارب الدول الناجحة في قضية الديمقراطية، يعتقد هذا الناشط في مجال حقوق الإنسان أن بالإمكان، ارتكازا على هذا النموذج، إجراءَ انتخابات نزيهة وحرة والتفاؤلَ بالوصول إلى الديمقراطية في إيران تدريجيّا؛ وهو نموذج يرى حسن نايب هاشم أن باستطاعته العبورَ بالشعب الإيراني من خلال الانتخابات الحرة والعادلة عبورا سالما، وتسليم النظام السياسي في إيران إلى حكومة يَنتخبها الشعب بأقل قدر ممكن من العنف.

وبالطبع يؤكّد نايب هاشم على أن نسخته المنقحة من الدستور وما ورد فيها فعال للمرحلة الانتقالية ويحرِّر المجتمع من الاضطراب والفوضى إلى حين تشكيل الجمعية الدستورية، وبعد صياغة الدستور صياغةً نهائية سيَؤول أمر المجتمع إلى السياسيين المحبوبين والمنتخَبين من الشعب وإلى الجمعية الدستورية وأهل الخبرة المحنّكين.

وأثناء المقابلة كلها يشدّد على أن فكرته لا ترتبط من قريب أو من بعيد بالجمهورية الإيرانية أو بإصلاح الهيكلية القائمة حاليا.

س. لماذا تتمتع الانتخابات بأهمية بالغة في مشروعك؟

ج. الانتخابات بوابة الدخول إلى ساحة التغيير. وأن تَنتخب أحدا أو يَنتخبك أحد هو من حقوق الإنسان الأساسية، وهذا يَرِد على نحو صريح في المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكذلك في المادة 25 من الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وأسعى في هذا المشروع بمؤازرة الأصدقاء الذين انضموا إليه إلى إحقاق هذا الحق السياسي من حقوق الإنسان لجميع أطياف المجتمع.

س. بالنظر إلى أنك تقصّيت في شأن الانتخابات في بقية الدول أيضا، برأيك كم تبعد إيران عن المعايير المقبولة؟

ج. في نظام الجمهورية الإيرانية، بدءا من أول انتخابات، وأقصد الاستفتاء بـ “نعم” أو “لا” للجمهورية، إلى يومنا هذا، لم تكن أيٌّ منها حرة وعادلة. فذلك الاستفتاء، وبالمناسبة قد يجوز وصفه على نحو من الأنحاء بأنه كان أكثر الانتخابات الإيرانية حرية، عليه ما عليه من الانتقادات، حيث كان على المقترِعين الحضور إلى مسجد الحي حاملين في أيديهم بطاقة حمراء أو بطاقة خضراء أمام أنظار المراقبين، ومن الطبيعي أن التصويت بـ “لا” باللون الأحمر لم يكن من السهولة  في تلك الأجواء المتشنجة ولم تكن العملية تُجرى براحة بال.

وفي أول دورة لانتخابات رئاسة الجمهورية، حُذف من قائمة المرشَّحين اسم “مسعود رجوي” الذي كان آنذاك مخلتفا عما نعرفه عنه الآن. ومن بين 120 شخصا ترشّحوا لم يُسمَح سوى لثمانية الدخول في الانتخابات. ولاحقا حُذفت أسماء متقدِّمين كثيرين في انتخابات “مجلس الخبراء”؛ على سبيل المثال حُذف اسم “عبد الرحمن قاسملو” الذي كان محبوبا جدا في محافظة أذربيجان الغربية وتم انتخابه أيضا، لكن حِيْل دونه ودون المشاركة إثر إطلاق الخميني أقوالا مهدِّدة بهذا الصدد. وربما تكون الظروف قد أصبحت أسهل قليلا في بعض المراحل، مثل الانتخابات البرلمانية في دورتها الثانية أو دورتها السادسة قياسا إلى غيرها من الانتخابات، لكن في نهاية المطاف لا تُصنَّف أيٌّ منها في زمرة الانتخابات الحرة والعادلة، وكان الشعب على الدوام مضطرا لأن ينتخب وفقا لاختيارات النظام بين “السيئ والأسوأ”.

س. كيف خطرت لك فكرة أن تُعْنى بتنقيح الدستور وأن تهتم بقضية الانتخابات بصورة خاصة؟

ج. منذ ستة عشر عاما خطر لي هذا الأمر، وهو أن النهجَين اللذين يتّبعهما الشعب، وهما مقاطعة الانتخابات والانتخاب بين السيئ والأسوأ، ليسا مقنعَين ولا ناجعين. فمن يقاطعون الانتخابات لا ينتفعون بشيء في نهاية الأمر. يكفي أن ننظر إلى مقاطعة الشعب للانتخابات البرلمانية الأخيرة. ماذا كانت نتيجتها؟ أصبح الحاضرون تحت قبة البرلمان من طيف واحد مقرَّب من الحرس الثوري.

س. هل هذا يعني أنك تدعو الشعب إلى التصويت مع جميع الشكوك التي تَحوم حول شرعية النظام؟

ج. ولا بأي حال من الأحوال. ما نقترحه أنا وأصدقائي معناه المقاطعة الفاعلة، وهو شيء يتجاوز النهجين اللذين أتيتُ عليهما آنفا. لكنْ أن تسير القضية هكذا إلى ما لا نهاية فلن نصل إلى أي نتيجة. أفكر بآلية لو طُبِّقت لذهبتْ بالانتخابات من شكلها الاستعراضي نحو الانتخابات الحقيقية.

س. لكن المشكلة الأساسية تكمن في التطبيق نفسه وفي تهيئة الظروف.

ج. تماما. لو لم يكن تطبيق هذا المشروع صعبا وعسيرا لما أسميناه مشروعا. قبل 16 سنة، طرحتُ هذه الفكرة قبل انتخاب “محمود أحمدي نجاد” الرئيس الإيراني الأسبق، أيْ في وقت كان قد انتهت فيه دورتان لرئاسة “محمد خاتمي” الذي لم يأت بجديد يُذكَر. وعندما سمع الكثيرون بفكرتي اقترحوا أن ندفع بشخصية مثل “أمير انتظام” لينافس مرشَّحِي النظام، لكنه رفض الفكرة. وبالمثل يَطرح البعض الآن أيضا اسم “نسرين ستوده” كبديل. ما أبتغيه هو انتخاب شخص يُخرج جميع الصلاحيات من يد خامنئي لا أن يكون بديلا لخاتمي أو لروحاني أو لأي رئيس آخر عاجز وغير فاعل عمليّا.

وفي ما يتعلق بالبرلمان فأعتقد بانتخاب نائبٍ يتسنى له بصلاحياته الكثيرة تعديلُ الدستور والقدرة على صياغته لا أين يكون برلمانا كهذا البرلمان الأخير الذي لا حول له ولا قوة سوى أن يقول للمرشد الأعلى “سمعا وطاعة”، أو حتى برلمان الدورة السادسة الذي تراجع غالبية أعضائه أمام الأمر الحكومي عن وعودهم التي كانوا قد قطعوها للشعب في حملاتهم الانتخابية بخصوص تعديل قانون الانتخابات وقانون الإعلام، أو غير ذلك من أمثلة.

على الدوام كان يسألني الآخرون عن قضية أنني حين أقوم بالتخطيط لهذا المشروع هل يُطلَب منهم أن يشاركوا في إطار الجمهورية الإيرانية؟ وجوابي هو النفي. ولهذا فقد اضطررت عمليا في 14 سنة المنصرمة إلى تنقيح القسم المتعلق بالانتخابات البرلمانية في الدستور وحذف زوائده ثم إلى تنقيح الدستور كله في 12 سنة الماضية.

بعد تنقيح الدستور، قدّمت نفسي كمرشح، وساندني في فكرتي أكثر من مئة شخص، لكن ذلك تزامن مع ترشح “ميرحسين موسوي” و“مهدي كروبي” والمطالبة بالتعاطف معهما فضاعت القضية في خضم تلك الانتخابات. في كل مرة وبمناسبة أي انتخابات أطرح الفكرة من جديد. وفي الوقت الحالي هناك ثلاثة مرشحين انضموا إلى هذا المشروع؛ وهم السيدة “شهلا انتصاري” و“محمد مهدوي فرد” و“حشمت الله طبرزدي”، ولأن هؤلاء الثلاثة وجّهوا رسالة إلى المرشد الأعلى يُطالبونه فيها بالاستقالة وبإعادة صياغة الدستور وتم اعتقالهم، فهم لا يُروِّجون للمشاركة في الانتخابات في إطار الجمهورية الإيرانية.

س. هل يمكن تقديم مزيد من الإيضاح عن هذا النموذج؟ ما هو الاختلاف الجوهري بينه وبين النموذج المعمول به فعليّا؟

ج. في النموذج الجديد لا وجود لشيء اسمه مجلس صيانة الدستور الذي يرى نفسه موكَّلا عن الشعب يميِّز بين الجيد والرديء كما يزعم أو يُبيّن الصراط المستقيم من الضلال. وبالطبع لا يمكن لأيٍّ كان أن يترشَّح؛ لكن ما أراه في كل مرة تُقام فيها الانتخابات يُقبِل أشخاص عاديون ومجهولون ويجتمعون في قاعة وزارة الداخلية مُسجِّلين أسماءَهم، فيَسُومهم التلفزيون الرسمي الإيراني بالاستهزاء والسخرية أحيانا. لكن في مشروعي كما في معظم دول العالم حيث تكون الديمقراطية سيّدة الموقف ويُنتخَب فيها رئيس للجمهورية، فعلى كل شخص الحصول على واحد بالألف من أصوات المؤهلين للتصويت حتى يتسنى له الترشح؛ وهذا معناه أنه قبل عملية الاقتراع يتوجّه البعض إلى بلدية الحيّ فيُبدون موافقتهم على ترشح فلان معلنين أنه جدير برئاسة الجمهورية. فتقوم البلدية بتسجيل أسماء الأشخاص، وإذا وصلت شهاداتهم إلى واحد بالألف من الأصوات المتوقَّع الإدلاءُ بها، يُسجَّل اسم فلان كمرشح أكيد.

ففي النمسا حيث أسكن، لا بد من حصول كل مرشَّح قبل بدء عملية الانتخابات على دعم ستة آلاف شخص كي يُعلَن ترشُّحه بشكل رسمي. وأنا نفسي توجهت إلى البلدية أكثر من مرة معلنا دعمي لفلان.

كتاب قانون اساسي. مصدر الصورة موقع إيران وير فارسي

س. كيف يُعطى المرشحون منح الثقة؟

ج. في هذا المشروع، الشعب وحده هو من يُصادق على منح الثقة للمرشح لا أي جهة أخرى كمجلس صيانة الدستور. أي المنهج المتّبع في أرجاء دول العالم المتحضر، وستُشكَّل لجنة مراقبة الانتخابات المستقلة.

س. ومن سيُدير لجنة مراقبة الانتخابات المستقلة؟

ج. من السائد في جميع دول العالم تشكيل لجنة مراقبة الانتخابات المستقلة، وتكون هذه اللجنة عمليا هي مجلس إدارة الشعب. والهدف منها حماية أصوات الشعب، ولا بد من تحلّي أعضاء هذه اللجنة بالاستقلالية.

فضلا عن أن أداء هذه اللجنة سيُشرف عليه مراقبون محليون ودوليون. وهي نفسها تقوم بإرسال مجموعة من المراقبين إلى جميع نقاط البلاد، وينبغي أن تكون جميع هذه الكيانات المرتبطة بالانتخابات مستقلة عن الحكومة بشكل تام. ولا وجود لمثل هذه الاستقلالية في إيران، لأن مجلس صيانة الدستور هو الذي يَمنح الثقة للمرشحين، والمراقبون للانتخابات مرتبطون بوزارة الداخلية، ولجان المراقبة مرتبطة بمجلس صيانة الدستور، واللجان التنفيذية مرتبطة هي الأخرى بالحكومة.

ويجب أن تتشكل لجنة مراقبة الانتخابات المستقلة من المدافعين عن حقوق الإنسان وعن حق الانتخاب، وفي الآن ذاته يتسنى لأشخاص مختلفين بمبادئهم الترشحُ بلا خوف في ظل أداء هذه اللجنة. ومعنى ذلك أن كل مواطن يرغب في المشاركة يتسنى له ذلك في إطار انتخابات حرة وعادلة. وهذه الآلية موجودة في جميع بقاع الأرض. ولا ترتبط لجنة مراقبة الانتخابات المستقلة بأي حزب أو تيار، وآليتها حيادية، مع الإشارة إلى أن باستطاعة الأحزاب أن يكون لها ممثلون يراقبون أداء هذه اللجنة.

س. لكن هذه كلها تأتي في المرحلة الثانية، والمشكلة الأساسية تكمن في إخراج المجتمع من الطريق المسدود الحالي وإيصاله إلى حيث يبدأ مع مشروعك أو مشاريع يقدِّمها آخرون.

ج. صحيح. أتفهّم هذا كله ولذلك ما زلت أسمّي جهودي مشروعا ليس إلا. لكن تجارب دول العالم برهنت على وجود إمكانيات متعددة للانتقال من هذه الأوضاع؛ إمكانيات مثل احتجاجات الشارع أو الإضراب أو العصيان المدني الواسع النطاق. ربما يُؤدي إضراب عام نظير إضراب واسع في شركة النفط الإيرانية أو العصيان المدني العام مثل عدم دفع فواتير الماء والكهرباء إلى شلّ حركة النظام. لكن التحولات في عملية انتخابات واحتجاجات تقع في أعقاب انتخابات غير حرة وغير عادلة فحتما ستكون أقل تكلفة، مثلما نستطيع أن نرى نماذج متباينة لها في الاحتجاجات السلمية في هذه الأيام في دول مثل جورجيا وقرقيزستان وروسيا البيضاء.

س. لكن كثيرا من هذه الأساليب جُرِّبت قبل الآن ولم تُؤْتِ أُكُلَها.

ج. لأن التغييرات تَحدث في الأذهان على نحو بطيء وهادئ. أنا أتفهم الموقف تماما. فجميع ما أجريناه في هذا المشروع طيلة السنوات 16 الماضية، وجدنا أن قليلين جدا أبدَوا اعتراضهم عليه. غالبا ما يسألون هل يمكن تطبيق هذا المشروع؟ الجواب برأي هو نعم.

ويسألون كيف يمكن تنفيذ مثل هذا المشروع؟ بالطبع لا يمكن لشخص واحد الوصول إلى تلك النقطة. العمل يتطلب إرادة جماعية. لكننا في الوقت الحالي نعمل على إرساء هذا الجانب من الديمقراطية على أساس الانتخابات، لكنْ قضية كيف ستتشكّل بنيته فهذا أمر آخر.

س. لماذا تقول إن وظيفته مؤقتة؟

ج. لأن الدستور المنقَّح والمصفَّى عادة ما يكون عمره قصيرا، وهذا الدستور يأخذ في حسبانه عدة أشهر أو كحد أقصاه سنة أو سنتين للمرحلة الانتقالية من الآن إلى حين تشكل مجلس صياغة الدستور الإيراني الجديد (الجمعية الدستورية)، ولم يُكتَب ليُعمَل به على المدى الطويل.

س. لكن التاريخ السياسي لبعض الدول يشير إلى أن المرحلة الانتقالية تستغرق بعض الأحيان أكثر من عدة أشهر.

ج. نعم، صحيح. على سبيل المثال أمامنا تجربة السودان التي لم يَستطيعوا معها الوصول إلى المرحلة النهائية من الانتقال، والسنوات التي استغرقتها المرحلة الانتقالية دليل على رأيك. لكني أظن أن المرحلة الانتقالية ليس بالضرورة أن تكون طويلة إلى هذا الحد.

س. يَنزع الرأي العام في هذه الأيام إلى تقويض البنية الفعلية. فالغضب يستبد بالشعب حين يَسمع كلمة الإصلاح. وقد يُوجِّهون أصابع اتهامهم صوب مشروعك الذاهب إلى تعديل الدستور أيضا. ألست قلقا بهذا الشأن؟

ج. لا. قد يَستولي عليك الظن بذلك لعدم اطلاعك على نص المشروع. ومن يطلع على المضمون يدرك أن هذه الفكرة ليس بينها وبين الجمهورية الإيرانية ولو ذرة ارتباط أو إصلاح البنية القائمة حاليا. وكما مرّ بنا آنفا فقد صادق عليه أشخاص أعلنوا على الملأ معارضتهم للجمهورية وقالوا لخامنئي “لا”، وسُجِنوا من أجل ذلك. ومردّه إلى أنني لا أدعو أحدا إلى المشاركة في الانتخابات مع الالتزام بالدستور الحالي. وجدير بالقول إن أحدا ما إذا شارك في انتخاباتنا وهو ملتزم بالدستور الحالي أو حتى وهو مؤمن بالجمهورية الإيرانية فلن يُعترَض عليه. والانضمام إلى فكرتي لا هو مشاركة في الانتخابات ولا هو مقاطعتها السائدة، بل “أرحب من المقاطعة” و“المقاطعة الفعالة للانتخابات” الاستعراضية والشكلية للنظام.

س. إجمالا، يبدو أنك تعتقد بتغيير البنية السياسية في إيران بأقل الخسائر. فهل هذا ممكن؟

ج. بالضبط. حين نتحدث عن الثورة المخملية في تشكسلوفاكيا السابقة مثلا فإننا نتحدث عن إحدى وثلاثين سنة خلت لا عن العصور القديمة. يقال حتى إن مروج شارع فاتسلاف في براغ لم تُسحَق تحت أقدام المحتجين في الاحتجاجات الشعبية وانتقال السلطة الذي تجنّب الدم والدموية. فلماذا لا نكون نحن ذلك المجتمع الإنساني؟ فإذا سارت عملية الاحتجاجات برصانة وتجنب العنف فإن الجانب الخشن نفسه سوف يلتزم ويراعي وسوف تكون يده مَغلولة قبل أن يتوسل بالعنف. قبل أيام لفتت انتباهي صورة من عمليات الاحتجاجات في روسيا البيضاء ظهر فيها جندي يُسدّد سلاحه صوب أحد المحتجين. وبالمناسبة فلدى الجنود أوامر بإطلاق النار. ففتح المحتج صدره أمام سلاح الجندي فخجل الأخير وأنزل سلاحه. فإذا كان هذا ممكنا في روسيا البيضاء في الوقت الحالي وفي تشكسلوفاكيا قبل واحد وثلاثين عاما فلا شك أنه موجود في بلدنا أيضا.

س. لكن هناك مشكلة تتمثل في أن المحتج قد يُداري الموقف، في حين أن من يُفترَض به التخلي عن السلطة ليس بالضرورة أن يداريه وقد يتوسل بالعنف.

ج. النظام الإيراني نفسه يَحسب نسبة العنف حسابا دقيقا. فحين يقتل الناس في نوفمير/تشرين الثاني 2019 ويسعى إلى إلقاء التهمة على الآخرين، ولا يقبل بالإحصائيات الصادرة من هنا وهناك فهذا يعني أنه يحسب درجة توسله بالعنف. كما أن العالم يَحسب درجة العنف. من ناحية أخرى، لا يقبل مجلس حقوق الإنسان قتل ألف شخص بسهولة. وفي أعقاب انتفاضة نوفمبر 2019 كنا على أعتاب أن يعقد مجلس حقوق الإنسان جلسة طارئة بشأن تلك المذبحة في إيران وأن تُكلَّف لجنة التحقيق أو الكشف عن الحقيقة بهذا الخصوص، لكن جملة من الظروف حالت دون ذلك. وطبيعي أن العالم لن يتقبّل قتل جميع هؤلاء في الشوارع في احتجاجات سلمية وسيعبر الرأي العام العالمي عن ردة فعله.

في العام 1977 كثيرا ما كان يُرى أن سيارتين حين كانتا تصطدمان، كان السائقان ينزلان ويتضاربان، في حين لم يكن قد حدث شيء خاص وكل ما هنالك أن سيارة ضربت سيارة أخرى. لكن في أعتاب ثورة 1979 حين كان يحصل حادث سير ينزل السائقان ويُقبّلان بعضهما ثم يذهب كل واحد منهما في حال سبيله. وفي يونيو/حزيران 2009 حتى المجموعات السياسية المتعارضة التي لم تكن تقبل بعضها بسهولة، أصبحت تتعامل بلطف ورقي، لأن هدفا واحدا كان يجمعهم. إن كل هذه الأشياء تدل على أن في مجتمعنا قابليةً للتغيير النابذ للعنف، لكن ينبغي تعزيز هذه الطريقة من النضال في أوساط العامة وتعليمهم.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد