هل تفتح العقوبات الأميركية على باسيل ملف رئاسة لبنان باكراً؟

عماد الشدياق – مراسل “إيران وير” في لبنان

” Throw someone under the bus ” أو رمي شخص تحت الحافلة، تعبير أميركي يُستعمل للدلالة على إيقاع أحدهم بكارثة.

في لبنان، السياسي والوزير السابق جبران باسيل “أصبح تحت الحافلة” بسبب 1430 كلم بحريّ، وبعد أشهر من التهديد المبطن بواسطة التسريبات الإعلامية، تحت عقوبات “قانون ماغنيتسكي” الذي يعاقب على الفساد، كما أنّه مرشّح لأن يُدرج على لوائح إضافية بموجب قوانين أخرى مثل “أوفاك”، بحسب ما ألمحت السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيا، في خطاب الرد على ادعاءات باسيل قبل أيام.

عندما ذهب الجيش اللبناني إلى المفاوضات مع إسرائيل في 27 أكتوبر تشرين الأول، متأبطاً الخرائط التي ترفع من حصة المياه الاقتصادية نحو 1430 كلم إضافة إلى 860 كلم متنازع عليها أصلاً، ظنّ باسيل أنّ زيادة عدد الوفد المفاوض في منطقة الناقورة الجنوبية، ليضمّ مدنيين أو دبلوماسيين إلى جانب عسكريين، قد يرضي واشنطن وتل أبيب، فيستمر بلعبة تمديد الوقت انتظاراً لمعرفة هوية الساكن الجديد للبيت الأبيض.

لكن فاته أنّ تل أبيب وواشنطن لا تملكان هذا ترف التمديد والإطالة، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب بحاجة لتحقيق اختراقات في الملفات الخارجية قبل الانتخابات وليس بعدها فيما تستعجل إسرائيل إنهاء النزاع على المياه الإقليمية.

وفات باسيل أيضاً أنّ لعبة الانتظار ليست للأفراد والكيانات وإنما للدول فقط. لقد أذعن ترامب لخيار الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالتريث وانتظار نتيجة الانتخابات الرئاسية، بعد أن فشل في جرّها إلى مائدة المفاوضات. لكن في المقابل، لم يرضَ بأن يسري هذا الأمر على ذراعها في لبنان.

لقد بدا “حزب الله” محنّكاً ومدركاً لخطورة هذه الحقيقة أكثر من باسيل، فوافق على السير بالمفاوضات البحرية، دون أن تغيب صورة انفجار مرفأ بيروت الذي لم تُعرف أسبابه حتى اللحظة، عن بال الحزب.

وفهم “حزب الله” أنّ التلكؤ في إطلاق المفاوضات البحرية مع إسرائيل أمر خطير قد ينزلق به إلى سيناريو حربي هو ليس بحاجة إليه في هذه الظروف (تحدث عنه الأمين العام حسن نصرالله في خطابه الخميس)، خصوصاً بعد “عراضة” رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “التمهيدية” في الأمم المتحدة، والغارات الإسرائيلية والأميركية التي تستهدف مقراتهما في سوريا بلا انقطاع.

وافق الحزب على السير في مخاض التفاوض على ترسيم الحدود البحرية والبرية، رغم العقوبات التي طالت شخصيتين من أبرز حلفائه، أي الوزير علي حسن خليل من “حركة أمل” والوزير يوسف فنيانوس من حزب “المردة”.

ولم يجرؤ الحزب على عرقلة جولاتها الأربع حتى الآن، رغم الامتعاض الإسرائيلي والأميركي من إعادة طرح ما هو أبعد من “خط هوف” الذي افتُتح ملف المفاوضات مع إسرائيل بموجبه.

تعرف واشنطن أنّ “حزب الله” لا تؤثر عليه العقوبات، لكنّها تعرف أيضاً أنّ العقوبات قد تكون موجعة جداً حينما تطال حلفاءه. هذه الحقيقة لم يتنبّه لها باسيل، وإنّما راح يقطع الوعود للأميركيين بقُرب “طلاقه” من الحزب، وذلك باعتراف السفيرة الأميركية التي تخلّت الاثنين الماضي عن أصول التخاطب الدبلوماسيي، وأماطت اللثام في كلمة متلفزة، عن أساليب باسيل في المماطلة والهروب إلى الأمام، ظناً أنّ وصول المرشح الديمقراطي جو بايدن إلى البيت الأبيض قد يعيد عقارب الساعة إلى الوراء.  

إدارة ترامب كانت أدهى، فرضت العقوبات على باسيل قبل إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية، فيما يبدو أن مسلسل الانتقام من كل جهة طالبها ترامب بتنازل أو بخدمة لتحسين مكانته في الانتخابات ولم تلبِّه، ستنال نصيبها في الشهرين المتبقيين له في البيت الأبيض.

الوقائع تظهر أنّ هذه النظرية صحيحة نسبياً وإلى حد كبير، خصوصاً بعد العقوبات التي طالت قطاع النفط في سوريا قبل أيام، وذلك بسبب رفض رئيس النظام السوري بشار الأسد، حتى اللحظات الأخيرة، الإفراج عن الصحافي أوستن تايس الذي طالب ترامب بالإفراج عنه.

في المقابل أراد النظام انسحاب القوات الأميركية من التنف ومن مناطق شرق الفرات، رافضاً التجاوب مع مطلب ترامب، فنال نصيبه من العقوبات باستهداف وزارة البترول والثروة المعدنية السورية، إلى جانب مسؤولين عسكريين وأعضاء في مجلس النواب وكيانات حكومية سورية.

العقوبات الأميركية على باسيل أصابت عصفورين بحجر واحد: وجهّت رسالة شديدة اللهجة إلى باسيل في الظاهر، لكنّها في الباطن أصابت “حزب الله”، فأوجعته بحلفائه وبغطائه “غير الشيعي” من قماشة الحلفاء الذين يستر بواسطتهم “عورة” الدويلة التي يقيمها على هامش الدولة اللبنانية.

في المقابل، زادت العقوبات تمسّك باسيل بـ”حزب الله”، الذي لم يُظهر يوماً أنّه مستعدّ للتخلّي عن أي حليف في مثل هذه الظروف. وحتى لو أراد الحزب التخلّي عن باسيل لأسباب سياسية أو أي أسباب أخرى، فإنّ المهمة قد صعّبت عليه بعد العقوبات.

العصفور الآخر الذي أصابته العقوبات، هو جهود الرئيس المكلف سعد الحريري في تشكيل حكومة جديدة، وعد أن تكون وزارة المالية فيها من حصة “حزب الله” وحليفه “حركة أمل”، وهو ما كانت ترفضه الإدارة الأميركية منذ إطلاق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمبادرته من بيروت.

وبدت حكومة الحريري أكثر تعثراً بعد العقوبات على باسيل. واتجهت الأمور صوب اعتذار رئيسها المكلف نتيحة تشدّد الرئيس ميشال عون ورفعه سقف المطالب الحكومية، كشرط للتوقيع على مرسوم تشكيلها.

يحاول باسيل انتزاع تعهدٍ من الحزب لإيصاله إلى بعبدا على غرار عمّه، لكنّه فشل. وربما بات اليوم أقرب إلى تحقيق هذا الإنجاز بعد العقوبات، خاصة أنّ رئاسة الجمهورية تتّسم أكثر بالطابع المحلي، منذ “اتفاق الدوحة” الذي كرّس سيطرة “حزب الله” بشكل شبه كامل على الدولة اللبنانية.  

ربما يقترب باسيل أكثر من قصر بعبدا بخلاف ما يظنّ البعض، خاصة في حال حُسمت نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية نهائياً لصالح جو بايدن. والعائق الوحيد أمامه ليحظى بهذا الوعد من “حزب الله”، يتمثّل بالأزمة التي تضرب الاقتصاد اللبناني.

وفي حال خرج لبنان من أزمته بمساعدة المحبين والغيارى، أمثال فرنسا، والتزم بالاصلاحات المطلوبة التي يتابعها مستشار ماكرون لشؤون الشرق الأدنى باتريك دوريل في بيروت، إضافة إلى جهود سعد الحريري (صديق ماكرون)، فستكون كلها بمثابة “هدية” لباسيل قد يحصد نتائجها السياسية هو وحلفاؤه في “حزب الله”، كونهما اللاعبان الرئيسيان في لبنان اليوم، وهما الأقدر والأقوى على التفاوض والاستثمار وتحقيق المكاسب.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد