أزمة الرواتب في العراق.. كيف نغلق باب الفساد الذي يرهق الاقتصاد؟

وليد النوفل – إيران وير

بعد مخاض عسير وخلافات حادة بين القوى السياسية، أنهى البرلمان العراقي أزمة الرواتب المتأخرة التي تعصف بالبلاد منذ شهور، وتمكن من تمرير “قانون الاقتراض” الداخلي، ليضمن حصول موظفي الدولة على أجورهم حتى نهاية العام الجاري.

وقد طلبت الحكومة العراقية قرضاً بحوالي 41 تريليون دينار، إلا أن البرلمان وافق على 12 تريليون دينار فقط. ولم تتوفر أي تفاصيل عن آلية القرض، بل قيل إن الحكومة ستحصل عليه من البنوك والمصارف الخاصة، وحتى بالنسبة للمدة والفائدة فهما غير معروفتين بحسب ما أفاد مراسل إيران وير.

والعراق بلد ذو اقتصاد ريعي، يعتمد بشكل أساسي على إيرادات النفط لتمويل 95% من نفقاته، لذلك تلقى ضربة موجعة بعد تراجع الأسعار بفعل جائحة كورونا مما قاد البلاد إلى ضيق مالي أجبرها على الاقتراض.

وهذه هي المرة الثانية التي تطلب فيها الحكومة من البرلمان تمرير قانون للاقتراض، بهدف تأمين الرواتب والنفقات التشغيلية. ففي يونيو/حزيران الماضي، أقر البرلمان العراقي مشروع قانون سمح للحكومة باقتراض 15 تريليون دينار (ما يعادل 12.5 مليار دولار) داخلياً، و 5 مليارات دولار من الخارج.

لكن بحلول سبتمبر/أيلول الماضي، كانت هذه الأموال قد نفذت وباتت الحكومة عاجزة عن دفع رواتب سبتمبر وأكتوبر الماضيين.

خلل الموازنة العامة

تدفع الحكومة العراقية “رواتب مرتفعة جداً مقارنة بدول المنطقة”، حسبما قال المحلل الاقتصادي ضرغام محمد علي، مستشهداً على ذلك بأن: “كل شرطي أو جندي عراقي يحصل على قرابة 1000 دولار شهرياً”.

عملات مختلفة. مصدر الصورة موقع فليكر

وفي حديثه لـ”إيران وير”، يبين محمد علي أن “ظاهرة ارتفاع الرواتب” (كما يسميها) حدثت في زمن حكومة نوري المالكي (2006 – 2014)، حين كانت الموازنات العامة “انفجارية”، بفضل ارتفاع سعر برميل النفط إلى 120 دولار، لكن “عندما تراجعت الأسعار حدث الخلل، وزادت نفقات الرواتب عن إيراداتها.

وبعد قرار منظمة الدول المصدرة للبترول “أوبك” خفض الإنتاج، في أعقاب جائحة كورونا، اضطر العراق أيضاً لخفض إنتاجه، وهو ما ألحق باقتصاده خسائر فادحة.

ومع انخفاض إنتاج النفط وتراجع أسعاره، تراجع الدخل الشهري للعراق إلى 4.5 تريليون دينار أو ما يعادل 3.6 مليار دولار، بينما تبلغ قيمة الرواتب الشهرية 5 تريليون دينار، أو ما يعادل 4.5 مليار دولار.

وتضاف إلى العجز السابق، “النفقات الحاكمة” المخصصة لتغطية البطاقة التموينية، والانتخابات، والطاقة الكهربائية، ودعاوى الملكية، وتوفير الوقود لمحطات الكهرباء، ودعم الأدوية وشراء الحبوب والبذور، وموازنة هيئة الحج والعمرة، وتكلفة استخراج النفط وغيرها، بحيث تصل نفقات الحكومة إلى 7 تريليون دينار شهرياً، ما يعني عجزاً بقيمة 2.5 تريليون دينار شهرياً، بحسب ما قال الباحث يزن الجبوري.

ويقول محمد علي إن السقف العالي لطلب الاقتراض، والذي يصل إلى 5 أضعاف قيمة العجز في الرواتب، جعل اللجنة المالية في البرلمان تعترض على الأمر”، وهو أيضا ما دفع الحكومة للامتناع عن تسديد الرواتب، لخلق تيار شعبي يطالب بتمرير قانون الاقتراض (عبر البرلمان).

وقد نتج عن عملية الشد والجذب بين البرلمان والحكومة، تأخير رواتب العاملين في الدولة، إضافة إلى “تلميحات حكومية بخفض الرواتب، وبالتالي خلق أزمات جديدة” وفقاً لمحمد علي.

عيوب “قانون الاقتراض”

رغم أن “قانون الاقتراض” سيسعف بحل المشكلة، إلا أنه يحمل الكثير من الآثار السلبية على الاقتصاد المتأزم مسبقاً.

ووفق محمد علي، فإن “هذا القانون يفاقم الديون، ويسحب مبالغ كبيرة من ودائع المصارف، وهو ما سيولد آثاراً تراكمية، وفي حال استمر الاقتراض سيكون الاقتصاد على حافة الإفلاس وقد ينهار، كما أنه سيؤثرعلى قيمة العملة”.

ويضيف الخبير الاقتصادي همام الشماع أن قانون الاقتراض “يحمل الأجيال القادمة مسؤولية سداد القرض وأعباء الفوائد الكثيرة التي تترتب عليه”.

إذ تفوق مديونية العراق 140 مليار دولار، ومع إضافة القرض الحالي، فإنها بحسب ما قال الشماع لـ”إيران وير” قد تتخطى 150 مليار دولار.

الحاجة لقرارات جريئة

يقول الباحث يزن الجبوري في حديث “لإيران وير”: حين قررت الحكومة العراقية الذهاب باتجاه الإصلاح ، اصطدمت بمشكلة أن السلطة التنفيذية منذ عام 2005 وحتى اليوم لا تعمل لصالح الدولة، بل لصالح صوت الناخب، وبالتالي لا تستطيع اتخاذ قرارات جريئة لحل أزمة الرواتب، لذلك من الممكن خفض الرواتب أو تعويم الدينار وهي قرارات لا أحد يتجرأ على القيام بها”.

واقترح الجبوري تخفيض قيمة الدينار مقابل الدولار، بحيث يصبح 2000 بدلاً من 1250 دينار كما هو اليوم. وبالتالي تصبح قيمة إيرادات النفط 3.6 مليار دولار شهرياً أو ما يعادل 7 تريليون دينار، وهي خطوة تتماشى مع “رغبة السلطة التنفيذية في عدم المساس بالرواتب”، إلا أن هذه العملية تنطوي على مخاطر أبرزها زيادة التضخم.

ومن هذا المنطلق، فإن الحكومة مع رفضها خيار تعويم العملة، تعقد الأمل على احتمالية ارتفاع أسعار النفط مع حلول مايو أيار القادم، لكن “هذه مجرد توقعات، وقد لا يكون هناك خيار سوى التعويم”.

الاقتراض بدل القضاء على الفساد

يرى الخبير همام الشماع أن الحكومة اتجهت للاقتراض بكل سلبياته، بدل اتخاذ إجراءات تقشفية لزيادة الموارد وتخفيض النفقات، والسبب هو أن “زيادة الموارد يعني الوقوف في وجه الفساد، والسيطرة على الموارد التي يسرقها الفاسدون”.

ويشرح: “أقصد بشكل دقيق إيرادات المنافذ الحدودية والضريبية وبالتالي حرمان الفاسدين من الحصول على إيراداتها، أضف إلى ذلك رواتب الموظفين الوهميين، الذين يقدرون بمليون موظف، والتي تذهب إلى جيوب الفاسدين أيضاً”.

ويوضح محمد علي أن “سوء إدارة الموارد المتعمد يقود البلاد إلى مزيد من التأزم الاقتصادي، وأن هنالك حاجة حقيقية إلى قوة تحارب الفساد، وتنفذ آلية الإصلاح وليس نظريات كلاسيكية فقط”.

توقعات 2021

رغم انفراج أزمة الرواتب حتى ولو بشكل مؤقت، يبقى الشارع العراقي قلقاً بشأن ما سيؤول إليه الحال في 2021، واحتمال لجوء الحكومة للاقتراض مرة أخرى.

الدينار العراقي. مصدر الصورة موقع فليكر

حيث يبدو أن تمرير مشروع قرار بالاقتراض داخلياً العام القادم قد يكون مستحيلاً، أو غير سهل على أقل تقدير لاسيما في ظل الصراعات بين القوى السياسية، واستخدام ملف أزمة الرواتب كورقة ضغط.

وفي حال تأخرت الحكومة في سداد الرواتب العام القادم، “ستعم البلاد فوضى عارمة، قد تحول الحياة إلى عنف وصدام دموي، وقد تطيح بالاستقرار السياسي والاقتصادي”، بحسب ما قال الشماع.

وتأتي تخوفات الشماع بالتزامن مع ضبابية مستقبل أسعار النفط، فرغم الآفاق الإيجابية لمعالجة جائحة كورونا بالعثور على اللقاح، وزيادة الطلب على النفط، إلا أننا لا نزال بعيدين عن أسعار آمنة، تستطيع أن تؤمن الاقتصاد العراقي”، لذلك “لابد من إجراءات إصلاحية جذرية وحقيقية بعيداً عن التوقعات”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد