هل يوظف النظام السوري ورقة المخطوفين الأمريكيين لأجل أهداف ديبلوماسية؟

دانة سقباني – إيران وير

يقول المترجم الخاص الذي كان يرافق الصحفي الأمريكي أوستن تايس (المعتقل حالياً لدى قوات النظام) أثناء وجوده في مدينة داريا بالريف الجنوبي للعاصمة السورية: “هُدِد تايس من قبل أشخاص يحملون أفكار جبهة النصرة في آخر أيامه قبل أن تعتقله قوات النظام، فما كان من الجيش الحر إلا أن أعاده إلى داريا بعد أن كان متوجهاً إلى جديدة عرطوز في ريف دمشق، وإثر ذلك قرر الخروج نهائياً من سوريا”.

ويتابع المترجم الذي رفض نشر اسمه لأسباب خاصة أن مدينة داريا لم تكن محاصرة بالكامل من النظام السوري في 2012، وكان من السهل الدخول والخروج منها، وقد أتى إليها تايس عبر مدينة التل (شمال العاصمة) بعد أن دخل سوريا من الحدود التركية وأقام في الشمال السوري.

كان تايس يقضي وقته مع مجموعات إعلامية وأخرى من “الجيش الحر” ولم تكن تمتلك أسماءً حينها، وكان كل منها يضم 10 أشخاص من أبناء المدينة، سواء المجموعة الإعلامية التي نقلت ما حدث في داريا للخارج، أو مجموعات “الجيش الحر” (نواة جيش المعارضة) التي تحمي أهالي المدينة بحال الهجوم، كما قابل اللجان الثورية وفق ما أكده المترجم وشخصاً آخر اسمه تمّام.

فرضية

حذر المترجم من الروايات التي قد تخرج حول تايس، معللاً ذلك بانقضاء ثماني سنوات على الحادثة، ولأن تايس كان يتنقل كثيراً بين المجموعات، ويقابل الكثير من الناس، يقول المترجم: “لقد قابلَ الكثير من الناس، ولكن لأوقات قصيرة إما للقائهم فحسب أو لمصلحة، وقد كنتُ محظوظاً لأني من الأشخاص الذين مكثت معه أكبر وقت ممكن”.

تواصل موقع “إيران وير” مع 13 شخصاً من داريا لمعرفة المزيد من التفاصيل حول الأيام الأخيرة التي قضاها تايس في المدينة، وامتنع الجميع عن الإجابة عدا المترجم وتمّام، وكانت روايتهما متقاربة، لكن هناك شائعات حاول موقع “إيران وير” التحقق من إحداها.

وعن إمكانية تسليم تايس من قبل عناصر يحملون أفكار جبهة النصرة للنظام السوري، تواصل الموقع مع أحد المراسلين في مدينة حلب، وكان قد انشق عن الخدمة العسكرية للنظام عام 2012 في داريا، وأقام فيها نحو سنتين، فقال: “لا أظن تصرفات كهذه كانت تحصل في تلك الفترة إذ أن الثورة كانت في أوجها.. نعم ربما كانت هناك تهديدات، لكن لا أظن أنه جرت عمليات تسليم وبيع”.

ونفى الشاب تمّام فكرة أن يكون هناك تهديد موجه لتايس، خاصة وأن جبهة النصرة كانت تتشكل حديثاً بعيداً عن العاصمة، إذ أنها أعلنت عن بيان تشكيلها قبل فقدان تايس بثمانية أشهر (24 يناير كانون الثاني/ 2012).

من هو أوستن تايس؟

صحفي أمريكي ومصور مستقل من مواليد عام 1981 بمدينة تكساس يدرس في كلية الحقوق بجامعة جورج تاون وهو من قدامى المحاربين في مشاة البحرية.

في مايو أيار/ 2012 اختار الذهاب لسوريا لتغطية الأحداث الحاصلة هناك، ودخل الشمال السوري عن طريق الحدود التركية، كان يعتزم الخروج من سوريا عن طريق لبنان في 14 أغسطس آب من نفس العام، لكن قبلها بيوم وخلال توجهه للبنان اختفى بعد خروجه من مدينة داريا، ويقول أهله إنه اعتقل عند نقطة تفتيش بعد مغادرته بوقت قصير، وتقول الولايات المتحدة إنه مختطف في سوريا.

بعد 5 أسابيع من اختفائه ظهر فيديو مدته 43 ثانية يبين أنه “على قيد الحياة” دون وجود رسائل مصاحبة، وقد شكك أمريكيون بمصداقية الفيديو، فيما قدم مكتب التحقيقات الفدرالي مكافأة تصل إلى مليون دولار مقابل المعلومات التي تؤدي إلى مكانه وعودته سالماً.

ووفق ما نشر موقع الجزيرة نت فإن تايس موجود في سجن الطاحونة الخاص بالحرس الجمهوري قرب أحد القصور الرئاسية المطل على مطار المزة العسكري.

مجد كم الماز

طبيب نفسي حصل على الجنسية الأمريكية، وهو من مواليد دمشق وأب لخمسة وجد لـ13 طفلاً، قدّم عام 2004 علاجاً مجانياً للناجين من إعصار كاترينا، وتسونامي الإندونيسي، والحرب في كوسوفو، وكان يريد معالجة السوريين في عيادته التي افتتحها في لبنان، وفق صحيفة نيويورك تايمز.

وبعد وصوله إلى العاصمة دمشق عام 2017 تم إيقافه في إحدى نقاط التفتيش العسكرية، وخرجت أنباء تتحدث عن احتجازه في مطار المزة العسكري، فيما أبلغت الحكومة السورية السفيرة التشيكية إيفا فيليبي (الوسيطة بين الولايات المتحدة وسوريا) أن كم الماز ليس عندها، ولم تستطع العائلة معرفة أية تفاصيل إضافية.

الولايات المتحدة وسوريا

في أغسطس آب لهذا العام زار كبير مديري مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي الأمريكي والمبعوث الخاص لوزارة الخارجية لشؤون الرهائن العاصمة السورية دمشق لإجراء محادثات مع علي مملوك رئيس جهاز استخبارات مكتب الأمن القومي في حكومة النظام السوري، في محاولة لتأمين إطلاق سراح الأمريكيَين المحتجزين لديه (أستن تايس ومجد كم الماز)، ولكنه لم يُحرز أي تقدم عن هذه الخطوة، رغم الوساطة اللبنانية بين الطرفين وفق ما كشفه روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى عبر تويتر.

وفي ذكرى اختفاء تايس نشرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بياناً أوضحت خلاله أن ترامب كتب للرئيس السوري اقتراح حوار مباشر.

وفي 25 مارس آذار طالبت الخارجية الأمريكية في بيان لها النظام السوري باتخاذ خطوات ملموسة لحماية المدنيين بمن فيهم المواطنين الأمريكيين المعتقلين “تعسفاً” لدى النظام وفق البيان.

وكانت وكالة المخابرات المركزية قد أرسلت مسؤولاً رفيع المستوى في 2018 للقاء علي مملوك  “حيث أثار المسؤول قضية تايس” وفق صحيفة نيويورك تايمز.

وفي 2017 اتصل وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بعلي مملوك مدير وكالة المخابرات المركزية حينها من أجل “فتح قنوات اتصال خفية”، وقال مسؤولون إن واشنطن أرسلت وسيطاً للنظام السوري، وقد سلمه رسالة غير متوقعة من الحكومة الأمريكية، لكن الجهود توقفت في العام التالي بسبب شن قوات النظام السوري هجوماً كيماوياً على ريف دمشق حيث تسيطر قوات المعارضة.

وقال المحلل السياسي والاستراتيجي وعضو الوفد الحكومي السوري المفاوض في جنيف أسامة دنورة لوكالة سبوتنيك الروسية إن الزيارات الأمريكية تعكس “استعادة المنظور الأمريكي حيال سوريا، والإقرار بالتواصل مع الدولة السورية ضمن ظروفها الراهنة” وفق تعبيره.

وتعيش كل من الولايات المتحدة وسوريا علاقات دبلوماسية محدودة، إذ أغلقت أمريكا سفارتها في دمشق عام 2012، كما أمرت بإغلاق السفارة السورية في واشنطن عام 2014، وفرضت الأخيرة على دمشق منذ عام 2011 عقوبات طالت مسؤولين وهيئات بسبب انتهاكهم لحقوق الإنسان.

وبحسب صحيفة نيويورك تايمز فإن الحكومة السورية لم تُقِر علناً باحتجاز الأمريكيَين لديها، وقد فسر ذلك الدبلوماسي السابق بسام بربندي في حديث لـ “إيران وير”، وقال إن اعتراف النظام باعتقال الأمريكيين سيفتح له أبواباً مختلفة وأكثر جدية “ليس فقط أمريكية بل ودولية” “وهو يلعب بهذه الورقة بشكل غير مباشر”.

وأوضح الدبلوماسي أن النظام السوري يسرب معلومات وتفاصيل بشكل غير مباشر للأمريكان دون تبنيها، كما اعتبر أن هناك قنوات تبادل معلومات بين النظام السوري والولايات المتحدة بشكل غير مباشر.

ووافق بربندي على أن النظام السوري لن يطلق سراح المعتقلين دون الحصول على مقابل سياسي، ويريد فتح حوار مع أميركا يُحقق فيه تطبيع العلاقات وإعادة شرعيته انطلاقاً من ملف المخطوفين الأمريكيين لديه، مضيفاً أن النظام لا يستطيع تقديم شيء بشكل منفصل عن الروس أو إيران.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد